دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 6/10/2012 م , الساعة 1:30 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الدكتور الطيب زين العابدين يُواصل دراسته حول الديمقراطية"2-2"

4 ركائز للوصول لحكم رشيد في السودان

تبنّي الديمقراطية التوافقيّة وترسيخ ثقافة قبول التداول السلمي للسلطة
إنشاء تحالف حكومي عريض وتمثيل نسبي في البرلمان والمناصب
الاستقلال المناطقي عبر نظام فيدرالي وعودة حقّ النقض للأقليات
4 ركائز للوصول لحكم رشيد في السودان

سردنا في الحلقة الماضية تداعيات الحكومات السودانية السابقة على الوضع في البلاد وتوصّلنا إلى ضرورة تبنّي نظام الديمقراطيّة التوافقيّة على المدى المتوسّط في السودان ما بين عشرين إلى ثلاثين سنة حتى نضمن استمرار الديمقراطية واستقرارها لمدّة مناسبة يعتاد فيها الناس على قبول التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرّة ونزيهة، وعلى المنافسة السياسيّة المقنّنة دون تطرّف، وعلى ترسيخ السلوك الديمقراطي ونشر الثقافة الديمقراطيّة بين قطاعات المجتمع المختلفة خاصّة أن الطبقة الوسطى تتمسّك بالديمقراطيّة أكثر من غيرها. ونحسب أن مثل هذه التجربة إذا تمّ الأخذ بها في جدّية وصدق تعمل تدريجيًّا على حلحلة المشكلات التي ساهمت في ضياع النظام الديمقراطي لسنوات طويلة منذ الاستقلال، وتُمهّد الطريق لتأسيس ديمقراطية ناضجة في المستقبل.

لكن ما هي الديمقراطيّة التوافقيّة؟

ظهر مفهوم الديمقراطية التوافقية Consociational Democracy) ) في عقدي الخمسينيّات والستينيّات من القرن الماضي عقب الحرب العالمية الثانية لتجيب عن سؤال محوري: كيف نجعل النظام السياسي ديمقراطيًّا ومستقرًّا خاصّة في المجتمعات التي تحفل بالصراعات على أسس عرقيّة وثقافيّة ودينيّة؟ وهي مفهوم جديد يُطرح بديلاً للديمقراطيّة التقليديّة التنافسيّة التي راجت في الدول الغربية حيث المجتمعات متجانسة سكّانيًّا ومتطوّرة اقتصاديًّا. بل هناك شكوى حتى في الدول الغربية من احتكار السلطة بين الأحزاب الكبيرة (محافظون وعمّال في بريطانيا، جمهوريّون وديمقراطيّون في أمريكا، اشتراكيّون ومحافظون في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا) وهي أحزاب تمتلك المال الوفير الذي يُمكّنها من تمويل الحملة الانتخابية المكلفة، والتنظيم القوي المنتشر في أنحاء البلاد، والآليات الانتخابية المحترفة. وكان أكثر من كتب وروّج لهذا المفهوم هو بروفيسورآرند لايبهارت ( Arend Lijphart) أستاذ العلوم السياسية الممتاز ( Professor Emeritus) بجامعة كاليفورنيا، ورئيس الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية (1995-96) الذي استقى أفكاره الأولى عن الموضوع من أطروحته عن النظام السياسي في هولندا التي تُطبّق قدرًا من الديمقراطيّة التوافقيّة. وكان من أوائل كتبه في هذا المجال: سياسة الاحتواء 1968؛ الديمقراطية التوافقية 1969؛ الديمقراطية في المجتمعات المتنوّعة 1977.

(The Politics of Accommodation; Consociational Democracy; Democracy in Plural Societies)

وقد نال لايبهارت جائزة جوهان إسكايت (Johan Skytte) المتميّزة في العلوم السياسية عام 1997م، وبجانب مصطلح التوافقيّة (consociational)استعمل لايبهارت مصطلح "الديمقراطيّة الإجماعيّة" (Consensus Democracy) بصورة مرادفة للتوافقيّة، ويبدو لي أنه أخذ كلمة "الإجماع" من المبدأ المشهور في الفقه الإسلامي فالكلمة الإنجليزية المرادفة لا تُستعمل في مجال السياسة التي تقوم على الصراع والتنافس في العرف الغربي أكثر منها على الاتفاق والإجماع. وقد نظّمت الجمعيّة الأمريكيّة للعلوم السياسيّة بالتعاون مع معهد الدراسات الإنمائيّة بجامعة نيروبي في يوليو 2011م مؤتمرًا كبيرًا عن: الديمقراطيّة التوافقيّة في إفريقيا، دام لمدّة أسبوعين وحضره أكثر من مائة أستاذ وخبير في العلوم السياسيّة من شتّى أنحاء العالم، وقُدّمت فيه عشرون ورقة بحثيّة استفاد كاتب هذا المقال من بعضها. وكان القصد من ذلك المؤتمر الكبير هو الترويج للديمقراطيّة التوافقيّة على أساس أنها الأنسب للدول الإفريقيّة المنقسمة عرقيًّا وثقافيًّا ودينيًّا؛ وكان السودان أحد الأمثلة التي دار نقاش حول تجربتها المرّة، وقد شارك الدكتور عبده مختار من جامعة أمدرمان الإسلامية في ذلك المؤتمر وكتب عنه ورقة هي أحد مصادر هذا المقال. تهدف الديمقراطيّة التوافقيّة إلى احتواء النزاعات والاحتكاكات السياسيّة بين المجموعات المتعدّدة والمنقسمة في داخل الوطن الواحد،عن طريق آليّات ومؤسّسات تُؤدّي إلى المشاركة في السلطة بين النخب التي تُمثل تلك المجموعات بقصد استدامة الديمقراطيّة في ذلك البلد. فالانقسامات السياسيّة الحادّة تُشكّل أكبر عقبة لتحقيق الديمقراطيّة واستقرارها لأنه من الطبيعي أن تعمل الأقليّات المحرومة على تخريب الديمقراطيّة التي لا تجد منها شيئًا؛ وبدون احتواء الأقليات واستيعابها لا أمل في نظام ديمقراطي مستقرّ في مجتمعات تعدّديّة منقسمة فيما بينها.

وتستند الديمقراطيّة التوافقيّة على أربع ركائز رئيسة هي: تحالف حكومي عريض تُمثل فيه كل المجموعات السياسية ذات الوزن المقدر في البرلمان؛ تمثيل نسبي واسع يستوعب مختلف المجموعات السياسيّة والاجتماعيّة عند توزيع مقاعد البرلمان ومناصب الخدمة المدنيّة؛ الاستقلال المناطقي عبر نظام فيدرالي أو نحوه؛ حقّ النقض للأقليّات في القرارات الإداريّة والسياسيّة الكبيرة التي تهمّها. وهذا يعني أن الديمقراطيّة التنافسيّة التي تُؤدّي إلى أغلبية حزب واحد أو اثنين يتولى/ يتوليان السلطة لتنفيذ برنامجه/برنامجهما الانتخابي غير وارد في الديمقراطية التوافقيّة، لأن ذلك ما يُكرّس حكم الأغلبية وينفي وجود الأقليّات الأخرى ولو كانت ذات حجم مقدّر في الكثافة السكّانيّة. ويزداد الخطر على النظام الديمقراطي في أعقاب النزاعات المسلّحة الأهليّة التي يتطلّب تجاوزها بناء مؤسّسات سياسيّة توافقيّة تحول دون العودة للحرب. ويقول لايبهارت: إن النتيجة الأساسيّة التي خرج بها من تحليل المؤسّسات السياسيّة في 118 بلدًا بين عامي 1985 و 2002 أن نظام التمثيل النسبي والاستقلال المناطقي (اللا مركزيّة) كان لهما الأثر الأكبر في استدامة السلام في أعقاب النزاعات المسلحة بتلك البلدان. والديمقراطيّة التوافقيّة معمول بها في عدد من البلاد بدرجات متفاوتة وأحيانًا في بعض أجزاء البلاد مثل: كندا، هولاندا، سويسرا، السويد، لبنان، إسرائيل، النمسا، بلجيكا. وكما هو معلوم فإن لبنان هو أكثر البلاد العربية ديمقراطيّة رغم أن مؤسّساته السياسيّة والإداريّة والنظاميّة تقوم على محاصصة طائفيّة دينيّة لكنها مع ذلك استمرّت منذ الاستقلال إلى اليوم لقبول المجتمع لتلك المعادلة السياسيّة. وقد نجح السودان في وقف الحرب الأهليّة في الجنوب مرّتين عن طريق اتفاقيّة أديس أبابا في 1972م واتفاقية السلام الشامل في 2005م، ومنحت الاتفاقيتان الجنوب حكمًا ذاتيًّا واسعًا (أقرب للاستقلال في الاتفاقيّة الثانية) ومشاركة مقدّرة في السلطة المركزية. ولكن النظام العسكري ارتدّ عن اتفاقيّة أديس أبابا ما أعاد الحرب الأهليّة مرّة ثانية، وارتدّت حكومة الإنقاذ عن منهج الاحتواء السياسي الذي بدأته مع الحركة الشعبيّة لتحرير السودان ما أضرم الصراع المسلح مرّة ثانية في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.

وأحسب أن الديمقراطيّة التوافقيّة تنسجم مع تعاليم الإسلام الذي يجعل الإجماع المصدر الثالث للتشريع بعد القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، ويدعو للشورى المُلزمة في الشأن العام، ويُؤسّس شرعيّة الحكم على البيعة التعاقديّة بين الحاكم والمحكومين، ويُعرّض الحكّام للمحاسبة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُساوي بين الناس أمام القاضي المستقل، ويأمر بإنصاف وإحسان معاملة المستضعفين من الناس مثل الرقيق والموالي والخدم والمرأة والأقليّات الدينيّة (قصة الخليفة عمر بن الخطاب مع القبطي المصري الذي تظلم له من ولد عمرو بن العاص)، ويُخصّص الإسلام نصيبًا من الزكاة لتوليف قلوب المستجدّين في الإسلام ويُجيزها بعض الفقهاء لغير المسلمين. ويُعطي الفقهاء اعتبارًا للرأي الغالب بين الناس فيقولون: هذا ما يراه جمهور الفقهاء، وهذا ما عليه سواد الناس، وهذا حديث متواتر، وهذا حديث متّفق عليه ما يعني تغليب الاتفاق الواسع على رأي الفرد أو القلة من الناس. وتشهد "صحيفة المدينة" التي كتبها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أول سنة له في يثرب بسعيه الجادّ للتوفيق بين كل سكّان المدينة من أنصار ومهاجرين ويهود ومشركين ومنافقين وذلك على أساس المساواة التامّة بينهم في الحقوق والواجبات. وقد كان الهدف الرئيس من وراء تلك الاتفاقية هو استتباب السلام في المدينة حتى يتفرّغ المسلمون للدعوة الدينيّة وللدفاع عن المدينة في مواجهة قريش التي تتربّص بهم.

لماذا الديمقراطيّة التوافقيّة في السودان؟

نحسب أن الديمقراطيّة التوافقيّة بالمعنى المذكور سابقًا تُناسب المجتمع السوداني بتعدّديته العرقيّة والثقافيّة والدينيّة وتجربته الطويلة في النزاعات بين هذه المجموعات، كما أنه فشل في المحافظة على الديمقراطيّة التقليديّة التنافسية لمعظم سنوات ما بعد الاستقلال. وفيما يلي نذكر الأسباب التي تدعونا للأخذ بالديمقراطيّة التوافقيّة وإلى أي حدٍّ يُمكن أن تستجيب لواقع المجتمع السوداني ومشكلاته التي أعاقت مسيرته في التطوّر الديمقراطي.

1- أوّل هذه الأسباب هو ضعف الالتزام بمطلوبات التداول السلمي للسلطة والخوف الشديد من انفراد حزب بتلك السلطة وتجييرها لمصلحته أو محاولة المحافظة عليها بكل السبل المشروعة وغير المشروعة. يتضح ذلك في المحاصصة الحزبيّة الحادّة حول توزيع المقاعد الوزاريّة بين أحزاب الائتلاف الحكومي التي تستمرّ لعدّة أشهر قبل أن تُفضي إلى تسوية ما قد لا تكون مُرضية لكل الأطراف، في حين لا تهتم هذه الأحزاب بالاتفاق على برنامج محدّد للحكم تقوم بتنفيذه في الفترة المُتاحة لها. كما تبرز في التهجّم والنقد الشرس من أحزاب المعارضة ضدّ الحكومة في كل أعمالها المُخطئة والمُصيبة، وكأنها تعمل بالمثل السوداني الدارج (يا فيها يا أطفيها)! فإذا كانت كل الأحزاب الفاعلة التي نالت قدرًا من التمثيل النيابي مشاركة في الحكومة بنسبة تُساوي حجمها فإن ذلك كفيل بتبديد مخاوفها من انفراد حزب بالسلطة وبتعاونها مع الحكومة لتحقيق البرنامج المتفق عليه.

2- وبما أن الديمقراطيّة التوافقيّة المقترحة تحول دون سيطرة حزب على الحكومة وتسمح في الوقت ذاته بالمشاركة فيها لكل الأحزاب الممثلة في البرلمان، فإن تغيير الحكومة بعد انتخابات جديدة لا يقلب معادلة السلطة رأسًا على عقب بل يجعل تداولها أمرًا روتينيًّا لا يُحدث تغييرًا كبيرًا في تشكيلة الحكومة أوسياساتها؛ وعليه فلا ينبغي لحزب فاعل أن يخشى من التداول السلمي للسلطة لأنه لا يعني إبعاده كليًّا من السلطة. ولن يُصبح خوض الانتخابات الراتبة معركة حياة أو موت للأحزاب تستعمل فيها الأساليب الفاسدة وتصرف عليها الأموال الطائلة، وتُجرّح فيها الزعامات السياسيّة المنافسة وتنتقد الحكومة السابقة بالحق والباطل، وتبذل فيها الوعود الخلاّبة التي لا يسمح واقع البلاد الاقتصادي بتنفيذها. وسيكون لبرامج الأحزاب أثر أكثر على الناخبين لأنها مجتمعة ستُشكّل جزءًا من البرنامج التنفيذي المتفق عليه بين القوى المشاركة في الحكومة، وسيُضعف ذلك تدريجيًّا النعرات الطائفيّة والعرقيّة والعوامل الشخصيّة في التصويت لهذا المرشح أو ذاك.

3- وستُسهم الديمقراطيّة التوافقيّة في بناء التيّار الوسطي الغالب لأهل السودان عبر البرنامج المشترك للحكومة، وتُقارب بين الاتجاهات السياسيّة والفكريّة ما سيدعم الشعور بالهويّة القوميّة والذي بدوره يعمل، مع مرور الزمن،على تأسيس قوميّة سودانيّة موحّدة بين سكّان الأقاليم من مختلف العرقيّات والطوائف.

4- وستُتيح الديمقراطيّة التوافقيّة الفرصة لإضعاف الشعور بالتهميش في بعض المناطق الجغرافيّة أو بين بعض شرائح المجتمع أو فئاته المهنيّة لأنها ستكون جميعًا ممثلة في السلطة التشريعيّة وربّما التنفيذيّة، ويصعب على الحكومة تجاوزها مهما قلّ وزنها العددي. وليس هناك من سبب يدعو أبناء بعض المناطق لحمل السلاح ضدّ الحكومة المركزيّة إذا ما تحقّقت لهم المشاركة في السلطة والثروة. ولن تكون الانقلابات العسكريّة جاذبة لبعض القوى السياسيّة حتى تتآمر مع الانقلابيين على حساب الحكومة المنتخبة؛ وبدون توفير دعم سياسي واضح من بعض القوى السياسيّة لا يجرؤ الانقلابيّون على محاولة الإطاحة بالسلطة القائمة خاصّة في المناخ الدولي الجديد.

5- وستُؤدّي كل تلك العوامل إلى خلق مناخ سياسي معتدل تُشارك فيه كل القوى السياسيّة الفاعلة في بناء الدولة، ما يُسهم في تحقيق الاستقرار السياسي الذي افتقده السودان طويلاً منذ الاستقلال. وهذا هو الشرط الأساس لتحقيق التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة في البلاد.

التدابير القانونيّة لتطبيق الديمقراطيّة التوافقيّة

نعني بذلك التعديلات الدستوريّة والقانونيّة التي ينبغي أن يُؤخذ بها حتى تضمن المشاركة المجتمعيّة الواسعة في شؤون الحكم والإدارة من خلال هيكل ومستويات الحكم، وتحديدًا السلطة التشريعيّة، والتنفيذيّة، والقضائيّة، والخدمة العامّة، والقوّات النظاميّة.

1- هيكل الحكم: اتفقت القوى السياسيّة في السودان على تبني النظام الفيدرالي بعد تجربة مشكلة الجنوب المريرة، وبما أن بعض مناطق السودان الشمالي المتخلفة قد حملت السلاح من أجل أخذ نصيبها المستحق في السلطة والثروة فإن استمرار النظام الفيدرالي يُصبح أمرًا ضروريًّا لاستقرار الحكم. ولكن تقسيم البلاد إلى سبع عشرة ولاية أساسًا للحكم الفيدرالي برهن على ضعف كبير لأن معظم تلك الولايات لا تملك موارد ماليّة كافية لتسيير أجهزة الحكم ولا كوادر بشريّة متخصّصة في المجالات الإداريّة والمهنيّة، كما أنها فتحت المجال للتطلعات القبليّة والعرقيّة كل منها يُريد ولاية أو محليّة خاصة بهما يستنزف الموارد المالية المحدودة على مخصّصات الدستوريين في البرلمان والحكومة. والأنسب لحال السودان أن يُؤسّس نظامه اللا مركزي على الأقاليم القديمة (دارفور، كردفان، الإقليم الأوسط، الشمالية، الإقليم الشرقي، الخرطوم) التي أثبتت جدواها الإدارية والاقتصادية في الماضي،بل وتتسم بتقارب شخصيتها الثقافيّة والاجتماعيّة ما يُؤهّلها أساسًا لوحدات فيدراليّة فاعلة. وينبغي زيادة الصلاحيات الدستوريّة للإقليم أكثر مما هي عليه في دستور 2005م حتى تُعنى حكومته بكل شؤونه الإدارية والخدميّة والتنمويّة. ولا معنى في ظلّ نظام فيدرالي حقيقي أن تقوم في المركز وزارات خدميّة للصحّة والتعليم والإعلام والثقافة والشؤون الاجتماعيّة وغيرها. كما لا بدّ من فيدرالية مالية واضحة المعالم تقتسم موارد البلاد على أسس عادلة ومعايير منضبطة تنحاز إيجابيًّا لمصلحة المناطق المتخلفة وتُجاز بقانون من كلا المجلسين (النواب والأقاليم)، وتُشرف على تنفيذ تلك المعايير مفوضيّة قوميّة يتوافق على تكوينها ولوائحها ممثلو الأقاليم في مجلس الأقاليم. ويلي المستوى الاتحادي والإقليمي الحكم المحلي الذي ينبغي أن يُعطي اهتمامًا أكبر وبصلاحيّات محدّدة وموارد ماليّة تأتيه بصورة ثابتة مقنّنة من المركز أو من حكومة الإقليم. إن إصلاح النظام الفيدرالي هو أساس الحكم الراشد الذي يعمل على تنمية المناطق المتخلفة ويُقدّم الخدمات الاجتماعيّة الضروريّة حتى يحول دون الهجرة العشوائيّة للمدن وهجر الزراعة والرعي في المناطق الريفيّة.

2- السلطة التشريعيّة: تقترح الورقة مجلسين تشريعيين في المركز، أحدهما مجلس للنواب ينتخب من كل البلاد ومجلس للأقاليم تختار عضويّته بواسطة المجالس التشريعيّة في الأقاليم (يمكن أن يكون لكل إقليم خمسة ممثلين يراعى في اختيارهم مناطق الإقليم المختلفة والتعدّديّة السياسيّة الموجودة داخل المجلس التشريعي). وأن يُعطى مجلس الأقاليم صلاحيات حقيقيّة ورقابيّة في حماية حقوق الإقليم الدستوريّة والاقتصاديّة، وله أن يستجوب الوزراء المعنيين في المركز حول تلك الحقوق.

وينبغي تعديل النظام الانتخابي لمجلس النواب حتى يعكس بصدق التعدّدية السياسيّة التي تذخر بها الأقاليم، ويُعطى كل إقليم مقاعد حسب تعداده السكاني. وينبغي أن تجرى الانتخابات على أساس التمثيل النسبي الغالب حتى تُتاح الفرصة لمعظم القوى السياسية والاجتماعية أن تجد تمثيلاً في البرلمان الاتحادي، وأن تُخصّص نسبة 80% من المقاعد على أساس التمثيل النسبي للأحزاب ولأي مجموعات تتفق على تقديم قائمة موحّدة، وتترك الـ 20% الباقية للمقاعد الجغرافيّة الفرديّة. ولا يحدد سقف لتأهيل القائمة بل يكون الفوز حسب قوّة المقعد التي تُحدّدها قسمة الناخبين على عدد المقاعد المخصّصة للإقليم لأن الهدف هو تمثيل أكبر قدر من الكتل السياسية داخل الإقليم؛ وقد هزمت نسبة السقف التأهيلي في انتخابات 2010م مضمون فكرة التمثيل النسبي وحرمت كثيرًا من القوائم الحزبيّة والنسويّة أن تجد تمثيلاً في البرلمان. ولا بأس أن تحظى المرأة بنسبة 25% من مقاعد البرلمان، لكن من الأفضل أن يكون ذلك في قائمة واحدة مع الرجال ترتب بصورة تضمن النسبة المطلوبة للمرأة. وينبغي فتح المجال أيضًا لتمثيل القطاعات المنتجة الرئيسة في البلاد مثل الزرّاع والعمّال والرعاة وأصحاب العمل بجانب الاتحادات المهنيّة الكبيرة المنتشرة في أنحاء القُطر مثل المعلمين والمحامين والزراعيّين والأطبّاء وأساتذة الجامعات والبياطرة وغيرهم، وأن تقوم لجانهم المركزيّة أو مجالسهم العمومية بانتخاب مندوبيها.

وأن يُراعى في اختيار أعضاء مفوضية الانتخابات القوميّة التمثيل الإقليمي بجانب الكفاءة والحيدة والنزاهة، على أن تعتمدها الهيئة التشريعيّة القوميّة (مجلس النواب ومجلس الأقاليم) بنسبة الثلثين. وينبغي تحديد نسبة عالية من التصويت تصل إلى أغلبية الثلثين لإجازة القوانين المهمّة التي تتصل بحقوق الإنسان، وحقوق الأقاليم الاقتصادية والخدميّة، والموازنة السنوية، والقوانين الجنائيّة ومثلها. ويكون من حقّ الإقليم الاعتراض على القوانين والسياسات التي يتضرّر منها، وإذا أيّد الاعتراض أغلبية نواب الإقليم في البرلمان الاتحادي والمجلس التشريعي فينبغي إعادة النظر في ذلك القانون أو السياسة المعنيّة حتى يعدل بصورة يرضى عنها الإقليم. وينبغي مراعاة التمثيل الإقليمي والسياسي في تقسيم المناصب القياديّة في البرلمان والمجالس التشريعية.

ويكون انتخاب السلطة التشريعيّة الإقليميّة على غرار المركز، أي 80% للقوائم النسبية و 20% للدوائر الجغرافيّة الفرديّة والحفاظ على نسبة 25% للنساء، وليس من الضروري تمثيل القطاعات الإنتاجيّة أو الاتحادات المهنيّة في عضويّة المجلس التشريعي الإقليمي. ومن المناسب أن تكون مقاعد المجلس التشريعي بين الـ 40 إلى 60 مقعدًا حسب مساحة الإقليم وتعداد سكّانه، حتى لا تستهلك موارد الإقليم الماليّة على مخصّصات عدد كبير من الدستوريّين. وينبغي تحديد نسبة عالية في إجازة بعض القرارات المهمّة التي تُؤثّر على حياة المواطنين في كل مناطق الإقليم؛ ويُراعى أيضًا في تقسيم المناصب القيادية بالمجلس التشريعي التمثيل السياسي والمناطقي داخل الإقليم.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .