دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 2/10/2017 م , الساعة 1:29 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الروهينجا... مأساة بين الأمم

الروهينجا... مأساة بين الأمم

بقلم - منى عبد الفتاح:

قبل أن يعلق الروهينجا في عرض البحر وسط تجاهل المنظمات الحقوقية الإنسانية الدولية، عانت هذه الأقلية المسلمة والتي تُعتبر من أكثر الأقليات اضطهاداً في العالم، من شتى أنواع التمييز والاضطهاد لعشرات السنوات في ميانمار/ بورما ذات الأغلبية البوذية.

وبالرغم من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الأمن في ميانمار، أثبتتها الأمم المتحدة عبر أدلة قوية جمعتها بناء على مقابلات أجرتها مع أكثر من 200 لاجئ من أقلية الروهينجا فروا من ميانمار إلى بنجلاديش، لا زالت حكومة ميانمار تقابلها بالنفي المتكرر للاتهامات. ويزداد الأمر غرابة في أنّ رئيسة ميانمار أونج سان سوتشي والتي تنفّذ حكومتها كل هذه الجرائم ضد الإنسانية، حاصلة على جائزة نوبل للسلام، وتمنع السماح بدخول مراقبين مستقلين إلى شمال إقليم راخين، وكل هذا يطعن في رئيسة الحكومة وينبّه إلى ما قد يكون أسوأ حالاً.

يرجع المؤرخون أصل الروهينجا إلى تجار عرب تحطمت سفينتهم في القرن الثامن الميلادي، فأقاموا بولاية أراكان- المملكة القروسطية المستقلة- التي تفصل بينها وبين ميانمار عدة جبال، بينما يفصلها عن بنجلاديش نهر الناف. وقيل إنّ اسم «روهينجا» هو محرّف عن «رهام» أو «الرحمة» وهي الدعاء الذي كان على لسان أولئك التجار سائلين المولى عزّ وجل الرحمة واللطف بحالهم عندما عصف بهم البحر. اختلط الروهينجا بهجرات من البنجال، وفي عام 1784م أصبحت أراكان جزءاً من بورما.

وكمثال فقط على اضطهاد الروهينجا كان حرمانهم من الجنسية الميانمارية بنص قانون للجنسية صادر في 1982م، فلا يتم إحصاؤهم من ضمن سكان البلد، وليس لقوميتهم ذِكرٌ ضمن قائمة قوميات ميانمار المائة والثلاثين. وكمثال آخر فقد قررت السلطات في ميانمار تجفيف وجودهم بمنعهم من إنجاب أكثر من ولدين، كما أنّه يُمارس عليهم المنع من السفر والتحرك من قرية إلى أخرى إلّا بدفع ضريبة. وليس للروهينجا حق الدفاع عن النفس إذا اختصموا مع القوميات الأخرى خاصة البوذيين الثيرفادا، هذا غير تعرضهم لأنواع عديدة من الابتزاز والضرائب التعسفية ومصادرة الأراضي والإخلاء القسري وتدمير منازلهم، حتى فرّ الكثير منهم إلى بنجلاديش.

حين تم تهجير الروهينجا من هذه الأرض الظالم أهلها ظنّاً منهم أنّهم سيجدون مأوىً آخر في أرض الله الواسعة، لم يجدوا غير أمواج البحر تلعب بهم وتحوّل ما تبقى من أرواحهم المكلومة إلى أشباح أرواح.

ينظر العالم ولا زال يقف عند هذه الأزمة موقف المتفرّج. ومن التحركات القليلة كانت مبادرة ماليزيا قبل عامين لإيواء الروهينجا، ولكن الأمر يحتاج لتكثيف الجهود الدولية إزاء هذه القضية التي أصبحت ندبة تُضاف إلى العديد من الندبات والشروخ على جبين الإنسانية. وتمثلت وقفة ماليزيا في إصدارها أوامر للقوات البحرية للقيام بالبحث عن آلاف الروهينجا المهجرين الموجودين وسط البحر، لإنقاذهم بالسماح لـ 7 آلاف مهاجر تقطعت بهم السبل في البحر بالنزول إلى الشاطئ والإقامة في مراكز إيواء مؤقتة لاستضافة المهاجرين. وحذت أندونيسيا حذو ماليزيا، بينما امتنعت تايلاند رغم أنّها نقطة عبور تقليدية للمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى ماليزيا بطريقة غير مشروعة. والسبب في موقف تايلاند أنّ العبور غير المشروع يحقق للبلاد دخلاً إضافياً مثله مثل التجارة المشبوهة التي تنشط هناك.

هذا التجاهل الدولي يعكس بشكل واضح عوار الفكرة الإنسانية التي قامت عليها مبادئ مواثيق حقوق الإنسان في المنظمات الدولية. ففي أحداث مشابهة كان يُلقى بهذا النوع من التقصير في أداء المهام الإنسانية إلى ظروف داخلية إذا كان الظلم واقعاً على أقلية في دولة معينة، أمّا وقد خرج الروهينجا إلى فضاء هذا العالم فهم من المفترض أن يكونوا بين أيادٍ كثيرة تقدم العون والمساعدة بدلاً عن التجاهل.

يُعتبر هذا النموذج لافتاً للنظر ويشجع مثل غيره من النماذج على تحسس الروح الحضارية عند هذا العالم المتلاطمة مبادِؤُه. فتبني العنصرية بكافة أشكالها هو خروج عن عصر الدولة إلى عصر التخلف. والتواني عن إنقاذ هؤلاء المهجّرين بفعل الاضطهاد بناءً على خلفيتهم الدينية هو حطٌّ من قدر الأديان السماوية التي ساوت بين البشر على أساس القيمة الإنسانية والروحية وليس التميز بأصل النشأة والمعتقد. فيكفي أنّ العنصرية في الأفعال والمعتقدات والتقليل من قدر جنس معين هي ما أخذت بيد التعصب والاستبداد والاسترقاق، ذاك العار الذي مكّن من تفشي حركات معاداة أجناس معينة كتلك التي أدت إلى المحارق والمجازر وعمليات الإبادة.

ويظل السؤال مفتوحاً: هل يجيء يوم على هذا العالم ويكون خالياً من هذه الصراعات المقيتة، وهل ستتوافر مقومات تحقيق أسس الحرية والعدالة والمساواة والسلام؟

                       

كاتبة سودانية

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .