دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 27/9/2010 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

لعبة الأمم شرق المتوسط .. تركيا تعيد الآن اكتشاف هويتها (5)

المصدر : وكالات خارجية

ملف خاص تفتحه الراية (الحلقة الخامسة)

  • أوغلو لايعارض انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي
  • التهديد الأكبر لأمريكا هو استمرار مساندتها لنظم الحكم التى فقدت مصداقيتها لدى المواطنين في دول العالم الأسلامى

 

ملف يفتحه -حسام إبراهيم.. وتستبعد هذه الباحثة الاسرائيلية حدوث تغيير في السياسة الخارجية الحالية لتركيا إذا استمر أحمد داوود أوغلو في منصبه كوزير للخارجية وان تركيا قد تجد نفسها رابحة من هذا السيناريو على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاقليمية والدولية وتقول ان استمرار هذه السياسة قد تعنى عودة الاسلام كجزء محوري في ادارة السياسة الدولية.

وفي نظرة نقدية للسياسات التركية قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في العام التالى لصدور كتاب "العمق الاستراتيجي"-يقول أحمد داوود اوغلو : كان انعدام التوازن بين التكاليف الأمنية والمصالح الاقتصادية من الخصائص الأساسية للعلاقات التي اقامتها تركيا مع المعسكر الغربى في الماضي..لقد تحمّلت تركيا الأعباء الأمنية للجناح الجنوبى لحلف شمال الأطلنطي ولكنها حرمت لسنوات طويلة من خيرات الاتحاد الأوروبي وثمة ظنون بوجود نوايا لحرمان تركيا من المكاسب الاقتصادية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة رغم أنها الدولة التي تحمّلت الأعباء الأمنية لإسرائيل والغرب في منطقة الشرق الأوسط ..وكان على تركيا أن تتساءل عن سبب استدعائها الى المقدمة في قضايا الترتيبات الأمنية اكثر من وجودها داخل المحافل الاقتصادية في الترتيبات الشرق اوسطية الجديدة..انه البروفيسور اوغلو الذي يربط ببراعة بين السياسات الداخلية والسياسات الخارجية.

خطوة جوهرية

ينظر البروفيسور أحمد داوود أوغلو للتعديلات الدستورية التي أقرها الناخبون الأتراك يوم الثاني عشر من سبتمبر 2010 باعتبارها خطوة جوهرية على طريق تلبية تركيا للمعايير الغربية في الديمقراطية والقضاء المستقل والادارة الحديثة وعندما نزل "البروفيسور" للشارع التركي لإقناع الناخبين بالتصويت لصالح هذه التعديلات فإن أوغلو كان يعبّر عن إدراك واضح للعلاقة غير القابلة للانفصام بين السياسات الداخلية والسياسات الخارجية لأية دولة وإن الدبلوماسية ليست بالمعطى المستقل عن الشؤون الداخلية لأي بلد.

سعى أوغلو بصيغ متعدّدة لنقل رسالة للناخب التركي فحواها أن التصويت "بنعم" على التعديلات الدستورية يخدم السياسات الخارجية لتركيا "لأن العالم ينظر لهذه التعديلات كأداة لتعزيز الديمقراطية التركية وبالتالى فان اقرارها يخدم طموحات تركيا كقوة صاعدة على مسرح السياسة العالمية وراغبة في اخذ مكانتها الدولية بين اكبر عشرة اقتصادات في العالم"..هكذا قالها عراب العثمانية الجديدة ومهندس السياسة الخارجية التركية لمواطنيه:"إن وافقتم على التعديلات الدستورية فسأشعر بأننى أقوى في الخارج" وهكذا كان أحد اهم شعارات حزب العدالة والتنمية الحاكم في حملة تمرير التعديلات الدستورية :"التصويت بنعم يعني أن تركيا قوة دولية مهابة في الخارج".

تقول الباحثة الاسرائيلية غاليا ليندشتاروس في كتابها الجديد إنه يتوجب على صانع القرار الإسرائيلي تفادي العصبية الزائدة مع تركيا وان يدرك ان حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة لم يعد حزباً منبوذاً ملاحقاً مثل الأحزاب الاسلامية في تركيا وانما هو حزب قوي يكتسح الشارع التركي وربما حظي بمواقفه الأخيرة المناهضة لإسرائيل بتأييد شعبي منقطع النظير وتشير لما تصفه "بالبعد الأيديولوجي الذي يحرّك رغبة تركيا في تقوية علاقاتها الاقليمية وتحديداً مع العرب".

ويرى أحمد داوود أوغلو في كتابه "العمق الاستراتيجي" أنه من الأهمية بمكان إعادة تأسيس العلاقات التركية - العربية على أرضية عقلانية وتجاوز الحواجز النفسية بين الجانبين وترسيخ الوعى بمصير إقليمي مشترك فيما يقرّ بأن على الجانب التركي تطوير مقاربة دقيقة تمكنه من تحسس نبض العالم العربي وتلمس إيقاع التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي في المجتمعات العربية بعيداً عن السطحية والتعميم.

ويتابع أوغلو بقوله: إن علاقات تركيا مع اسرائيل التي اكتسبت بعداً استراتيجياً كانت عاملاً مساعداً في تصاعد الحركة القومية العربية والتردي الذي حدث من قبل في علاقات أنقرة مع دول عربية مثل سوريا والعراق مع تطوّر العلاقات التركية - الاسرائيلية أمر أدى لحشد العالم العربي كله ضد تركيا وهو ما يعني من الناحية العملية اقصاء تركيا عن المنطقة..ولعل الخطوة الأهم للحيلولة دون حدوث استقطاب تتمثل في تطوير العلاقات الثنائية بين تركيا والدول العربية كل على حدة عبر تنويع هذه العلاقات وتعميقها على نحو يوسع من مجالات المصالح المتبادلة.

وإذا كان أعداء التقارب التركي - الايراني وخصوم حزب العدالة والتنمية يروّجون شائعات حول دعم مالي ايراني لهذا الحزب فان أحمد داوود اوغلو يؤكد على اهمية العلاقات بين تركيا وايران ويقول: في حالة تعثر العلاقات التركية - العربية يمكن لعلاقات انقرة مع طهران كسر حالة العزلة الإقليمية كما ان تجنب تركيا لأن تؤدي علاقاتها مع اسرائيل لنتائج تؤدي لفرض حالة من العزلة على أنقرة داخل التوازن التركي - العربي-الإيراني هو عنصر مهم في سياسات المنطقة وإذا كانت تركيا راغبة في إحداث تأثير فعال في الشرق الأوسط على وجه العموم وفي العلاقات التركية - العربية على وجه الخصوص فعليها ان تعمد للاستخدام الأمثل لآلية تعمل على تشكيل الرأي العام واتباع سياسة الاتصال الأفقي مع الجماهير فضلاً عن سياسة الاتصال العمودي على مستوى النخب والمباحثات الدبلوماسية الرفيعة المستوى..هذا بلد في حالة حركة وحراك ولا يغفل أهمية استخدام وسائل القوة الناعمة.

تركيا تتحرّك

تحت عنوان له مغزاه الواضح وهو :"تركيا تتحرّك" نظمت جامعة برنستون الأمريكية حول هذا البلد وشارك فيه البروفيسور أحمد داوود أوغلو الذي أكد أهمية تركيا استراتيجياً للولايات المتحدة وربط بين مصالح بلاده والمصالح الأمريكية في قوس جغرافي كبير من آسيا الوسطى والقوقاز وصولاً للشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط.

ويقول الدكتور نوح فلدمان في كتاب "ما بعد الجهاد..أمريكا والنضال من أجل الديمقراطية الاسلامية": إن الولايات المتحدة بوقوفها الى جانب نظم الحكم التي تقمع مواطنيها ستخسر الكثير وإن الأفضل لها ان تقف الى جانب الديمقراطيين المسلمين وان تربطهم بالمبادىء الديمقراطية التي تقول واشنطن انها تدعمها فتقلل بذلك من العداء لأمريكا وترسي قواعد متينة للسلام في الشرق الأوسط ويحذر فلدمان من انه على المدى الطويل سيكون التهديد الأكبر لأمريكا هو استمرار مساندتها لنظم الحكم التي فقدت مصداقيتها لدى المواطنين في دول العالم الاسلامى ومن ثم فعلى الأمريكيين تشجيع الديمقراطية الاسلامية لاقمعها بينما ذهب البعض الى ان استفتاء 12 سبتمبر في تركيا يشكل خطوة متقدمة لإنهاء الحرب المفتعلة بين الاسلام والديمقراطية.

على مستوى السياسات المعلنة ابدى الرئيس الأمريكى باراك أوباما فضلاً عن الاتحاد الأوروبي ترحيبا بنتائج استفتاء الثاني عشر من سبتمبر في تركيا ولابد وأن أطرافا متعددة من بينها اسرائيل وقبرص واليونان تراقب الآن عن كثب تداعيات الاستفتاء الذي وصفت نتائجه بأنها علامة فارقة في النقلة النوعية الجديدة لتركيا بكل ما تنطوى عليه هذه النقلة من انعكاسات على لعبة الأمم في شرق المتوسط ومن تعزيز للدور الأقليمى لتركيا وتوجهها الجديد نحو الشرق دون التخلى عن رغبتها في الانضمام للأتحاد الأوروبي فيما يتحدث مراقبون في انقرة عن اعتزام حزب العدالة والتنمية التحرك بقوة خلال الأشهر المقبلة على صعيد جهود تستهدف التوصل لحل مقبول للقضية القبرصية المزمنة.

وبعد أن أجاب الناخب التركي بكلمة "نعم" في هذا الاستفتاء فإن المعنى المباشر هو تقليص النفوذ السياسي للقوى التي ارتبطت تاريخياً بالعلمانية المتطرفة وفي مقدمتها بعض العناصر في الجيش والمحكمة الدستورية التي اشتطت في معاداة الدين لحد الرغبة والسعي في اجتثاثه تماماً من الحياة التركية ولو عبر سبل انقلابية معادية للدستور والقانون فيما يبدو ان تركيا التي ستكون على موعد مع انتخابات برلمانية جديدة في صيف العام المقبل هي ايضا على موعد مع دستور جديد يقنن النقلة النوعية من العلمانية المتطرفة الى العلمانية المعتدلة في دولة سوادها الأعظم من المسلمين ويشكل الإسلام مكوناً رئيسياً في هويتها.

وإذا صح ما يقال عن أن تركيا تعيد الآن اكتشاف هويتها وتعود الى ذاتها بواقعية ودون أوهام فإن حزب العدالة والتنمية الذي أسّسه رجب طيب أردوغان وعبدالله جول الرئيس الحالي لتركيا في شهر أغسطس عام 2001 لا يرى في خطابه السياسي المعلن حرجاً في اتخاذ العلمانية كإطار نظري لمفهوم الدولة ولكنها علمانية غير معادية للدين كما انها علمانية لا تتنكر للاسلام الذين يدين به السواد الأعظم من الشعب التركي ويعدّ بالضرورة مكوّناً رئيسياً وأساسياً في الهوية التركية..فلا يوجد في فكر حزب العدالة والتنمية ما يمكن وصفه بالصراع الوجودي بين العلمانية والإسلام أو صراع مطلق وإنما هناك إمكانية عالية للاستيعاب بدلاً من الإقصاء.

وفي المقابل فإن أسئلة الهوية القبرصية تبدو حادة ومؤرقة ومستعصية أحياناً على إجابات واضحة.. تقول رواية التاريخ: إن الاسلام وصل الى قبرص في عهد ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان في العام الهجرى الثامن والعشرين وتوالت على الجزيرة القبرصية موجات غزو من البيزنطيين والصليبيين والمماليك والبنادقة الإيطاليين حتى تمكن العثمانيون من فتح الجزيرة في العام الهجرى 979 وتصبح قبرص جزءاً من الامبراطورية العثمانية لأكثر من 300 عام حتى دبّ الضعف في أوصال دولة الخلافة العثمانية وفرضت الحماية البريطانية على الجزيرة القبرصية الى ان حصلت على استقلالها عن بريطانيا في عام 1960 دون ان تنجح الدولة القبرصية المستقلة في تقديم اجابات واضحة لأسئلة الهوية لتبقى العلاقات متوترة بين الطائفتين القبرصية اليونانية والقبرصية التركية.

وتتفاقم التوترات لحد تقسيم الجزيرة فعليا بين الطائفتين مع مفاوضات بينهما من حين لآخر للتوصل الى صيغة تنظم العلاقة بين الطائفتين فيما يبدو ان هذه الصيغة مطالبة بالتوصل بادىء ذي بدء لإجابات واضحة عن أسئلة الهوية المراوغة بينما حصلت قبرص اليونانية على عضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004 واذا كانت تركيا تتهم قبرص اليونانية بعرقلة انضمامها لهذا الاتحاد فإن اسئلة الهوية تبدو أيضاً ظاهرة في اشكالية انضمام الأتراك للتكتل الأوروبي.

دولة محورية

لا يعارض أوغلو انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي لكنه يرفض حصر طموحات تركيا في تحقيق هذا الهدف وحده.. فتركيا فائقة القوة في منطقتها وعمقها الاستراتيجي ستكون على أي حال مطلباً أوروبياً ملحاً.

وإذا كان المفكر الأمريكى الشهير صمويل هنتنجتون صاحب كتاب "صدام الحضارات" قد وصف تركيا بأنها "دولة أطراف ممزقة توجد على أطراف الغرب من جهة وأطراف الشرق من جهة أخرى" وذلك للنيل من مكانة هذه الدولة من منظور الجغرافيا السياسية "الجيبوليتيك" فإن أحمد داوود أوغلو رد في كتابه "العمق الاستراتيجي" على مقولة المفكر الأمريكى الراحل ليذهب في المقابل الى أن تركيا دولة مركز من النواحى الجغرافية والتاريخية والثقافية فهي الى جانب وقوعها في آسيا وأوروبا قريبة من افريقيا وتقع في قلب منطقة شكلت تاريخ الحضارات في المنطقة وأثرت في هذه الحضارات بقدر ما تأثرت بها.

ويعتبر أوغلو أن تعدّد الأبعاد الحضارية والثقافية والتاريخية والجغرافية لا تشكل عبئاً على تركيا كما يتوهم البعض وإنما تشكل فرصة لتقوم هذه الدولة بدور فاعل في النظامين الإقليمى والدولى معاً.. وفي خضم الجدل حول نتائج استفتاء الثاني عشر من سبتمبر ذهب البعض الى أن ما حدث في هذا اليوم المشهود يظهر اتساع الفجوة بين الإسلاميين والعلمانيين في تركيا حول مسألة "الهوية" فيما كان أغلب العلمانيين الذين صوتوا بكلمة "لا" للتعديلات الدستورية وتجاوزت نسبتهم الـ40 في المائة من الناخبين الأتراك يتركزون في مناطق تطل على البحر المتوسط وبحر ايجة مقابل هيمنة واضحة للأسلاميين على مناطق الأناضول حتى الحدود الشرقية للبلاد.. وهذا النوع من الطرح لا يخلو من خطورة بل إنه قابل للاستغلال بشدة في لعبة الأمم شرق المتوسط.
"يتبع".