دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 30/8/2018 م , الساعة 1:43 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

«دعك أكاديميا»! هل يجوز؟

«دعك أكاديميا»! هل يجوز؟

بقلم :أ.د. عمر بن قينه - كاتب جزائري ..
صديق ذو خبرة بالإدارة والسياسة والحياة، قضى زهرة شبابه أيام الجدّ على رأس الإدارة بإحدى الوزارات المهمّة في الجزائر، حيث تعرّفت عليه وأنا أعدّ برامج ثقافيّة للإذاعة الوطنيّة، وأتخرّج من الجامعة، ثم انصرف الرجل للقضاء؛ فصار من خيرة المحامين الجادّين المتواضعين، كما انصرفت للعمل الجامعي أستاذاً في أهم جامعات الجزائر التي كانت أول جامعة في الوطن العربي، أسّستها (فرنسا) سنة 1909، التي ظنّت أنها باقية، وقد صارت (الجزائر فرنسية)!

غرقنا في العمل، ثم انقطع التواصل حين صرت خارج الجزائر، ثم استأنفناه داخلها، فلاحظ العنت في بعض كتاباتي ضيقاً بحالنا العربيّة، وفي قلبها ضياع أحلامنا في الجزائر قويّة نموذجيّة: سياسة وعدالة وثقافة؛ فقال لي يوما ملخّصاً: خفّف عن نفسك، ثم أضاف :»دعك أكاديميا» ما يعني: ركّز همّك في البحث الجامعيّ بعيداً عن الهموم التي تفرزها الحياة اليوميّة!

هل يجوز؟ تمطّى السؤال داخلي!
باح الصديق بنصيحة، قد تبدو لسامع في أول وهلة جملة صغيرة، لكنها بالنسبة لي كانت دوياً في الذهن والفؤاد، مقدّراً مشاعر صاحبي وهو يرثى لحال أمثالي، من باب أنه يدرك أننا بما نكتب لا نغيّر سوءًا، ولا نبني قصوراً، ولا نزرع حدائق أو نسقي زهوراً.

إن قدّرت رأي محامينا الإنسان المُخلص الودود فلم أقتنع بما اقترحه عليّ بحصر همّي في العمل الأكاديمي الذي كان يعني الانغماس في البحوث النظريّة، لمعالجة قضايا ليس ضرورياً أن ترتبط بالحياة اليوميّة، إنما بطابعها التاريخي، وإنتاج أفكار ونظريات علميّة، بعيداً عن نبض الحياة اليوميّة، في ذلك حياة عقل وراحة بال ومتعة اكتشاف، لكن نفعها العام محدود، بل هو عرضة للمحو و(الإتلاف) في واقع يهمّش الفعل الثقافي ويبدّده!

هنا مصدر الأوجاع لدى كل كاتب جادّ، لا طموحات شخصيّة لديه، إنما أشواق روحيّة وماديّة لرقيّ أمة ومنعتها وقوّتها بالرجال الأشدّاء ذوي الكفاءات العلميّة في السياسة والاقتصاد والعدل والثقافة والفكر، لا مكان للصوص والجهل في تسييرها، تحكم تسييرها الضوابط الشرعيّة القانونيّة لصالح أمة، لا لفئة أو جهة إيديولوجيّة، فيها يعلو القانون ولا يُعلى عليه، القانون المُحْكم هو القاضي الأول والأخير، لديه فصل الخطاب، لا لدى ملك أو رئيس أو وزير أو مدير عام، يعطيهم البعض صفة (القاضي الأول) و(الأعلى)!

هؤلاء (البعض) وما خلقوه من مناخات ملوّثة هم السبب المركزي للضيق العام الذي لا يُمكن للكاتب الجادّ أن يبقى في منأى عنه؛ فتتحوّل الأقلام من (البحث العلمي المجرد) الهادئ الطويل نَفَساً المُجهد وقتاً لكنه الممتع عقلاً ونفساً على المستوى الشخصي للباحث! لكن أيّة قيمة لذلك في حضور نقص بفضائه الملوّث الذي تصيب أوبئته كل جميل، هو ما يُخرج الكاتب من قوقعته إلى حِمم الحياة الطاحنة في أمته غيرة عليها، وطموحاً إلى خيرها وسؤددها!

خيرنا (الأكاديمي) الذي يستطيع أن يجمع بين الحسنيين: البحث الجامعي والإسهام بالرأي في قضايا الأمة، فلا يجوز أن يبقى الكاتب يتفرّج؛ وأمته تُذبح!

(الأكاديمي) مثقف، عنصر في المجتمع، يتآزر لديه البحث العلمي بالرأي الفكري والثقافي والسياسي. لغته عادة: هادئة رزينة لكن الظروف القاسية تجعلها في مجال الرأي تنحو نحو الحدّة. هذه الحدّة ورثناها في الجزائر من الرجال الذين واجهوا الاحتلال الفرنسي بالسلاح والقلم، بالقلم تدركها لدى أعلام الرأي، من آخرهم (الطيب العقبي، ابن باديس، محمد البشير الإبراهيمي) حدّة في وجه الاستعمار وأذنابه من (جزائريين) بالمولد دون الهوى، سياسيين يتناسلون بشكل أسطوري!

الحكّام في الوطن العربي الذين خلفوا المُحتل الأجنبي عند دحره: أدركوا دور ذوي العقل والعلم والرأي في المجتمعات لإعلاء كلمة الحق والعدالة، فبدل العمل بآرائهم الموضوعيّة العقلانيّة نظروا إليهم نظرة العداء! هي العداوة المزمنة: بين العلم والعقل والمنطق من جهة والجهل والعنجهية والاستغلال والأنانية من جهة أخرى!

هؤلاء الجهلة على كاهل أمتنا العربية: أفشلوا طموحاتنا القوميّة، فلاحقوا أمثال (الكواكبي) صاحب (طبائع الاستبداد) خارج أقطارهم، فإن نجا الرجل من (دمشق) ففي (القاهرة) تمّ تسميمه للخلاص (الهادئ) منه، فحُذف حتى (حديثي عنه) بعد أكثر من قرن في كتاب لي تولّى نشره (اتحاد الكتاب) في (دمشق) لأن الاستبداد (تغوّل)!

النأي عن قضايا الأمة مع الاستطاعة: خيانة لها، وإخلال برسالة الكاتب الذي هو نصيرُ الحق والعدالة!

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .