دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 6/11/2017 م , الساعة 12:14 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

اهتزازات الفضاء العربي

اهتزازات الفضاء العربي

بقلم - منى عبد الفتاح:

كان من واجب النخبة العربية الاستعداد معرفياً لمواجهة تأثيرات العولمة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية، وإذ لم تقم بذلك تكون قد فشلت في عملية التجديد المعرفي الذي كان سيمكّنها من متابعة التغيّرات العالمية، خاصة مع سقوط النماذج المعرفية القديمة. وأخطر من ذلك أنّها تعاملت مع العولمة كمفهوم حتمي يستدعي تطبيق ممارساته على الدوام، ولم تنتبه النخبة العربية إلّا بعد أن ظهرت أدبيات غربية تتناول نهاية العولمة، وهي - أي النخبة - لم تحرّك ساكناً كمحاولة منها لفكّ أسرارها، وظلت مأخوذة بحالة الاندهاش الأولى.

يبرّر الكاتبان إريك كازدين وإمري زيمان هذه الحالة من عدم المواجهة غير الجادة مع ما يأتي بعد العولمة؛ بأنّ العولمة جاءت مستندة إلى مشروع أيديولوجي أكثر جوهرية، وهو مشروع لم يكن مُعترَفاً به وقت تأسيسه، على الرغم من أنّه كان ضرورياً لعملها بفعالية. وفي رأيهما أنّ العولمة تشمل تكويناً زمنياً معيّناً، لا يمكن أن يتخيّل ما بعده. «يمكن أن يلي الحداثة ما بعد الحداثة، ولكن ماذا عن العولمة؟، يبدو مصطلح «ما بعد العولمة» كما لو كان خاتمة «ديستوبية» لكل شيء، وليس مرحلة جديدة من الوجود الإنساني».

وإن كانت ما بعد العولمة كما وصفاها «ديستوبية» أي صنو الواقع المرير لمجتمع خيالي، فاسد وهمي ومخيف تسوده الفوضى ويحكمه الشرّ المطلق، أو مجتمع واهم وحالم يعيش في فضائه الافتراضي بعيداً عن الواقع الحقيقي، فقد تم إهمال تبعاته وعجزت النخبة العربية على وجه الخصوص في الاستعداد له كمرحلة، سوف يكون لها ما بعدها.

ونشأ ذلك بالإضافة إلى أسباب أخرى، نتيجة إلى سقوط الليبرالية الجديدة والتي كانت أساس العولمة وأحد أدواتها للهيمنة على اقتصادات العالم. أدت هذه الهزّة العنيفة إلى ظهور شبح انهيار المنظومة المالية الغربية خاصة في الولايات المتحدة وقد تم تداركها بتدخل الدولة وضخ الأموال في المؤسسات المالية. ويُعتبر هذا التدخل رِدّة في الليبرالية الاقتصادية وساهم ذلك في ظهورها مخفّفة باسم الأزمة المالية العالمية.

كان سقوط العولمة الاقتصادية بمثابة مؤثّر رئيس على بقية ركائز العولمة. أما مرحلة ما بعد العولمة الثقافية والفكرية فقد أدى تداخل البناء الفكري مع ما بعد العولمة واصطدامه مع تحدي الأيديولوجية الزمنية إلى ظهور القصور في البناء الفكري العربي. ويتمثّل هذا القصور في: انعزال النخب المثقفة عن واقع المجتمع، ضعف الخطاب العربي وعدم قدرته على مجاراة تطور الحياة والقضايا المستجدة وعدم تقديم رؤية نهضوية إصلاحية، وغياب القدرة على الإبداع والتجديد وضآلة الإنتاج الفكري خاصة على مستوى العلوم التطبيقية، فما زال الاعتماد الكامل في كل المجالات الحيوية على الدول الغربية.

وحتى حالات النهوض الحضاري العربي النادرة تمثّلت في استيراد مخرجات الحضارة الغربية المتمثّلة في الأفكار والمنتجات والأنظمة وبذلك بدأ المجتمع العربي يفقد هويته الحضارية ويصبح امتداداً للمجتمع الغربي. والحضارة في رأي مالك بن نبي كما جاءت في كتابه (شروط النهضة: 1986م) هي التي تلد منتجاتها، وتطبعه بروحها وفكرها، والعالم العربي لم يتمكن من بناء حضارة، لأنّه اقتصر على تكديس المنتجات المادية. وبناء الحضارة عند مالك بن نبي يتم وفق معادلة تتفاعل فيها ثلاثة عناصر هي: الإنسان بما يمثله من طاقات الفكر والإبداع، والأرض التي تمثّل الإمكانات المادية والاقتصادية، والزمن الذي يتم فيه نمو الخبرة وإنضاجها. ولا يتم التفاعل بين هذه العناصر الثلاثة إلّا بعامل الدين وما يحمله من قوة العاطفة وطاقة الوجدان.

لا يزال الإنتاج الفكري في عالمنا العربي يعتمد على المجهودات الفردية المحدودة. وإزاء هذا الوضع فإنّه لا بد من الوفاء بمتطلبات البناء الفكري لما بعد العولمة وذلك بإنشاء مؤسسات علمية بحثية للبحوث والدراسات لإنتاج الأفكار الإستراتيجية، فالملاحظ فقر البلدان العربية - بالرغم من زخمها البشري - للمؤسسات العلمية البحثية المتخصّصة وتطويرها كمستودعات أو خزانات الأفكار أو مختبرات صنع الأدمغة Think Tanks، والتي تتنوع موضوعات اهتمامها البحثي. وكذلك الوقوف على التيارات الفكرية القديمة لمعرفة نقاط الالتقاء أو التمايز بينها وبين الحديث لاستلهام أثرها في التشكيل الثقافي والحضاري لواقع الأمة في بعدها الزماني.

إنّ إعادة أسس البناء الفكري في مرحلة ما بعد العولمة يفرضه الضيق بالواقع القائم وهو في إطاره العام مزيجٌ من التجاذب بين الفوضى والاستقرار، الاستقلال والتبعية، التخلّف والتقدم، الهوية والعولمة. إذن لا بد من تأسيس شكل معرفيّ لأنّ التفكير في إطار عزلة معرفية لا يقدّم الكثير، فالاعتماد على فضاء معولم دون الاستعداد لما بعده أنشأ هذه الموجة من الاهتزازات والأزمات التي تعيشها البشرية بشكل عام والمجتمع العربي بشكلٍ خاص.

 

كاتبة سودانية

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .