دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 3/9/2018 م , الساعة 1:51 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

محمود درويش مات متشائماً!

محمود درويش مات متشائماً!

بقلم : جهاد فاضل - كاتب لبناني ..
الشعراء في كل وادٍ يهيمون، وقد يصلون خلال هيمانهم في الوديان إلى وادي التشاؤم، وهذا ما وصل إليه الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش في سنواته الأخيرة. فبمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله تصدر خلال أيام حواراته التي أدلى بها إلى الصحافة على مدار حياته وبينها حوار أخير يقول فيه إنه شديد التشاؤم في ما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، وإنه لا يريد أن يبيع الناس أوهاماً كاذبة. وهو قول يستدعي التوقف عنده، والتأمل فيه، ومناقشته لا اعتباره مجرد خاطرة خطرت في بال شاعر، ذلك أن محمود درويش لم يكن مجرد شاعر فقط لا غير، بل كان أيضاً مفكراً ورائياً ومناضلاً بل رمزاً من رموز النضال الفلسطيني المعاصر. ثم إن هذا الشاعر ألهم شعبه سواء في شعره أو في نثره أعظم الأفكار والرؤى، وحرّضه على العمل من أجل استعادة وطنه، وصوّر عدوّه على أنه مجرد عابر في كلمات عابرة.

وتاريخ هذا الشاعر يدلّ على أنه لم يكن شاعراً عابراً في حياة شعبه، بل كان ضمير هذا الشعب ورسوله إلى الأندية العالمية التي تضمّ نخبة الأدباء والشعراء ذوي النزعة الإنسانية. فهو إذن روح فلسطين ونبضها وضميرها، وعندما يقول في آخر تصريح له على هذه الفانية إنه متشائم حيال مستقبل فلسطين لا يجوز لنا أن نتلهّى بالقول: ولكنه كان متفائلاً حول هذا المستقبل في شعره.. طبعاً لقد بثّ الأمل والرجاء في ديوانه الشعري، ولكنه لا يتناقض مع هذا الديوان عندما يقول إنه يرى الأفق مكفهراً، وإن المركب يغرق في اليمّ. اكتفى الشاعر بالتعبير عن تشاؤمه دون أن يدلي بأسبابه. قال كلمته ومضى.

وقد لا تكون هذه الكلمة بحاجة إلى شرح. فمن يناقش في كون فلسطين في مثل الوضع الصعب الذي يشير إليه محمود درويش، وفي كون مستقبلها شبيهاً بما آلت إليه الأندلس عند سقوطها عام 1492؟ وعلى أية ظاهرة فلسطينية أو عربية مضيئة يمكن أن نراهن سعياً وراء طرد التشاؤم الذي وقع الشاعر أسيراً له في سنواته الأخيرة؟ هل تغيّرت صورة النضال الوطني الفلسطيني بكل أشكالها في الوقت الراهن عما كانت عليه عام 1948 بوجه اليهود وعمّا كان سائداً زمن الزعيم فوزي القاوقجي قائد ما كان يُسمى بـ «جيش الإنقاذ»؟ هل اتّحد الفلسطينيون يوماً بوجه إسرائيل، كما اتحدت فيتنام زمن هوشي منه بوجه الغزاة الأمريكان، وهل يتصور أحد أنهم سيتّحدون يوماً؟ هذا على الجبهة الفلسطينية.

أما على الجبهة العربية فلا حاجة للحديث. على الجبهة الإسرائيلية تزداد النظرة التشاؤمية لمحمود قوة ومنعة. إسرائيل تزداد قوة ونفوذاً مع الوقت وتتحول إلى حقيقة راسخة من حقائق العصر. بل إن جميع الدول والقوى الأساسية تتنافس الآن على خطب ودّها وتلبية طلباتها، في حين تغيب القضية الفلسطينية في غياهب النسيان ولا ترد عبارة «حل الدولتين» إلا في بيان صادر عن حكومة رام الله لا يلتفت إليه أحد.

حتى «الأونروا» بجهد الشرفاء في العالم الآن للإبقاء عليها ويتعبون في العثور على ممولين لأنشطتها.
يتخذ تشاؤم محمود درويش أسبابه الموجبة من واقع الفلسطينيين ومن الواقع الإسرائيلي على السواء. فلا نسمة عليلة واحدة تنعش أقدس قضية وطنية وإنسانية على وجه البسيطة، بل الرياح الهوجاء من كل صوب هي التي تهبّ على هذه القضية.

اليهود مسلّحون في حربهم على فلسطين لا بأحدث الأسلحة الحربية الفتاكة وحدها بل بأسلحة العصر والحضارة والعلم والتقدم، في حين أن العقل الذي يواجهها يزداد تخلفاً كل يوم ويغرق في ثقافة قديمة عفى عليها الزمن، ولا يوجد من يطالب بطرد هذه الثقافة وإحلال ثقافة أخرى محلها تقوم على قواميس ومعاجم وأدبيات ولغات ومصطلحات يتحدث بها العالم كله ويمارسها، وقد ثبتت نجاعتها، في حين أننا لا نتمكن من الخروج من عقلية القرون السالفة ومواضعاتها وقيمها وتقاليدها التي لم تعد متداولة في أي مكان آخر تحت الشمس إلا عندنا.

قبل رحيله بقليل أعلن محمود درويش، ضمير القضية الفلسطينية تشاؤمه من مستقبل هذه القضية لأسباب لم يوضحها، ولكنها قابلة للظن والتخمين. تُرى لو كان محمود، رحمه الله، حيّاً بيننا اليوم، هل كان سيفارق تشاؤمه أم كان سيؤكده؟ أغلب الظن أنه كان سيؤكد هذا التشاؤم نثراً وإن كان سيعود إلى نغمة «عابرون في كلام عابر» شعراً.. ولكن المعوّل عليه برأينا، وفي حالتنا هذه بالذات، هو النثر لا الشعر.

فالشعر مرادف للحلم والرومانسية، في حين أن النثر واقعي وعقلاني ويُعتدّ به لا بسواه في سياسة الأمم والدول ومستقبلها. وقد كان محمود درويش صادقاً ورائياً في شعره، كما في نثره. وخير الزعماء والعظماء والشعراء بنظرنا هو من واجه شعبه مواجهة صادقة ولو فظة قاسية، لا مواجهة بلاغية وإنشائية كما يفعل الكثيرون. فالكيّ، كما هو معروف يُستخدم في الطب كعلاج.
  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .