دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 11/6/2016 م , الساعة 8:47 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

حقق عظمته ومجده الشخصي بعيداً عن إسهامها

المتنبي .. والمرأة

كان معجباً بالمرأة البدوية.. لا المرأة الحضرية
حياة المتنبي الأسرية تكاد تكون مجهولة تقريباً
هل كان سبب تغزّله بالأعرابيات حبّه للعروبة؟
تزوج ورُزق بمولود أسماه محسّداً وقُتل معه في العراق
خرج عن القاعدة التي تقول إن وراء كل عظيم امرأة
المتنبي .. والمرأة

بقلم - جهاد فاضل:
هل تعسّف الباحث الدكتور أحمد مبارك الخطيب عندما اتهم المتنبي بالانزياح النفسي ودرسه كظاهرة مرضية استناداً إلى ما يتبادر إلى الذهن بداية؟
الذي يساعد الباحث في إخضاع المتنبي لما أخضعه له، أن المتنبي لم يكن شخصاً عادياً لكي يُدرس درساً عادياً، أو درسَ شاعرٍ ذي مكانة، على ضوء مناهج كثيرة لم تقدّم شيئاً يُذكر، وإنما كان شخصية استثنائية وظاهرة فريدة لا نجد لها مثيلاً في الأدب العربي ولا في التاريخ العربي، ومن الصعب قبول الدراسة التي تتناوله شخصاً طبيعياً، ذلك أننا أمام شخصية انزياحية منذ بداية حياته حتى اللحظة التي قُتل فيها. وطبقاً لذلك فإن نظرية الانزياح هي المنهج المؤهل لدراسة شخصية المتنبي ذات الأبعاد النفسية الغنية، وتأتي أهمية دراستها من أن انزياحاتها المتعددة أنتجت معادلها الموضوعي على الصعيد الشعري، حيث يتعذر أن يصدر شعر بهذا المستوى عن نفس لا تحترق بالتوتر والقلق والمعاناة المريرة، وهي صفات مطبوعة بخطوط عريضة وبارزة على صفحة حياته.

وما قصائده التي عبّر فيها بحرارة عن هذه المشاعر سوى امتداد لكيانه الداخلي وصدى لما يتحرك في نفسه من أحاسيس غاية في الثراء والحرارة.

يعتمد الباحث في دراسة الانزياح النفسي عند المتنبي على نصوصه الشعرية أولاً، ثم على أوثق المصادر التي عالجت هذا الموضوع بجدية ثانياً.

حقق مجده بيعدا عن المرأة
ومما يعالجه موضوع «المتنبي والمرأة» ملقياً أضواء جديدة عليه، راوياً ومحللاً معاً.
فإذا كان المتنبي قد استطاع أن يحقق عظمته ومجده الشخصي بعيداً عن إسهام المرأة في ذلك زوجةً أو حبيبةً، فإنه خرج عن القاعدة التي تقول إن وراء كل عظيم امرأة، وهي حالة تدعو إلى الاستغراب من حيث المبدأ، إذ جرت العادة أن يكون للمرأة شأن عظيم سلباً أو إيجاباً عند المبدعين، وهذه حالة تدفع إلى البحث عن حيثياتها ونتائجها وسرّ انزياحها.

ولعل القضية التي شغلت المتنبي، وهي البحث عن التفرد والعظمة، لا تقف بالضرورة حائلاً دون إقامة علاقات حميمة مع المرأة، بل ربما تكون العلاقة معها دافعاً وحافزاً في كثير من الأحيان إلى تحقيق هذه المطامح والنهوض بها على أكمل وجه، غير أن المتنبي لأمرٍ ما لم يكن يريد، بل كان يرفض، أن يكون كغيره من الأشخاص الطبيعيين، حيث كانت نفسه تنطوي على رغبة جامحة في أن يكون نسيج وحده، وأن يحقق تميزاً وتفوّقاً ليس في متناول أحد.

المرأة .. لقاء عابر
وإذا كان دأب المتنبي في كل مناسبة أن يعلن أن المرأة في حياته ليست سوى لقاء عابر، وأن همومه ومراميه أكبر بكثير من أن تجعله يتفرّغ لها، فليس سهلاً أن ننفذ إلى أعماق نفسه في هذا الجانب، أهو ادّعاء يجانب فيه حقيقة نفسه ويكابد ويصرّ على ما يعتقد مهملاً إحساسه الفطري؟ أم هي حقيقة ما يعتمل في داخله تجري على لسانه؟ وهل تشمل شكواه من الدهر ونفوره من الناس المرأة أيضاً؟ أم تراه انحرف بمتعته الحقيقية نحو المعارك وسفك الدماء فصارت منتهى آماله ومقصد مطامحه، بينما غدت المتع الحقيقية كالمرأة والغناء شيئاً غير ذي بال، فإذا به بصراحة لا تخلو من غرابة يصرّح:

لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي
شيئاً تتيّمه عين ولا جيدُ
يا ساقييّ أخمر في كؤوسكما
أم في كؤوسكما همّ وتسهيدُ
أصخرة أنا؟ ما لي لا تحركني
هذي المدامُ ولا هذي الأغاريدُ

قراءة هذه الأبيات تفرض على المرء أن يتعاطف مع الشاعر، إذ يشعر أن ما يكابده من هموم لا يترك له فرصة استمتاع واحدة، وهي حالة قد يحسّ بها الجميع بين حين وآخر، ولكنها لا تكاد تشكل نهجاً دائماً لأي إنسان بحيث يمضي حياته كلها دون أن يحنّ إلى المرأة، أو يصبو إلى لقائها.

حياة المتنبي الأسرية
ولعله يخطر بالبال أن حياة المتنبي الأسرية تكاد تكون مجهولة تقريباً، فالمعروف أنه تزوج، وأنه رُزق بمولود واحد أسماه محسّداً، وقد قُتل معه في دير العاقول، وهي قرية بالعراق، على يد زمرة من بني ضبّة وبني أسد. ولا تروي كتب التاريخ شيئاً عن عقبه فيما بعد، ومن ناحية أخرى نحن لا نعرف أبداً أنه أولع بامرأة قط، سوى ما افترضه محمود محمد شاكر من أنه أحبّ خولة أخت سيف الدولة، وأنه أخفى هذا الحب طويلاً إلى أن توفيت فرثاها رثاء حارّاً. لا يخلو هذا الرأي من وجاهة، ولكنه ليس قطعياً. فرثاء المتنبي لخولة إنما هو رثاء محب في كثير من أبيات القصيدة ومنها:

أرَى العرَاقَ طوِيلَ اللّيْلِ مُذ نُعِيَتْ
فكَيفَ لَيلُ فتى الفِتيانِ في حَلَبِ؟
يَظُنّ أنّ فُؤادي غَيرُ مُلْتَهِبٍ
وَأنّ دَمْعَ جُفُوني غَيرُ مُنسكِبِ
وَهَلْ سَمِعتِ سَلاماً لي ألمّ بهَا
فقَدْ أطَلْتُ وَما سَلّمتُ من كَثَبِ

ولكن هل كان ذلك الحب لها، أم كان لسيف الدولة على طريقة أبي الطيب في الخروج عن المألوف؟ الأمر غامض، وما يعضد هذا الاعتقاد أن المتنبي كان في جميع أطوار حياته، وبينها الفترة التي أمضاها عند سيف الدولة، يؤكد آراءه ذاتها في المرأة ويبدي سبب انشغاله، عنها بقضيته الكبيرة التي لم ينجح في تحقيقها، بل أنه كان يبدي برماً وضيقاً بأي ميل يخفق في قلبه تجاه المرأة، متمنياً أن يفقده إذا كان همه الوحيد عيونهن الجميلة وأسنانهن البيضاء، وأنه يمقت أن يصف السمراوات والبيضاوات، بدلاً من بيض السيوف وسحر الرماح وما تفعله بالأعداء من سفك للدماء والأرواح وصولاً إلى المعالي:

مُحِبٌّ كَنى بالبِيضِ عن مُرْهَفَاتِهِ
وَبالحُسنِ في أجسامِهِنّ عن الصّقلِ
وَبالسُّمْرِ عن سُمرِ القَنَا غَيرَ أنّني
جَنَاهَا أحِبّائي وَأطْرَافُها رُسْلي
عَدِمْتُ فُؤاداً لم تَبِتْ فيهِ فَضْلَةٌ
لغَيرِ الثّنَايَا الغُرّ وَالحَدَقِ النُّجلِ

فحين يذكر البيض إنما يريد السيوف، وحين يذكر السمر إنما يريد الرماح، أما الحسن فهو كناية عن صقل السيوف، وهو يريد أن يملأ قلبه بحب هذه الفضائل كي لا يبقى فيه مكان لحب الحسناوات.

حب السيف
وإذا كان بعض الناس يستشعرون المتعة في أشياء كثيرة، منها المرأة، فإن المتنبي لا يني يردد ما عنده في هذا المجال، لقد سلك طريقاً لا عودة منه، لقد استبدل بحب المرأة حب السيف، وإغراء هذا الأخير أقوى من إغرائها:

تروق بني الدنيا عجائبُها ولي
فُؤادٌ ببيضِ الهند لا بيضها مغرى

تلك هي بعض صفاتهن، إلا أنهن خلّابات لعقول الرجال حتى ليضل بهن من يهدي غيره ويخفى عليه الرشد فيبتلى بهن.

ربما كانت هذه أول مرة نرى فيها للمتنبي رأياً في المرأة، رأياً ذا تعليلات واضحة. ففي غير هذه الأبيات كان يفهم عنه أنّ سبب ابتعاده عنها هو انهماكه في مطامحه الكبيرة. غير أنّه هنا يبدو أكثر جرأة في الإفصاح عما في نفسه. ولكننا لا نجد له بعد ذلك أكثر من إشارات سريعة لا تعادي المرأة، بمقدار ما تعّبر عنه وعما بداخله من شكوك وارتياب بالناس جميعاً، وعن عزوفه عن كل شيء إلا ما تعلّق بأهدافه.
غير أن المتنبي كان في كثير من قصائده يشبب بهن ويبدي لواعجه وأشواقه إليهن، ويفرق أحياناً في تصوير مشاعر الحبّ عنده:

جرَى حبُّها مجْرَى دَمي في مَفاصِلي
فأصْبَحَ لي عَن كلّ شُغلٍ بها شُغْلُ
سَبَتْني بدَلٍّ ذاتُ حُسْنٍ يَزينُها
تَكَحُّلُ عَيْنَيها وليسَ لها كُحلُ
كأنّ لحاظَ العَينِ في فَتْكِهِ بِنَا
رَقيبٌ تَعَدّى أوْ عَدُوٌّ لهُ دَخْلُ
إذا عَذَلُوا فيها أجَبْتُ بأنّني
حُبَيّبَتي قلبي فُؤادي هيا جُمْلُ

ولكننا نجد في أحيان أخرى أبياتاً له لا تلائم توجهه العام في الحياة كقوله:

وعذلتُ أهل العشق حتى ذقته
فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشق
فلا سبب للموت عنده غير العشق.

وكقوله:
تذلّل لها واخضع على القرب والنوى
فما عاشق من لا يذلّ ويخضعُ

فالعاشق الحقيقي يذل ويخضع، سواء أكان ذلك في قربه من محبوبته أو في بعده عنها.

 

 النسيب
وربما يكون تفسير هذا المنحى الأخير: إنها لحظات معينة في حياته، ترد فيها هذه الخواطر، أو كأنه يحسّ أن هذا الغرض الشعري يقتضي منه أن يبدع فيه، ولو تكلفاً، كما أبدع في الأغراض الأخرى، أو كأن يلجأ إليه جرياً على عادة الشعراء العرب القدامى الذين يجعلون النسيب فرضاً رئيسياً في القصيدة الجاهلية.
غير أن هذا النسيب كان يتوهج إذا ما اتصل بفتاة من البادية، أو أعرابية تعيش فيها، فقد كان ولوعاً بهذا النوع من النساء، وكان يفضلهن على النساء الحضريات وذلك لأن فيهن تكلفاً وتصنعاً لا يطيقه.
فهو يقول:

ما أوْجُهُ الحَضَرِ المُسْتَحسَناتُ بهِ
كأوْجُهِ البَدَوِيّاتِ الرّعَابيبِ
حُسْنُ الحِضارَةِ مَجلُوبٌ بتَطْرِيَةٍ
وَفي البِداوَةِ حُسنٌ غيرُ مَجلوبِ
أينَ المَعيزُ مِنَ الآرَامِ نَاظِرَةً
وَغَيرَ ناظِرَةٍ في الحُسنِ وَالطّيبِ
أفدِي ظِبَاءَ فَلاةٍ مَا عَرَفْنَ بِهَا
مَضْغَ الكلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ

فليست وجوه النساء، الحضريات اللواتي تكلفن الحسن كأوجه البدويات الطويلات الممتلئات لا يعرفن التصنع.

فأين المعيز من الغزلان في الوجوه والقد وطيب الرائحة. والبدويات فصيحات لا يمضغن كلامهن غنجاً، ولا يصبغن حواجبهن تزيناً بما ليس في خلقهن.

وله فيهن أبيات كثيرة منها :
هامَ الفُؤادُ بأعرابِيّةٍ سَكَنَتْ
بَيْتاً من القلبِ لم تَمدُدْ له طُنُبَا
مَظْلُومَةُ القَدّ في تَشْبيهِهِ غُصُناً
مَظلُومَةُ الرّيقِ في تَشبيهِهِ ضَرَبَا
بَيضاءُ تُطمِعُ في ما تحتَ حُلّتِها
وعَزّ ذلكَ مَطْلُوباً إذا طُلِبَا

ومنها :
في مُقْلَتيْ رَشَإٍ تُديرُهُمَا
بَدَوِيّةٌ فُتِنَتْ بهَا الحِلَلُ
تَشكُو المَطاعِمُ طولَ هِجرَتِها
وَصُدودَها وَمَنِ الذي تَصِلُ
ولعل البيت الذي يقول فيه:
ومن هوى كل من ليست مموّهةً
تركتُ لونَ شيبي غير مخضوبِ

هو بيت القصيد عنده. فلأجل حبه لكل امرأة لا تموه حسنها ترك بياض شبيه بغير خضاب لأن الخضاب تمويه أيضاً.

تغزله في الأعرابيات
وفي كتابه «فصول في الشعر ونقده» يرى الدكتور شوقي ضيف أن تغزله بالأعرابيات مردّه حبّه لعروبته: «ومن تتمة شغفه بالعروبة في شعره أن نراه في غزله مفتوناً بالأعرابيات مسحوراً بهن، يتغنى بجمالهن معلناً أنهن يتفوقن بحسنهن الفطري على الحضريات اللاتي يصبغن وجوههن ويمضغن كلامهن». غير أن الأكثر قبولاً هو أن كرهه للتكلف والتصنع، كما علّل هو ذاته، كان وراء ذلك، وربما يكون قد اعتقد أن وراء هذا التصنع والتكلف الأعاجم، فكرهه وأحب بدلاً منه البراءة والعفوية فيهن، وقد يكون للمتنبي غاية أخرى إذا افترضنا أن ميله نحو الأعرابيات صادق، وهي نزعة تحظى بميل النفوس إليها لما فيها من البساطة والبعد عن التكلف، وأياً كان الأمر، فقد وجد المتنبي في المرأة ما يعوقه عن تلبية دواعي عظمته، فنفر منها. والأغلب الأعم أن الحب لم يدخل قلبه، وأنه كان قد صعد حبه للمرأة حتى جعله رمزاً لحب المجد، ونحن لا نعرف شاعراً يمتلك أحاسيس حادة ومشاعر مرهفة نأى بنفسه عن المرأة كما فعل أبو الطيب، وأنه أظهر لا مبالاته بها، بل إنه حمّلها في أحيان كثيرة تبعات الإخفاق، وكان في هذه القضية كما في غيرها فريداً في أقواله وأفعاله، كان المتنبي يجري وراء أحلامه في المجد والعظمة، وهي أحلام كانت تبعده عن الانفعال بالحياة انفعالاً طبيعياً، مما جعله يهجر ملذاته ويكره الدنيا ويحمّلها تبعات سوء تكيفه، ذلك أنه كان منعزلاً عما يجري حوله في صوامع نفسه، منتظراً سماع صوت الآخر يتسرب إليه دون أن يجرفه. وكانت النتيجة أنه خسر ملذات الحياة ولم يحصل على ملذاته وأحلامه، ولكنه ترك أثراً شعرياً مدهشاً. فكان ظاهرة انزياحية غنية على الأصعدة كافة.

دورانه حول محور الأنا
وعند الباحث أن ذروة الانزياح النفسي عند المتنبي تتجلى في دورانه حول محور الأنا في معظم شعره. فالغرور والتكبر إنما هما تمهيد طبيعي لبروز ظاهرة الأنا التي تكاد تكون مفتاح الانزياحات جميعها من حيث كونها نقطة البداية والنهاية في إلهامه الشعري.

لا يعرف الأدب العربي في تاريخه شاعراً أفاض في الحديث عن نفسه وتذكير الآخرين بمناقبه كأبي الطيب المتنبي، وقد جرّت عليه هذه النزعة أحقاداً كثيرة ومواقف عدائية تجلت كثيراً حين كان في كنف سيف الدولة، وفي ظل هذه الظروف لم يكن المتنبي يتردد في أن يفصح عما يتفجر في ذاته من مشاعر تمتلئ بالثقة بالنفس كما تمتلئ بالتحدي والوعيد. وقد بدأها أول حياته بهذين البيتين:

لا تَحْسُنُ الوَفْرَةُ حَتّى تُرَى
مَنْشُورَةَ الضَّفْرَينِ يَوْمَ القِتالْ
عَلى فَتًى مُعْتَقِلٍ صَعْدَةً
يَعُلّهَا مِنْ كُلّ وَافي السِّبَالْ

وهو نهج اختطّه طول حياته ولم يبارحه حتى قبيل وفاته، فكان آخر شعر له قوله:

وَأنّى شِئْتِ يا طُرُقي فَكُوني
أذَاةً أوْ نَجَاةً أوْ هَلاكَا
ذاته الموقد المتأجج النار

كانت ذاته الموقد المتأجج النار على الدوام، لذلك تحدث شخصيته بشعره، فكان واحداً في حياته وشعره لا يمكن الفصل بينهما، وهو ما أعطى شعره ميزة الصدق الذي يبلغ أقصاه في الكشف عن ضميره والارتواء من معاني قلبه والمتح من أعماق نفسه. فإذا سمعناه يقول:

أنَا تِرْبُ النّدَى وَرَبُّ القَوَافي
وَسِمَامُ العِدَى وغَيظُ الحَسودِ
أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّهُ
غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ

يلفت الانتباه تكرار ضمير «أنا» في البيتين، غير أن هذه الأنا ليست مجرد تبجح أو مباهاة أو ادعاء، فللمتنبي رصيد كبير، وهو في أناه هذه يختصر المثُل العربية العليا في تمجيد التضحية والشاعرية الفذة والتفوّق على الأقران، تلك القيم التي آمن بها المتنبي ولم يتخلّ عنها حتى في أحلك ظروفه، ربما لأنه أدرك أنّ أناه هذه فريدة واستثنائية وغريبة غربة النبي صالح في قومه. لابن جنّي رأي في موضوع تلقيبه بلقب المتنبي، فهو يقول إنه بهذا البيت «أنا في أمة».. لُقّب «المتنبي»!.
وقد استمدّ شعره من إحساسه وطبيعته التي لا تهدأ، فإذا قال:

إن تَرْمني نَكَباتُ الدّهرِ عن كَثَبٍ
تَرْمِ امرَأً غيرَ رِعْديدٍ وَلا نَكِسِ
الهجوم على مفاسد عصره

ولم يكن حديثه هذا عن نفسه ادعاءً باطلاً، فأغلب الظن أنه كان حديثاً ذا بُعدٍ آخر هو الهجوم على مفاسد عصره وتصوير رذائله والكشف عن سلبياته. وبذلك تتحول الأنا في شعره إلى عصا يقرع بها المتخاذلين وأصحاب النفوس الضعيفة، ويعرّي نقائصهم.

وبين أونة وأخرى تمتلئ نفسه برغبة الحديث عن أناه فتفيض نفسه ويندفع لكي ينفس احتقانه، فيبدأ من جديد:

ودع كل صوت غير صوتي فإنني
أنا الطائر المحكيّ والآخُر الصدى
وهو الشاعر الفرد وغيره صدى له. ولعل قوله وهو يغادر مصر على رغم كافور:
لِتَعْلَمَ مِصْرُ وَمَنْ بالعِراقِ
ومَنْ بالعَوَاصِمِ أنّي الفَتى
وَأنّي وَفَيْتُ وَأنّي أبَيْتُ
وَأنّي عَتَوْتُ على مَنْ عَتَا

وتأتي أشعاره كأنها نغمة مكروب حزين أدمت قلبه ويلات الدهر
ورزاياه:

ولقد بكيتُ على الشباب دلمتي
مستودّةٌ ولماء وجهي رونقَ
حذرا عليه قبل يوم فراقه
حتى لكدتُ بماء جفني أشرقُ

كانت كبرياؤه تنزف ألما لما لقيه من ازدراء الناس وعداوتهم له.

مأساته
وربما كانت الظروف الاجتماعية والسياسية التي ظهر فيها المتنبي جزءا من مأساته. فقلما وجد الشخص الذي يملاء عليه قلبه ولسانه، إذ كانت دول العبيد سائدة في البقاع العربية، ووجد نفسه متورطاً في هذه المحنة، فأين الواقع الراهن من أحلامه العريضة، وكم كان صعباً على ذاته وأناه أن يضطر إلى أن يقول شعراً في كافور وعضد الدولة وغيرهم، وهو ما دفعه إلى أن يقول:

إذا استشفيت من داء بداءٍ
فأقتل ما أملك ما شفاكا

ومن الغريب أن هذه الأنا التي أطال المتنبي زهوة بها واجهت موتا مذهلاً، فحتى لحظتها لم تخمد ثورته. وقد نصاب بخيبة أمل كبيرة عندما نجد أن روحه أُزهقت دون ثمن، ودون أن ينتدب أحد نفسه للقصاص من قتلته، فيثأر له من هذه الميتة التي ارتكبها سفلة القوم في الصحراء التي تعلق بها المتنبي وأحبها. وأكثر من ذلك، فإن جثمانه عاد يتحطم في هاوية الشك الأكبر، في حين بقيت أشعاره وحدها تنتقل وحدها من جيل إلى جيل.

كتاب يأتي في وقته، في ظرفنا التاريخي الحالي الذي لا يختلف في كثير أو قليل عن ظرف المتنبي وزمنه، وأشعاره التي فاضت بها نفسه في ذلك الزمن ما تزال صالحة لزمننا الراهن، فكأنه كان الناطق الدائم أو الخالد باسم الضمير العربي والأحلام العربية.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .