دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 12/10/2017 م , الساعة 12:36 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

يا أريجاً من زمن أنيق!

يا أريجاً من زمن أنيق!

بقلم - أ.د.عمر بن قينه:

قالت في رسالتها بعد (السلام) متردّدة، ربما خشية خطأ في العنوان: " كيف حالك أستاذ؟ أين أنت الآن؟..." ثم: اكتشفت بريدك "حين قرأت الراية القطرية التي برق فيها..".

رفعت الأستاذة الكاتبة الستار عن نحو ثلاثين سنة من انقطاع بعد تواصل إنساني عذب من بعيد (غرقنا) معاً خلالها، في ميدان واحد (التعليم)!، صارت (عاشقة الكلمات) كاتبة، فاحتواها ما احتواني في مهنَتَيْ (المتاعب العذبة): التعليم عملاً والكتابة رسالة في الحياة، عانقنا معاً هذه حباً حتى الهيام، وتلك وظيفة علمية إنسانية شريفة عن حب قبل أن يجتاحها (التشوّه) فبلغ اليوم أسوأ مدى له. لم يعد المعلّم معلّماً كما كان (بالمصطلح التربوي العلمي) ولا التلميذ تلميذاً (كذلك)! يا للزّمن الجميل المُنسحب لصالح (الزمن الوافد) المعيب!.

من هذا الفضاء الوجداني كان ردي الفوري العفوي عن مراسلتي باختصار، من دون تفكير في (بضع كلمات): "حيّاك الله وبيّاك يا أريجاً من زمن أنيق"!.

كان أريج الزهور من آخر (الزمن الأنيق) الذي بدأت مراسلتي منه الاتصال بي، وهي طالبة في جامعة وأنا أستاذ في أخرى؛ فقدّمت نفسها في البدء أنها تلميذتي، فلم أكد أشرع أحفر في الذاكرة- التي لا تتلاشى فيها أسماء طلبتي المتميّزين- حتى أوضحتْ: أنها تتلمذت عليّ في كتبي، فيها ما وجَّهها وجَعلها تحدّد مَواقفها في الحياة.

حين أستقبل رسائلها أشعر أنني أمام مشروع كاتبة، حتى في التعبير عن لحظة قراءتها رسالتي لها، ماذا أقول؟ نزل الستار دون أكثر من 30 سنة غادرَنا أو غادرْنا (بقايا الزمن الأنيق) يا تلميذتي الروحية في زمن العزّة والنبل! حين كانت العلاقة بين المعلم والتلميذ تسمو، تدقّ، ثمّة نداء الواجب، نداء الروح، نداء الضمائر الحيّة.      

رحمه الله زمناً اندثر! كان عذباً أنيقاً فعلاً! كانت علاقة المعلّم فيه بالتلميذ وأوليائه قائمة على الإخلاص والصدق والمودة والتقدير المتبادل!، يضحّي المعلّم بوقته، لا يبخل بجهد بما يراه خيراً لتلميذه، إفادة وتوجيهاً، حسب علمه واجتهاده، قد لا يكون الفارق بين التلميذ والمعلّم ثماني سنوات، يدرّس معلّم في العشرين من العمر تلميذاً في الثانية عشرة من عمره!، المودة الصافية طابع العلاقة الإنسانية الجميلة.

كان حب المعلّم تلميذه في مستوى حبه ابنه، في متابعته والتفكير في وضعه ومستقبله، والغضب منه في الخطأ حرصاً عليه، حتى العقاب - لدى معلّم لم ينل من علوم التربية شيئاً ذا بال - كان أخلاقياً رفيعاً: زجراً هادئاً أو عقاباً غير مؤذٍ، كحرمان من دقائق استراحة، أو كتابة سطر مكرّر مرات أو (بضربة) بسيطة بمسطرة صغيرة على (الكفّين) يبسطهما الصغير من دون تلكّؤٍ، سرعان ما يعوّض المعلّم ذلك بحنوّ يزيد التلميذ ارتباطاً بمعلمه وحبّاً له.

 (كان) التلاميذ وأولياؤهم ينظرون إلى المعلّم ذي المستوى المتواضع باحترام كبير، لا يحظى اليوم باثنين في المئة منه أستاذ الجامعة نفسه، كما لا ترقى أخلاق طالب الجامعة إلى خمس نقاط في المئة من مستوى التلميذ في الابتدائي، ابتداء من ستينيات القرن العشرين!

أصاب الانهيار اليوم كل شيء (المعلم والتلميذ والطالب والأستاذ)، المعلم لا يشغله إلا همّ راتب، يخلو عمله من الإخلاص إلاّ من رحم الله!، لا يحمل همّ تلميذه، يضربه بعنف! قد يشتمه! ربما بكلمات بذيئة!، وا أسفاه!، كما يضرب تلميذ الثانوية معلّمته أو يشتمها، مثلما تفعل المعلّمة، أصابت إحداهنّ تلميذها في عينه بلكمة، رفع أبوه عليها قضية، حكمت عليها محكمة بالسجن (6 شهور) وغرامة مالية (مليونين ومئتي ألف دينار) حصيلة راتبها لمدة قد تزيد عن عشرين سنة (من دون أن تأخذ من ذلك الراتب خلالها ديناراً واحداً)!، يا للبؤس!،

كانت العلاقات أنيقة عذبة بين المعلّم وتلميذه، أمومة روحية تامة بين المعلمة وتلميذها أو تلميذتها. الاحترام سمة العلاقة بين المعلّم من جهة والتلاميذ وأوليائهم من جهة أخرى.

أين أنت أيها الزمن الأنيق الذي جعل كاتبتنا يومئذ تعلن التلمذة الروحية؟ السموّ الاجتماعي، وا حسرتاه عليك أيها الزمن الجميل، يبقى رضاء الضمير أخيراً لدى معلّم لم يخن واجبه المهني، لم يكسب حراماً، لا سكن من حرام، يلقى الله مطمئنّاً.

كاتب جزائري

beng.33@hotmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .