دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 12/9/2018 م , الساعة 12:37 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

مذكرات سلماوي!

مذكرات سلماوي!

بقلم - سليم عزوز:

«يومًا أو بعض يوم» هو عنوان مذكرات الكاتب الصحفي «محمد سلماوي»، التي فوجئت بصدور الطبعة الثانية منها، ولم أكن أعلم بصدور طبعتها الأولى أصلاً، وجاء في رقم الإيداع أنها صدرت في سنة 2017، فلم أعرف إن كان هذا هو تاريخ صدور الأولى أم الثانية؟!

التهمت المذكرات التي تتجاور الـ (400) صفحة في ليلتين، لكن لا أستطيع تجاهل أن زملاء لي عندما شاهدوني أحملها استنكروا أن يكون لـ «سلماوي» ذكريات تستحق التدوين، ربما لأنه انسحب من المشهد الصحفي العام بتوليه المسؤولية عن «الأهرام ويكلي» ثم «الأهرام ابدو»، وعندما كان اسمه موضوعاً في الدعاية الانتخابية لمكرم محمد أحمد لموقع نقيب الصحفيين، لم يتدخل لتصويب ما تردد، ولم يذكر مكرم ما جرى، لكن ذكره المنحازون له، فقد قيل إن شجاراً نشب في حضرة السادات بين «عبد الله عبد الباري» رئيس مجلس إدارة «الأهرام»، و»مكرم محمد أحمد» بصفته رئيسا لمؤسسة «دار الهلال»، فالأول وضع اسم «سلماوي» في قوائم التحفظ في سنة 1981، والثاني اعترض على ذلك!

صحة الواقعة، كما في المذكرات أن «عبد الباري» وضع اسمه ضمن من يقترح فصلهم من «الأهرام» وإحالتهم لأعمال غير صحفية بشركات القطاع العام مثل «باتا» لصناعة الأحذية وغيرها، وقد التقى السادات برؤساء المؤسسات الصحفية القومية لنظر القوائم، فقد تشاجر «مكرم محمد أحمد» مع «عبد الباري» معترضًا على إدراج اسم «محمد سلماوي» في هذا القوائم، وطلب بنقله من «الأهرام» لـ «دار الهلال» لكن السادات أوقف المشاجرة فقد جاء بهم لتعديل القوائم بالإضافة وليس بالحذف. فلم تكن هذه قوائم لها علاقة بتحفظات سبتمبر، وإن تزامنت معها!

ويضحك في هذه المذكرات أن صاحبنا كان دائماً «ضحية»، ولم يكن فاعلاً ليتم فصله مرتين من عمله في «الأهرام»، كانت الأولى بقرار من السادات في مارس 1973، ضمن عشرات الكتاب والصحفيين، بوصف السادات رئيسا للاتحاد الاشتراكي العربي مالك الصحف في ذلك الوقت، وكان «سلماوي» من بين الذين ألحقوا للعمل بهيئة الاستعلامات، وفي اليوم التالي ذهب لينفذ القرار. ثم اعتقل بتهمة تزعم المظاهرات في «انتفاضة الخبز» في يناير 1977، دون أن يشارك فيها!

في الأولى استدعاه «محمد حسنين هيكل» الذي كان يرأس مؤسسة «الأهرام» واستنكر عليه المبادرة بالتنفيذ «ليتضمن القرار ما يتضمنه، لكنك أنت وحدك صاحب التنفيذ. إن القرار في الواقع هو قرارك وحدك. وقد حولت نفسك طواعية من صحفي إلى موظف حكومي».

وصدر قرار السادات بالعفو بعد ذلك بحوالي سبعة أشهر، وفي ذكرى رحيل عبد الناصر في 28 سبتمبر من نفس العام!

وكانت الواقعة الثانية تمثل الملهاة الحقيقية، ففي يوم 18 يناير 1977، شهدت القاهرة وبعض المحافظات مظاهرات عارمة، احتجاجاً على زيادة أسعار السلع، وهى الانتفاضة التي وصفها السادات بانتفاضة الحرامية!

وقد قضى «سلماوي» يومه في عمله بـ «الأهرام»، وعندما ثار نقاش في مجلس التحرير حول طريقة التناول الصحفي لهذا الحدث الكبير التي تعتمدها «الأهرام» في اليوم التالي، لم يتدخل فيه «سلماوي» بشطر كلمة، وكانت الغلبة بطبيعة الحال لمن رأوا أنها مؤامرة للتخريب مدفوعة بقوى سياسية في عداء مع السادات، ولم يكن رفع الأسعار يستدعي هذه الهبة من وجهة نظرها، فحسب ما ذكرته الحكومة إن نصيب المواطن العادي من ارتفاع الأسعار (سُميّ تحريكا)، هو (125 قرشًا)!

لكن في صباح اليوم التالي، وفي اليوم الثاني لهذه الانتفاضة، كانت قوات الأمن في منزل «سلماوي» تقوم باعتقاله، لنصبح أمام قضية تلفيق مكتملة الأركان، تكشف أن ما نطالعه الآن من القبض على أعمى بتهمة حمل السلاح، أو صدر حكم بإعدام الشيخ وجدي غنيم بتهمة المشاركة في «رابعة» رغم وجوده خارج مصر، أمر له أصل، فالتلفيق ارتبط بجهاز الأمن بعد حركة ضباط الجيش في سنة 1952!

فلم يتوقف الأمر عند اتهام «محمد سلماوي» بأنه شارك في هذه المظاهرات في اليوم السابق لاعتقاله، ولكن تحريات أمن الدولة أفادت أنه كان زعيما لها، وكيف أنه كان محمولاً على الأعناق ويقود الهتاف ضد الرئيس والنظام!

وجاء في محضر تحريات أمن الدولة «أن السيد محمد سلماوي محمد مدعي الناصرية، وأنه كان من المتزعمين والمحركين لتلك الأحداث، وشوهد في المظاهرات وبناء على تكليفنا بضبطه فقد انتقلت إلى منزله 9 بشارع 216 بالمعادي فوجدناه مقيما بالدور الثالث (هو مقيم في الدور الثاني) بالشقة اليسرى (ليس بالدور إلا شقة واحدة) وقمنا بضبطه وتفتيشه (لم يقم أحد بتفتيشه) وتفتيش مسكنه ولم يعثر على ممنوعات».

وإذ تم سجنه في قسم شرطة المعادي، فقد تم نقله بعد أيام إلى سجن القلعة ومنه إلى سجن الاستئناف، ليجد نفسه مع ثلاثة من الصحفيين هم «حسين عبد الرازق، وفيليب جلاب، ويوسف صبري»، وأن رئيس الوزراء ووزير الداخلية «ممدوح سالم» عقد مؤتمرًا صحفيًا أعلن فيه أن هؤلاء الصحفيين الأربعة هم وراء تلك المظاهرات العارمة التي عمت البلاد من الإسكندرية إلى أسوان.

وإذا كان هناك من يعتبرون في اعتقالهم ولو على سبيل الخطأ فرصة بعد مرور الزمن لادعاء أدوار ليست لهم فإن «سلماوي» يقول في مذكراته وصفاً للمظاهرات المتهم بالوقوف وراءها: «كنت أتمنى مشاهدتها مثل بقية الشعب»!

ولا يخلو الأمر من فكاهة، فقد استقبل الشاويشية الصحفيين الأربعة في سجن الاستئناف بترحاب شديد و»ظلوا يسألوننا أنتم إللي عملتوا المظاهرات.. أنتم اللي خرجتم الناس للشوارع.. أنتم اللي نزلتم الأسعار؟».

وعلى طريقة هتاف «عادل إمام» المتكرر في مسرحية «شاهد مشفش حاجة»: «دا أنا غلبان»، قال «محمد سلماوي» لأحد الشاويشية: «لا علاقة لنا بما حدث وأنني شخصيا لم أشاهد تلك المظاهرات، وأن ما حدث هو انتفاضة عفوية»، لكن الراحل «فيليب جلاب» قاطعه بسخريته المعروفة عنه وهو يقول لا تصدقوه يا شاويش فقط فالأستاذ محمد متواضع بعض الشيء!

فـ «فيليب» بحكم كونه «سوابق»، أكد لصاحبه أن تقدير السجانة لهم سيكون له أثر كبير على نوعية المعاملة التي سيتلقونها داخل السجن فالضباط يصدرون الأوامر وهؤلاء الشاويشية هم الذين سينفذونها أو لا ينفذونها!

وفي مشهد آخر كان شاويش يقول لزميله فخوراً بالمتهمين: «هما دول اللي عملوا المظاهرات»، فأمن «فيليب» على كلامه قائلاً بجدية شديدة: «إحنا العقل المدبر!

وفي هذا السياق فإن الجدير بالنقل في هذا الجانب أن هناك من تم القبض عليهم بتهمة قيادة الهتاف ليتبين أنه أخرس فأخلت النيابة سراحه، كما أن «سلماوي» عرض لكيفية استجواب النيابة له في مقر أمن الدولة، وكان مندهشًا لذلك لمخالفته للقانون حيث ينبغي أن يكون التحقيق بسراي النيابة، «وعجبت لأن النيابة تنازلت عن استقلالها، وأن يجري استدعاءها لمبنى أمن الدولة للقيام بهذا من هناك» ورغم ذكره لاسم رئيس النيابة «المحقق» وهو «عدلي حسين»، فلم يلفت انتباهه أنه القاضي الذي كان يتقرب طوال عمله القضائي للنظام بالنوافل وعندما أحيل للتقاعد كانت مكافأة نهاية الخدمة هي تعيينه محافظاً للمنوفية ثم للقليوبية، ولم تعزله سوى الثورة.

لقد نشر «محمد سلماوي» صورته في قفص الاتهام، وكيف أن أسواره كانت منخفضة، وقد أرجع تحويله إلى قفص أسواره تصل للسقف، لمبارك الذي حوله مثل أقفاص الحيوانات، ولم يمد الحبل على استقامته فقد عرفنا الأقفاص العازلة للصوت في عهد السيسي!

إنه الاستبداد يطور أدواته!

 

كاتب وصحفي مصري

azouz1966@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .