دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 13/8/2018 م , الساعة 12:52 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

إعادة إعمار سوريا والأسئلة المرّة

إعادة إعمار سوريا والأسئلة المرّة

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..
تبلغ كلفة إعادة إعمار سوريا بحسب تقديرات الخبراء 500 مليار دولار وهو مبلغ مرشح بالطبع للزيادة إذا حسبنا حساب الفساد الذي سيكون له شأنه في هذه العمليّة. والمبلغ مرشح أيضاً للزيادة إذا أخذنا بعين الاعتبار الارتفاع الدائم في سعر كل ما يمتّ إلى البناء بصلة. والذين أنشأوا بيوتاً أو أبنية يعلمون أن تقديرات الكلفة مسبقاً ليست دقيقة على الإطلاق وأن المرء قد يدفع عند التنفيذ ضعف ما قدّره أو أكثر. وهذا يعني أن كلفة إعادة إعمار سوريا، حتى لو جاءت إعادة الإعمار هذه متواضعة وبائسة، ستتجاوز أضعاف تقديرات الخبراء.

ويملك اللبنانيون تجربة غنيّة في مسألة إعادة الإعمار. فحتى الساعة، ورغم مرور 30 سنة على انتهاء الحرب اللبنانيّة، ما تزال «وزارة المهجرين» تعمل إلى اليوم وهي وزارة نخرها الفساد وصرفت أكثر اعتماداتها على المحسوبية، وما جرى تعميره من أموالها لا يرقى إلى مستوى البناء الذي هدمته الحرب بل هو أقرب إلى البناء البدائي أو شبه البدائي.

وقد صرفت الدولة اللبنانية مبالغ طائلة على إعادة إعمار فاشلة لا تليق ببلد يطمح لأن يكون بلداً عصرياً في عمارته. وإذا كانت تجربة اللبنانيين على هذه الصورة، وهم أبناء بلد متقدّم على صعد مختلفة، فكيف ستكون تجربة السوريين الذين شاهد العالم مدى حاجتهم إلى أبجدية الحياة الاجتماعيّة المعقولة التي حُرموا منها، وربما عن سابق تصوّر وتصميم، على مدى أكثر من نصف قرن؟

على أن هناك أسئلة أخرى أكثر مرارة وقسوة تتصل بعملية إعادة إعمار سوريا أولها سؤال عما إذا كانت الحرب قد انتهت، ذلك أن إدلب سؤال كبير يتوقف على الإجابة عنه موضوع إعادة الإعمار برمته. وثانيها سؤال يتصل بالتمويل والمموّلين. فمن من الدول سيخوض غمار أرقام عالية كالأرقام المقدّرة، وما هي دوافعها لخوض هذه الغمار؟ وهل هناك قناعة عند هذه الدول لمساعدة نظام قتل شعبه وهجّره تحت كل سماء؟ وهل هناك ثقة بأن الأموال التي قد تتدفق ستُصرف حسب الذمة والضمير وما هي مخصصة لأجله؟

وهناك أسئلة حارقة أخرى يمكن أن يطرحها المرء تتصل بالروح السورية نفسها. فهل الروح السورية روح منطفئة أو روح يقظة موارة بالحيوية والنشاط؟ وهل في الأفق ما يشير إلى أن سوريا ستسلك بالفعل طريق العودة إلى الحياة، أم ستعود من جديد إلى سجن تدمر وسجن المزة وبقية السجون المعروفة؟ أية سوريا سيكون هذا البلد الذي فقد روحه وكيانه وهويته وتحوّل إلى شركة أشرار أو جمعية أشرار؟

ثم إن إعادة الإعمار هذه لا تتناول ألمانيا أو اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، بل تتناول بلداً من بلدان العالم الثالث شديد التخلف لا يملك لا حكومة رشيدة ولا نظاماً سياسياً يمكن الوثوق به ولا نخباً سياسية وثقافية وعلمية تراقب وتحاسب وتضطلع بدور معارضة فعالة سواء لتقويم عملية إعادة الإعمار أو لتقويم السياسة العامة في البلاد. فمثل هذه المعارضة ممنوعة منعاً باتاً في سوريا في الحاضر وفي المستقبل بسبب ما يمكن أن تسببه سوريا، إذا استقلت وتحررت، من خطورة على إسرائيل. وطالما أن الوضع الجيوبوليتيكي السوري سيظلّ على حاله إلى أجل غير مسمّى، فمن غير المتوقع أن تشهد سوريا عملية إعادة إعمار بالمعنى المعروف أو المأمول للكلمة، بل ستقتصر هذه العملية على بعض الرتوش والتصليحات التي لا تسمن كما يقولون ولا تغني من جوع. وستعود سوريا إلى حالة البؤس الروحي والمعنوي والمادي الذي عانته في نصف القرن الماضي.

لقد أعاد الألمان واليابانيون بناء مدنهم التي هدمتها الحرب بأفضل مما كانت هذه المدن عليه قبل الحرب. ولم يكن هذا غريباً على شعبين حضاريين لديهما قيم وطنيّة ويقدّسان فكرة المصلحة العامة ولديهما باستمرار أنظمة سياسية مختلفة تماماً عما لدينا.

وهي كلها شروط أولية لا غنى عنها لرعاية عمل وطني عام هو إعادة الإعمار. وعملية إعادة الإعمار هذه لا تتناول مدينة ضربها زلزال، ولا عدة مدن أو قرى، وإنما تتناول بلداً أكثر عمرانه قد هُدّم وتحوّل إلى أنقاض. فهل يمكن للمرء أن يستدعي حسن النيّة وأن يطمئن إلى كل ما يحيط بهذه العملية، والظروف التي بسطناها معروفة وغير خافية على أحد؟

اثنان يتطلبان إعماراً في سوريا: البشر والحجر، والاثنان إعمارهما متعذّر على النحو المرجو في المدى المنظور.
  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .