دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 1/12/2015 م , الساعة 9:33 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

مآسيهم لا تنتهي

أطفال سوريا.. فقدوا وطنهم وطفولتهم

فرّ 4 ملايين سوري نصفهم أطفال وهو عدد يفوق أي بلد آخر
يواجهون معاملة قاسية ويكدحون لأجل لقمة العيش
تدرس هناء في صف مدرسي يُقام في خيمة أثناء الاستراحة من عملها
أطفال سوريا.. فقدوا وطنهم وطفولتهم

ترجمة - كريم المالكي :

في صباح باكر من أحد أيام أغسطس، كانت النجوم لا تزال في كبد السماء، فوق مجمع للاجئين السوريين في إحدى مناطق لبنان الريفية. أذان صلاة الصبح يتردّد بين الخيام الهادئة، الوقت يقترب من الخامسة فجرًا، كانت هناء عبد الله، وهي فتاة سورية عمرها 12 عامًا، لا تزال تنام على حصيرة خيزران عند حافة خيمة أسرتها، وإلى جوارها شقيقها الرضيع وثلاثة من إخوتها الأربعة. في العديد من الصباحات تنهض هناء في الرابعة فجرًا، فهي تعمل في الحقول القريبة من سهل البقاع، بجمع الفواكه والخضراوات، وعادة ما يبدأ العمل مبكرًا، لكن الشاحنة التي تأخذهم للحقل قد تأخرت اليوم.

ومع ذلك نهضت هناء بحركة سريعة، التقطت متاعها وهو عبارة عن طماطم، وبطاطا وخرجت لتنتظر الشاحنة، وبعد لحظات وصل ابن عمها مصطفى 10 سنوات، مع والدته، سورايا، ولا يزال بنفس ملابسه التي يرتديها منذ عدّة أيام. وبعد دقائق، جاء ابن عمها الآخر علاء 10 سنوات، وسرعان ما تجمّع حشد صغير. في الخامسة وخمس وأربعين دقيقة وصلوا على متن الشاحنة إلى مزرعة الخيار، وانتشروا على طول صفوف الخضراوات، حيث عملهم اليوم في جمع الخيار، حيث يمتدّ العمل لمدة ست ساعات تقريبًا، ليذهبوا بعدها لاستراحة منتصف النهار.

كانت هناء التي تعمل في نقل الخيار تذهب وتجيء صعودًا وهبوطًا بين صفوف جامعي الخيار، وتتوقف عند كل دلو ممتلئة لتضعه في قفصها، وبعد أن يمتلئ القفص الذي يزن أحيانًا 20 رطلًا أو أكثر، تحمله على كتفها الغض، وتتجه به إلى سورايا، والدة مصطفى، التي تجلس على حافة الميدان حيث تفرزه وفقًا للحجم.

 

بين الحلم والفجيعة

تبقى هناء تقوم بذلك ذهابًا وإيابًا لمسافة 50 ياردة، وبشكل متعرج، متجنبة أن تطأ الخيار أو جذوره. ومع كل رحلة، ترتفع درجة الحرارة أكثر. وبحلول الساعة 10:30، تكون أنفاس هناء قد بدأت تتعالى أكثر. وبينما التقطت هناء ثمرة خوخ، تذكرت فجأة تلك الشجرة التي كانت في حقلهم في بلدهم البعيد سوريا والتي عليها أرجوحة. فكرت هناء، يمكن أن تكون لدينا واحدة هنا، يمكننا أخذ واحدة من هذه الدلاء الكبيرة ونربطها إلى حبل، وبعد لحظات استفاقت من أحلام اليقظة. وقالت "حماقة"، من الذي يسمح لك بأرجوحة هنا؟" وعادت إلى العمل، لتعدّ الساعات حتى يمكنها أن تعود إلى المنزل الذي لا يمكن تسميته بيتًا على الإطلاق.

جاءت هناء من مبروكة، وهي بلدة صغيرة في شمال شرق سوريا. وآخر مرة رأت منزلها قبل ثلاث سنوات، عندما كانت في التاسعة، وهي فترة طويلة في حياة فتاة بعمرها، وقد نسيت منه بقدر ما تتذكر. ومن حقول الخيار التي تعمل بها، ترى هناء الجبال التي تفصل لبنان عن سوريا. فبعد تلك الجبال منزل طفولتها في وطنها، من المؤكد أنه أنقاض الآن، كومة من الصخور دفنت تحتها كل ما خلفته، حتى دميتها المفضلة التي ترتدي فستانًا ملوكيًا، وأقداح الكريستال التي لم تستخدمها الأسرة بعد، وغيرها من الأشياء الجميلة قد دفنت.

وما يزعج والد هناء أن شقيقتها الصغرى هيفاء 5 سنوات، تعتقد أن هذه هي حياتهم دائمًا، في هذا السكن المؤقت، في خيمة من النايلون والخشب، مع 40 خيمة أخرى، معظمهم أعضاء في أسرة هناء الكبيرة. في الصيف، يشعرون بالرهاب من الأماكن المغلقة الخانقة، وفي الشتاء يخشون انهيار الأسطح بسبب الثلوج. في الشتاء الماضي، أزال الأطفال الثلوج بأيديهم العارية.

 

مغادرة الوطن

هيفاء لا تتذكر أن لديهم أجهزة تكييف، أو سيارة شيفروليه أمام المنزل، أو طفولة مثالية. فهناء لم تتغيب عن المدرسة لتذهب للعمل، بل لم تعمل على الإطلاق. غادروا تلك الحياة في ربيع 2012. وتقول هناء إنها فهمت القليل عن الوضع السياسي الذي أبقاها بعيدًا عن الوطن. بدأت الحركة الاحتجاجية في سوريا في 2011، بانتفاضة معارضة لحكومة بشار القمعية. وبحلول 2012، بدأت قوات الأسد بالانسحاب من المحافظة التي تعيش بها عائلة هناء، ومن المناطق التي شعرت بها غير آمنة، وبسبب العصابات المسلحة، التي لم تكن دائمًا واضحة الولاءات، أخبر والد هناء، الذي بدأ يعمل في لبنان، زوجته بأن الوقت قد حان للمغادرة.

غادروا إلى لبنان بالحافلة، وعندما وصلوا الحدود، توقفت حركة المرور فترك العديد من الناس سياراتهم وجلسوا على جانب الطريق. وسمعت عائلتها طلقات نارية؛ فظنوا أن بعض الجنود يجرون تدريبات، غير أنّها كانت مُواجهة اشتدت مع الجنود السوريين ثمّ فجأة أبعدها السائق عن الحافلة التي خشي انفجارها بإحدى الرصاصات، وقبل أن تفهم هناء ما يحدث، تسلقت أحد أنابيب الإسمنت العملاقة مع اثنين من أشقائها ووالدتها، وجميعهم كانوا ينتحبون. "لقد كان من الأفضل أن نموت في وطننا من موتنا هنا"، صرخت هناء في والدتها. "لماذا جئتم بنا إلى هنا؟"

في ذلك اليوم، بدأت حياتها كلاجئة، لقد دخلت عالمًا جديدًا، ولم تتوقف عن تمني العودة لحياتهم القديمة. كان الجميع في مخيمهم عاش هذه المحن. كان واحدًا من أبناء عمها في المخيم اسمه عبودي، عمره أيضًا 12 عامًا قد أجبره مقاتلون من ميليشيات يرتدون أقنعة، هو وأصدقاءه الطلاب على تشكيل دائرة في فناء المدرسة ليطلقوا النار على رأس رجل أمامهم لأجل إرسال رسالة تحذير فقط. وبالنسبة لعبودي، كان ذلك نهاية طفولته، فلم يعد أبدًا إلى المدرسة، وبعد أشهر، التحقت عائلته بعائلة هناء في لبنان.

 

سادة تحولوا إلى عبيد

وتشعرت هناء بالحماية تجاه ابنة عمها مرح، شقيقة مصطفى، ذات الـ 13 عامًا. كان والد مرح يملك أرضًا، ولديه عشرات العمال في سوريا، والآن يقاوم والدها السل ولا يملك شيئًا، فيما تعمل مرح ووالدتها وشقيقها كعمال ويتلقون سباب وصراخ المشرف عليهم إذا لاحظ أنهم متقاعسون. وأصيبت مراح بثلاث ضربات شمس، وكانت على وشك الإغماء. وعندما حملتها والدتها للعيادة، وبّخهم الطبيب لإرسالها للعمل، غير أن والدتها سورايا، قالت له إذا لم تعمل مرح فإن الأسرة لن تملك ما يكفي من طعام في الشتاء.

لفترة طويلة، بدا لمرح أنهم يجب أن يعودوا إلى سوريا، دون أن ينضموا لأي طرف، فقط يذهبون إلى منزلهم الكبير حيث المطبخ الذي يتناولون الطعام فيه على أريكة مريحة ويعيشون بهدوء دون الاحتكاك بأحد. وأخيرًا، سألت والدتها سورايا لماذا لا يعودون؟. وأخبرتها "سنقتل"، فلم تطلب مرح ذلك مرة أخرى.

 

أربعة ملايين نازح

نزح حاليًا 30 مليون طفل تقريبًا بسبب الحروب، ويتوق أولئك الأطفال لأوطانهم، أو يفكّرون بوطن آخر، في محاولة لنسيانه والعيش في مكان جديد. منذ أن بدأت الحرب في 2011، فرّ أكثر من 4 ملايين من سوريا، وما لا يقل عن نصفهم أطفال وهو أكثر من أي بلد آخر، وفي الآونة الأخيرة تزايد العنف والفقر في سوريا. وشدّدت لبنان وتركيا والأردن حدودها، ما أجبر المزيد منهم للهجرة إلى أوروبا.

لكنّ غالبية الأطفال اللاجئين السوريين - نحو مليونين وفقًا لمفوضية شؤون اللاجئين- استقرّوا في تلك البلدان المجاورة. في تركيا والأردن، بنيت مخيمات للاجئين، فيما لم يسمح لبنان بذلك، خشية وجود شعب سوري دائم في بلد تعداده 4 ملايين ونصف. لذا بنت الأسر الضعيفة عشوائيات، في الحقول أو في المباني المهجورة. وفي المدن اللبنانية، يبيع الأطفال السوريون الزهور أو يتسولون في الشوارع.

وتبدو هناء معلقة ببعض الأمل في إمكانية العودة للوطن لاستعادة بعض ما ضاع في نهاية المطاف. وفي داخل المجمع، هناء تختلف عن الأطفال الآخرين فهي أكبر من عمرها، حيث يسمحون لها بالتوسط في نزاعاتهم. ووالدها أشبه بالزعيم والوسيط الذي رتب لعائلته الكبيرة العثور على عمل في الحقول. وكان أعمامها ركائز مجتمعاتهم في سوريا: أحدهم مدير مدرسة والآخر عمدة. في حين أنه لا يعني شيئًا خارج مجمعهم، فقد بصق عليه لبناني ذات مرة ولم يردّ عليه. وقبل أن يصلوا إلى هذا المجمع، عاشوا في اثنين آخرين: تمّ إحراقهما من قبل لبنانيين لا يرغبون بوجودهم. وكما معروف من غير القانوني للاجئين السوريين العمل في لبنان، وهو ما يعني معاملة سيئة، وفي بعض الأحيان لا يدفع لهم بعد يوم عمل طويل.

 

تعمل وتدرس

وكانت المساعدات التي يتلقاها كل شخص من برنامج الغذاء العالمي انخفضت إلى 14 دولارًا شهريًا، لذا يعمل بعض الآباء والأمهات في الحقول، ولكنّ المشرفين اللبنانيين، يفضلون استئجار الأطفال والأمهات لأنهم أرخص، وأسهل في السيطرة.

وفي يوم عمل طويل استغل المشرف مجموعة من عمال مجمعهم، وقال إنه يحتاج من كل شخص ملء 30 صندوقًا بالخوخ. وعملت هناء بجد لتنتهي بسرعة، إلا أنه كان في كل مرة يطلب منها ملء 10 صناديق أخرى إلى أن فقدت السيطرة، فقالت صارخة بوجه المشرف الذي كانت تخشى ردة فعله: "لا أستطيع ملء المزيد ". وحدق المشرف غاضبًا بوجهها، فتحاملت على نفسها، وقالت له " قل لي فقط بأمانة كم عدد الصناديق التي أملأها".

وحينما تعود هناء ظهرًا من حقول الخيار تغسل وجهها وتركض إلى صف مدرسي يُقام في إحدى الخيم في هذه الأثناء، حيث يقوم معلم من جمعية خيرية بتعليم الأطفال، وهناء تحب الذهاب إلى هناك وإن كانت الفترة الزمنية قصيرة حيث تعود الشاحنة لتأخذهم إلى العمل. وتأمل بالذهاب إلى مدرسة رسمية بعد انتهاء موسم الحصاد. والنظام المدرسي اللبناني يعاني، رغم مساعدة وكالات الإغاثة، من استيعاب مئات الآلاف من السوريين.

 

جيل ضائع

وتحبّ هناء مدرستها لكنها تعتقد بأن معلمتها لا تفهم من هي، فأنها ليست فتاة صغيرة، أو زهرة هشة، فهي لم تعد كذلك. لكن ماذا ستكون هناء حينما تكبر؟ والدها من أكثر المحبطين عندما يتحدث عن مستقبلها. ويقول "إنها ذكية، لكن ما هو الجيد الذي نفعله من أجلها؟ إنهم جيل ضائع". وأعرب عن قلقه بشأن مستقبل الأطفال الذين يعيشون هنا، وبشأن قدرتهم الجماعية لمواجهة التحدي المتمثل في تحويل سوريا بعد الحرب. "كيف سيعيدون بناء بلدنا؟"

وعندما تفكر هناء بشأن المستقبل، فليس ثمة صورة واضحة: وترى أنها مؤلمة جدًا في محاولة الأمل بالعودة إلى الحياة في سوريا. لكنها لا تفكر كثيرًا بمستقبلها في لبنان أيضًا.

ابنة عمها ختام، عمرها 14 عامًا، كانت أفضل طالبة في الصف ومتحمسة للذهاب إلى الكلية، بدعم من عائلتها. ولكنها الآن، تزوّجت من إبراهيم شقيق هناء، عمره 14 أيضًا. وبمجرد الزواج، تتوقف معظم الفتيات في المخيمات عن الذهاب إلى المدرسة، ويصبحن أمهات فقط. وتحب هناء تخيل أن تصبح طبيبة يومًا ما، ولكن إذا ظلت أسرتها في المخيم فمن المحتمل جدًا أنها ستتزوّج، أيضًا، وتربي الأطفال، بدلًا من الحلم بالكلية أو دراسة الطب، وأن طفولتها بؤس وسباق خاسر مع الحرب التي يجب أن تنتهي أولًا؟

 

عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .