دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 14/9/2017 م , الساعة 12:20 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

سد النهضة والمخاوف المصرية

سد النهضة والمخاوف المصرية

بقلم - خالد التيجاني النور:

جاء في الأنباء أن إثيوبيا شرعت في تركيب توربينات إنتاج الكهرباء في سد النهضة، في خطوة من شأنها أن تجدّد الانزعاج المصري من الخطوة التي تؤكد قناعتها بإصرار أديس أبابا على فرض الأمر الواقع، في وقت فشلت فيه اللجنة الفنية المشتركة بين الدول الثلاث بما فيها السودان في حسم أمر الدراسات الفنية التي أوكلت لشركات أوروبية القيام بها لمعالجة أية آثار محتملة من تشييد السد، ليستمر الجدل لاسيما في مصر وسط إحساس بالعجز عن مواجهة ما تعتبره خطراً ماثلاً على حقوقها التاريخية في مياه النيل، فكيف يمكن قراءة خلفية هذه التطورات وتداعياتها؟.

 لقد ظل نهر النيل يجري من منابعه، في الهضبة الإثيوبية والبحيرات الاستوائية، لحقب سحيقة في التاريخ وهو يشق صحراء ممتدة كأطول نهر في العالم يتعدى طوله أكثر من ستة آلاف كيلومتر ليهب الحياة لكل قاطني حوض النيل، إلا أن الحقيقة أنه ظلّ يشكّل لمصر أكثر من مجرد مورد ماء يجعل كل شيء حياً، فقد تحوّل إلى أيقونة وجدانية ورمزية استقرّت تكاد تجعل وجود مصر من دونه ليس بلا معنى فحسب، بل غير ممكن أصلاً، ولعل ذلك ما جعل هيروديت يُطلق مقولته الشهيرة "مصر هبة النيل" أي أنها ما كانت ستكون لولاه.

 بيد أن هذا الارتباط الوجداني وتجذّره في الوعي الجمعي المصري إلى درجة جعلته "ملكاً خاصاً" بها دون غيرها، أحال المقولة في السياسات الإستراتيجية المصرية إلى ما يعني حرفياً "أن النيل هبة مصر"، وليس العكس، ولعل هذا الإحساس الذي أصبح حاكماً للقرار الرسمي هو الذي قاد للتململ عند شركاء الحوض من أهل المنابع الذي رأوا فيها "احتكاراً" غير مبرّر.

 من غير المُنصف بالطبع اعتبار الارتباط الوجداني والمصلحي المصري بالنيل مجرّد أمر دافعه غريزة حب التملك، بل هو نتاج خبرة وتجربة حياة طويلة، تعزّزها حقائق طبيعية، فمصر من دون شركائها في حوض النيل لا تملك بديلاً لمصادر المياه غير ما يرفدها بها نهر النيل، في حين يتوفر للدول الأخرى مصادر بديلة متعدّدة للمياه، دون أن يعني ذلك بالطبع أنها لا تحتاج إليه في أية عملية توسع تنموي.

 لم يكن هناك حتى قبل أقل من مئة عام تزيد قليلاً، من حاجة للانتباه إلى ضرورة تقنين موارد مياه النيل إلى مصر، فالحداثة بكل تبعاتها لم تكن قد تمكّنت بعد من بسط أذرعها تعقيداً لمتطلبات الدولة الحديثة التي كان محمد علي باشا قد أرسى قواعدها قبل ذلك ببضعة عقود. وحتى الحاجة للتقنين لم تكن محل جدل فقد كانت الإمبراطورية البريطانية سيّدة حوض النيل بلا منازع وتسيطر استعماراً على أغلب دوله، وهو ما جعلها تبدأ مشوار التقنين لضمان مصالحها في مستعمراتها.

 فكان أن أبرمت أول اتفاقية في العام 1891 مع إيطاليا لضمان عدم قيام الأخيرة بأية إنشاءات تؤثر على تدفق المياه في نهر عطبرة، ثم أبرمت اتفاقية 1902 بين بريطانيا والإمبراطور منليك الثاني تعهّد فيها بعدم القيام بأي منشآت على بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو السوباط تعرقل وصول المياه إلى النيل إلا باتفاق مُسبق مع حكومة صاحبة الجلالة والحكومة السودانية التي كانت تديرها بريطانيا، ثم أبرمت اتفاقية 1929 بين بريطانيا ومصر التي شرعت الحقوق المصرية، وأخيراً اتفاقية مياه النيل بين مصر والسودان في العام 1959 بعد ثلاث سنوات من استقلال السنوات التي اقتسمت مجمل وارد مياه النيل بين البلدين، والتي لا تزال تشكّل مادة جدل واسع في العلاقات السودانية المصرية.

 الرابط بين هذه الاتفاقيات، ودون الدخول في تفاصيل فنية أو قانونية أو المعطيات والملابسات السياسية حينها، أنها أسّست حقوقاً مائية معلومة تضمن لمصر احتياجاتها الحاضرة والمستقبلية، ثم جاء إنشاء خزان جبل أولياء، ثم السد العالي بكل تداعياته ليرّسخ واقعاً حصرياً لمفهوم "الحقوق التاريخية المكتسبة" لمصر، في معادلة ظلت مقتصرة على مصر والسودان في التعاطي مع مسألة مياه النيل في غياب شبه تام لبقية دول الحوض التي كان عدم انشغالها عملياً بأي مطالب في المياه سبباً في تكريس الملكية الثنائية لمياه النيل.

 هذه الخلفيات المختصرة على نحو أرجو ألا تشكّل أرضية لا مناص من الانتباه إليها عند تناول التطورات اللاحقة التي جرت في حوض النيل، والتي بلغت ذروتها عندما أعلنت إثيوبيا في العام 2010 عن اعتزامها إنشاء سد باسم مجهول أخذ اسم سد الألفية قبل أن يأخذ عنوان "سد النهضة الإثيوبي العظيم".

 لعل التحول الأهم في معادلات حوض النيل، التي استقرّت لقرون، قد بدأت إرهاصاتها في النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، بعد سنوات قليلة من انتصار"الجبهة الثورية للشعوب الإثيوبية" بزعامة ملس زيناوي في صراعها مع حكم الدرق بزعامة منقستو هايلي مريام في العام 1991، لم يكن نظام الحكم الجديد في أديس أبابا مجرد سلطة ترث أخرى، بل جاء بحمولة أيدولوجية مثقلة بالأحلام الكبيرة لبلد ذات تراث تاريخي عريض، كانت المفارقة بين أحلام القادة وواقع الفقر المدقع والتخلف التنموي كبيرة بدرجة تستلزم ما هو أكثر من إدارة شؤون الحكم بالغرق في الهموم اليومية للنظر في الآفاق المستقبلية، شكّل الخروج من دائرة الفقر بمشروعات تنموية طموحة الفكرة المركزية التي سيطرت على تطلعات زيناوي الزعامية لقيادة الشعوب الإثيوبية. ومن هنا بدأ كتابة فصل جديد في تاريخ وادي النيل نتناوله في حلقات قادمة.

كاتب وصحفي سوداني

Khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .