دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 30/10/2017 م , الساعة 12:53 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

استحقاقات اليوم التالي

استحقاقات اليوم التالي

بقلم - خالد التيجاني النور:

سرعان ما تراجعت الآمال العريضة التي عوّل الكثير من السّودانيّين عليها في تحسين أوضاع البلاد الاقتصاديّة المتردّية التي كانت السلطات تنحي باللائمة فيها على العقوبات الأمريكيّة، فقيمة العملة الوطنية التي شهدت انتعاشاً لافتاً غداة إعلان إدارة ترامب رفع العقوبات الاقتصادية، حتى عادت بعد أيام قليلة إلى سابق عهدها في التراجع المستمر أمام العملات الحرة، وزاد الأمور التباساً أن واشنطن التي أثنت على تعاون السودان المثمر في حربها ضد الإرهاب فاجأت الخرطوم بتحذير رعاياها في السودان بأخذ الحيطة والحذر خشية تعرّضهم لهجمات انتحاريّة، من الواضح أن رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن السودان، لم يقل كل شيء عن مستقبل العلاقات بين البلدين، فما الذي يجري وراء الكواليس؟.

كان لافتاً مسارعة الحكومة إلى إعلان خطط اقتصادية في الأسبوعين الماضيين دون انتظار قرار الإدارة الأمريكية رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد لعقدين، جاء الإعلان الأول في خطاب الرئيس عمر البشير أمام الهيئة التشريعية القومية في الثاني من أكتوبر، بينما أجاز مجلس الوزراء الخميس موجهات موازنة العام 2018، قبل يوم من إعلان رفع العقوبات، وهو ما آثار تساؤلات فيمَ العجلة، ألم يكن حرياً بالحكومة الانتظارُ قليلاً لتكون برامجها المستقبلية مُستندة إلى هذا التطور الذي يفترض الجميع أهمّيته؟.

كرّر وزير المالية والتخطيط الاقتصادي مرتين في رده على أسئلة الصحفيّين لعدم انتظار القرار الأمريكي بقوله "إن العقوبات لن تؤثر علينا كثيراً، برنامجنا هو برنامجنا، لأن وجهتنا الاقتصادية محددة ببرامج واضحة مضمنة في مخرجات الحوار الوطني، والخطّة الإستراتيجية الثالثة للدولة 2017-2020، والبرنامج الخماسي للإصلاح الاقتصادي، وبرنامج حكومة الوفاق الوطني التي قدّمها رئيس الوزراء، لذلك الوجهة محددة وكذلك الفرص المتاحة أمام الاقتصاد السوداني، رفع الحظر يُعظّم هذه الفرص، ويسرّع من معدلات النمو الاقتصادي".

لا شك أنّ ردّ الوزير ليس مبرراً مقنعاً بما يكفي لما ظهر جلياً من تقليل الحكومة من شأن قرار رفع العقوبات، باعتباره مجرّد خطوة مُساعدة، وليس عاملاً حاسماً في رسم توجّهات الاقتصاد السوداني مع الإقرار بكل التعقيدات التي خلّفها على مدار عقدين، ومع كل التحرّكات التي انخرطت فيها على مدار السبعة عشر عاماً الماضية لرفعها، وهو ما يفتح الباب أمام تكهّنات عن استحقاقات أمريكية لاحقة، مثيرة لقلق الطبقة الحاكمة في الخرطوم وانعكاس ذلك على معادلات السلطة الراهنة، لإكمال شروط واشنطن لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة في ظلّ إعلانها صراحة عن احتفاظها بكروت ضغط بإبقاء السودان في لائحة الدول الراعية للإرهاب، والحفاظ على الأمر التنفيذي 13400 الصادر في 2006 بخصوص العقوبات حول دارفور.

طغى إحساس عام بأن الترحيب الحار برفع العقوبات الأمريكية كان ذا طابع شعبي أكثر منه رسمياً بالقدر ذاته، صحيح أن ترحيباً حكومياً مراسميّاً بالقرار صدر من قبل أكثر من طرف رسمي، إلا أن المراقبين لم يلمسوا درجة التفاعل الحار المنتظر، كشأن ذلك الاحتفاء الحكومي الطاغي الذي رافق رفع العقوبات مؤقتاً عند صدورها لأوّل مرة في يناير الماضي، في خواتيم عهد الرئيس باراك أوباما. ولعل إقدام الحكومة على تجديد وجهتها الاقتصادية دون انتظار للقرار، بمعنى أن الأمور ستمضي كما هي عليه، كان أحد ملامح ردة الفعل الرسمية المتحفظة بدرجة ما، ولعل ذلك ما يطرح جملة تساؤلات حول هذه المُلاحظات.

من الواضح أنه في قمة ردود الفعل الإعلامية الآنية التي اندفعت في تناول القرار الأمريكي بكثير الترحيب والتفاؤل الزائد، لم تلتفت كثيراً للمعطيات الأمريكية التي حدثت بواشنطن لاتخاذ هذه الخطوة، والتي وردت بتفاصيل في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية المعنون " تقرير حول مُحافظة حكومة السودان على الإجراءات الإيجابية" الذي جرت الإشارة إليه في البيان الصحفي المقتضب للناطق باسم الوزارة الذي أعلن فيه إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة بالأمرين التنفيذيين.

من المؤكّد أن إدراك الحكومة لمضمون التقرير، الذي مال إلى التعسف والاشتراط ولم يظهر ما يشير إلى ودّ دبلوماسي متبادل، وأن الطريق الذي يتوجب عليها قطعه لا يزال طويلاً لمقابلة الاشتراطات الأمريكية المتحركة لرفع العقوبات كافة والوصول إلى عتبة التطبيع بين البلدين، هو ما أملى عليها هذا الموقف المتحفظ، وألا تسرف في التعويل على الخطوة التي تمّت على أهميتها حتى لا ترتفع توقعات الرأي العام، ثم تجد نفسها تحت ضغوطه عندما يُكتشف سريعاً أن الأمور ليست بهذه البساطة التي تبدو بها، وأن الأحوال الاقتصادية التي يعولون على آثارها الإيجابية لن تتحسن في مستقبل منظور.

القراءة الفاحصة للتقرير الأمريكي ستجعل من اليسير للمحللين تفهّم لماذا جاءت ردة فعل الخرطوم الرسمية متحفظة ومتحسّبة، ذلك أنه مع إقراره بالتقدم الذي حققته الحكومة السودانية في خطة المسارات الخمسة، إلا أنه جاء ممتلئاً بالاستدراكات، والتحفظات، والاشتراطات الجديدة، والتهديد بالعودة لفرض عقوبات منتقاة في أي وقت، مما يمكن القول معه بصفة عامة إن لغته أقرب للتشدّد والافتقار للهجة الدبلوماسية الهادئة التي يمكن تفهم تمسّكها بالمطالب، ولكن ليس إلى درجة أن يكون التقرير محشوداً بالإنذارات والوعيد وكأنه وثيقة تنتظر الاستسلام لشروط مسبقة، وليست أجندة مطروحة للحوار والتفاهم في ظلّ التجاوب الكبير الذي تبديه الحكومة السودانيّة مع الانشغالات الأمريكيّة في العلاقات بين البلدين.

 

كاتب وصحفي سوداني

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .