دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 10/3/2008 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تجربتي الشخصية مع ترجمة محمد أركون علي مدار أكثر من ربع قرن

المصدر : وكالات خارجية

الترجمة وإشكالية المصطلح


  • أول شيء يصطدم به الباحث العربي عندما يجيء للغرب هو الكثرة الهائلة لمصطلحات العلوم الإنسانية
  • أركون يطبق علي التراث العربي والإسلامي ما طبقه علماء أوروبا علي التراث المسيحي والتاريخ الغربي من مناهج مستحدثة أثبتت فعاليتها
  • أركون اكتشف أنه لا يمكن لنا فهم بنية العقلية الإسلامية إذا لم نأخذ مصطلح التصورات الخيالية بعين الاعتبار
  • الرؤية العقلانية النقدية للتاريخ معدومة لدي جمهور المسلمين القدامي والمعاصرين
  • لا نستطيع أن نتحدث عن الصحابة والأئمة وعموم الفترة الأولي للإسلام بطريقة واقعية تاريخية
  • هناك تضخيم في المسيحية لشخص يسوع حيث رفعوه إلي مرتبة الألوهية ونفوا عنه كل صفة تاريخية أو بشرية تقريب
  • يسيطر علينا الآن خطاب قومجي شوفيني أو أصولي غوغائي أو الاثنان معاً ومات الفكر والعقل
  • هناك مؤمنون ارثوذكسيون مسلمون ومسيحيون ويهود بل وحتي سنيون وشيعيون
  • فكر أركون تحريري يهدف للانفتاح وليس الانغلاق.. فكر التسامح لا التعصب

 

 

بقلم: هاشم صالح ..عندما ابتدأت ممارسة الترجمة من الفرنسية الي العربية قبل ثلاثين سنة واجهتني صعوبات عديدة منها كيفية ترجمة المصطلحات السائدة في مجال العلوم الانسانية. ومعلوم ان هذه العلوم شهدت تطورا ملحوظا في الغرب طيلة القرن العشرين وبالأخص النصف الثاني منه: أي طيلة الفترة المدعوة بالمرحلة البنيوية.

 فقد حلت محل الايديولوجيات السابقة وبالأخص الماركسية التي فقدت الكثير من مصداقيتها وعلميتها. وعندما أقول العلوم الإنسانية فإني أقصد العلوم المضادة للعلوم الطبيعية الفيزيائية أو ما ندعوه عندنا بالعلوم الدقيقة أو الصحيحة بحسب الترجمة التونسية علي ما أذكر. وهذا يعني ان العلوم الانسانية كعلم الاجتماع والاقتصاد والانتربولوجيا والتاريخ والجغرافيا البشرية والنفس والألسنيات وسوي ذلك هي أقل دقة أو صحة من العلوم الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والرياضية والفلكية الخ..

وهذا شيء متفق عليه لدي العلماء في كلتا الجهتين دون ان يعني نفي صفة العلمية النسبية (علي الأقل) عن العلوم الانسانية. انها علوم بدون شك وتكشف لنا الكثير من القوانين التي تتحكم بسلوك الفرد والمجتمع. ولكن درجة صحة او يقينية هذه العلوم تظل أقل يقينية وصحة من العلوم الفيزيائية والكيميائية والرياضية والبيولوجية. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.

 فمن الواضح ان دوركهايم وكارل ماركس وماكس فيبر وبيير بورديو وعشرات غيرهم فسروا لنا المجتمع وآلياته بطريقة أكثر دقة ووضوحا من شطحات الماركسيين الدوغمائيين أو المنظرين الخياليين. وقل الأمر ذاته عن كلود ليفي ستروس وعلماء الانتربولوجيا الآخرين، أو عن فرويد وعلماء النفس الكبار، أو عن مدرسة الحوليات الفرنسية التي فسرت مسيرة التاريخ وقوانينه بشكل رائع.. كل هذه الانجازات كانت مجهولة من قبلنا نحن العرب حتي أمد قريب.

بل ان جامعاتنا لم تكن تحتوي علي أقسام للعلوم الانسانية في البداية. وبالتالي فان اول شيء يصطدم به الباحث العربي عندما يجيء الي الغرب هو الكثرة الهائلة لمصطلحات العلوم الانسانية في اللغات الاوروبية الاساسية كالفرنسية والانجليزية وانعدام أي مقابل لها في لغتنا العربية. وهذا ما واجهني بالضبط عندما ابتدأت بترجمة اركون حوالي عام 1980.

 فالرجل يطبق علي تراثنا الإسلامي ترسانة هذه العلوم الانسانية بكل مصطلحاتها ومفاهيمها لكي يضيئه من الداخل ويحرره بشكل لم يسبق له مثيل من قبل علي حد علمي. في الواقع ان اركون يطبق علي التراث العربي الإسلامي ما كان علماء اوروبا قد طبقوه علي التراث المسيحي والتاريخ الغربي من مناهج ومصطلحات مستحدثة أثبتت فعاليتها. لنضرب علي ذلك مثلا مصطلحimaginaire والذي ترجمناه الي العربية بكلمة مخيال أو متخيل. وهو مصطلح له أهميته في علم التاريخ الحديث وبخاصة لدي مدرسة الحوليات الشهيرة.

 فلا يمكن فهم تاريخ العقليات الذي أسسه جورج دوبي وجاك لوغوف بدون ان نأخذ هذا المصطلح بعين الاعتبار. فالانسان لا تحركه العوامل المادية فقط وإنما العوامل النفسية والخيالية أيضاً. وهذا ما أهملته الماركسية السطحية عندما ركزت فقط علي العوامل المادية أو ما يدعي بالبني التحتية. ولكن جورج دوبي يقول لنا بأن تأثير المخيال علينا وبخاصة علي أناس العصور الوسطي لا يقل أهمية أو حتي مادية عن ضربة المحراث في الارض! بمعني آخر فإن التصورات الخيالية هي التي تحركنا مثل الدوافع المادية واحيانا اكثر. لقد طبق اركون هذا المصطلح علي تاريخ الاسلام واكتشف انه لا يمكن لنا ان نفهم بنية العقلية الاسلامية إذا لم نأخذه بعين الاعتبار. واكتشف عندئذ ان ما سيطر علي عقلية المسلمين القدامي هو التاريخ الاسطوري، في حين ان ما يسيطر علي عقلية المسلمين المعاصرين هو التاريخ الاسطوري الايديولوجي. بمعني آخر فإن الرؤيا العقلانية النقدية للتاريخ معدومة لدي جمهور المسلمين القدامي والمعاصرين مع فارق واحد هو ان القدامي كانوا أقرب الي عصر النبوة وبالتالي أقرب الي الحقيقة منا نحن. لقد كانت نظرتهم للتاريخ اسطورية مثالية ولكن ليست ايديولوجية عمياء مثلنا نحن. لقد شكل القدامي، وبخاصة ابن اسحاق وابن هشام، صورة جميلة، اسطورية، مثالية، عذبة، عن شخصية النبي والفترة الاولي للإسلام.

وهي صورة يتدخل فيها الخيال أكثر بكثير من العقل وان كان العقل ليس غائبا عنها تماما. أو قل انها تحور التاريخ وتضخمه عن طريق الخيال الجامح الذي لا يعرف الحدود تقريبا. فالكثير من الوقائع التي يروونها صحيحة ولكنهم يجملون الواقع او يزينونه الي درجة ان الاسطورة تختلط بالواقع فلا تعود تعرف كيف تفرق بينهما. وعلي هذا النحو تشكل المخيال الإسلامي المستمر منذ ذلك الوقت وحتي يومنا هذا. فنحن لا نستطيع ان نتحدث عن الصحابة والأئمة وعموم الفترة الاولي للإسلام بطريقة واقعية تاريخية. وهذا المخيال الجماعي الجبار هو الذي حرك المسلمين في ايران بالملايين تحت قيادة الخميني.. وهو الذي يجعل الشيوخ التقليديين قادرين بسهولة علي السيطرة علي الجماهير الشعبية.

فشيخ واحد قادر علي التعبئة أكثر من عدة أحزاب سياسية ماركسية أو علمانية. الشيء نفسه حصل بالطبع في المسيحية مع تضخيم اكبر لشخص يسوع حيث رفعوه الي مرتبة الألوهة ونفوا عنه كل صفة تاريخية أو بشرية تقريبا. ولولا هذا المخيال وسيطرته علي عقول عامة الشعب علي الأقل لما استطاع الخميني تحريك الجماهير بالملايين وإسقاط الشاه. وبالتالي فإن زعم الماركسيين بأن العوامل المادية الاقتصادية هي وحدها التي تحرك التاريخ أو تحسم حركته شيء لم يعد مقبولا بعد أبحاث هؤلاء المؤرخين الكبار بالإضافة الي اكتشافات الفيلسوف كورنيليوس كاستورياديس في كتابه المهم: التأسيس الخيالي للمجتمع. هكذا تلاحظون أيها السادة ان مصطلحا واحدا جرني الي متاهات او قل أعطاني المفتاح الضروري لفهم الماضي والحاضر علي حد سواء.

 وهنا تكمن أهمية المصطلحات العلمية التي تعتبر ركائز أساسية لا يمكن للفكر ان يتقدم بدونها. ومعلوم ان المفكرين الكبار هم وحدهم القادرون علي بلورة مصطلحات خاصة بهم دون غيرهم. ثم يجيء الآخرون ويستخدمونها علي اثرهم. ثم يقول اركون بأن التاريخ الاسطوري لابن اسحاق وابن هشام والطبري وكبار المسلمين القدامي تدهور وانحط في عصرنا الراهن لكي يتحول لدي شبيبتنا الي اسطورة ايديولوجية او اسطورة مؤدلجة بالخالص. فعلي الأقل في الماضي كانت لا تزال هناك عناصر من التاريخ الحقيقي موجودة وان تكن ممزوجة بالاسطورة التضخيمية.

 وأما في عصرنا الراهن فقد عميت البصيرة والبصر وأمحت آثار التاريخ الفعلي كليا تقريبا. وهكذا سيطر علينا خطاب قومجي شوفيني أو اصولي غوغائي أو الاثنين معا ومات الفكر والعقل. وبالتالي فأسلافنا علي الرغم من غرقهم في العقلية الغيبية الاسطورية كانوا أفضل منا من هذه الناحية.

انتقل الآن الي مصطلح آخر كثيرا ما ركز عليه اركون واهتم به هو: مصطلح المفكر فيه - اللامفكر فيه، ثم الممكن التفكير فيه - المستحيل التفكير فيه. هنا ايضا أعتقد اني كنت أول من أدخل هذا المصطلح الي ساحة اللغة العربية. ولا أقول ذلك علي سبيل الافتخار الشخصي العابر والتافه وإنما من أجل الدلالة علي فائدة الترجمة وكيف انها أجبرتني علي اختراع مقابلات عربية للمصطلحات الاجنبية.

نعم ان للترجمة فوائد جمة ومن بينها هذه الفائدة: دفعك دفعا الي الاشتقاق والابداع والابتكار. فالحاجة أم الاختراع كما يقال. وأحياناً ينجح المصطلح الذي اخترعته أو يبدو موفقاً ومناسباً وأحياناً لا. فلا أزعم اني نجحت في كل شيء. ولكن هذا المصطلح نجح معي علي ما اعتقد بدليل انه اصبح سائرا علي الألسن وجزءا لا يتجزأ من الثقافة العربية. فالكثيرون يستخدمونه دون ان يعرفوا ان أبوته تعود لي وحسنا يفعلون.

فأنا أيضاً استخدم مصطلحات الآخرين وكأنها لي دون ان أعبأ بمن اخترعها لأول مرة. ينبغي العلم بان المصطلح المعرب ما ان ينجح حتي يصبح ملكا مشاعا للجميع. وأنا أقول لكم باننا بحاجة الي اختراع آلاف المصطلحات الجديدة في لغتنا العربية لكي تقابل المصطلحات الانجليزية أو الفرنسية في كافة العلوم والاختصاصات.

بهذه الطريقة وبها وحدها تغتني لغتنا بالكلمات والتراكيب الجديدة وتتوسع امكانياتها التعبيرية والمفهومية. وتصبح مرنة أكثر وقادرة علي الاستيعاب أكثر. وعلي هذا النحو تعود لغتنا من جديد الي سابق مجدها فتصبح لغة علم وفلسفة وليس فقط لغة أدب وشعر ونثر ودين وفقه..

 وهكذا تستعيد مكانتها المرموقة علي مسرح العالم كبقية اللغات الحية الحضارية من فرنسية وإنجليزية وألمانية وإسبانية الخ... ولكنها لن تستعيدها اذا لم يبذل أبناؤها جهودا جبارة لا شتقاق مصطلحات ناجحة وموفقة ليس فقط في مجال العلوم الانسانية وإنما أيضاً في مجال العلوم الدقيقة من فيزياء وكيمياء وذرة وفضاء الخ..نعم ان الترجمة بهذا المعني هي فعالية ابداعية وابتكارية بالكامل وليست فعالية طفيلية او هامشية أو ثانوية كما يتوهم الكثيرون.

انتقل الآن الي مصطلح آخر اضطررت الي اشتقاقه أثناء ترجمتي لفكر اركون هو: الابستميه. ولكن قبل ان اتحدث عنه ينبغي العلم بان المصطلحات هي العكازات التي يتعكز عليها الفكر لكي يتقدم الي الأمام. لا يوجد فكر بدون مصطلحات او ركائز وأعمدة يعتمد عليها لكي يبلور تصوراته وتفسيراته للواقع والتاريخ وكلية الوجود. فمثلا نيتشه اشتهر بمصطلحات معينة، وفرويد بمصطلحات أخري، وقل الامر ذاته عن هيغل وكانط وماركس وديكارت وغاستون باشلار وميشيل فوكو وسارتر وعشرات غيرهم من كبار المفكرين.

وحده المفكر الكبير يستطيع ان يتوصل الي مرحلة بلورة المصطلحات الكبري التي يأخذها الآخرون عنه وتشيع من بعده ويعرف بها. فنيتشه اشتهر بمصطلح السوبرمان، والعودة الأبدية للاشياء ذاتها الي ما لا نهاية، ومصطلح ارادة القوة والعظمة، الخ.. وفرويد اشتهر بمصطلحات عديدة في مجال التحليل النفسي كمصطلح اللاوعي او عقدة أوديب أو سوي ذلك.

اما فوكو فقد اشتهر بمصطلح الابستميه الذي بني عليه كتابه الشهير، الكلمات والاشياء، بصفحاته الاربعمائة. وعنه أخذه اركون وطبقه علي تاريخ الفكر العربي الإسلامي من أجل التحقيب المعرفي العميق له.. وفي البداية كنت أنقل المصطلح كما هو الي اللغة العربية، أي دون تعريب. وبعدئذ اكتشفت ان ذلك قد يزعج القراء او يتعسر عليهم فهمه فعربته قائلاً بأنه نظام الفكر المسيطر في مرحلة ما وثقافة ما. وقد أوضحت كل ذلك مفصلا في كتابي الذي سيصدر خلال أيام في بيروت عن دار الطليعة تحت عنوان: "مخاضات الحداثة التنويرية. مفهوم القطيعة الابستيمولوجية شرقا وغربا."

والواقع ان ميشيل فوكو كان أستاذ تاريخ أنظمة الفكر في الكوليج دو فرانس. وبالتالي فهناك بحسب وجهة نظره عدة ابيستمات، أو أنظمة فكرية، تعاقبت علي الحضارة الغربية منذ قرون عديدة وحتي اليوم. فهناك نظام الفكر الخاص بالعصور الوسطي وهو لاهوتي ديني، وهناك نظام الفكر الخاص بالعصر الكلاسيكي وهو ديكارتي مثالي، ونظام الفكر الخاص بالعصور الحديثة وهو كانطي اكثر تقدما من كل ما سبق. وقد استخدم اركون هذا المصطلح من اجل التحقيب الزمني للفكر العربي الإسلامي. فقال بان فكرنا يهيمن عليه الابستميه القروسطي او نظام الفكر القروسطي منذ البداية وحتي احتكاكنا بالحضارة الاوروبية بدءا من القرن التاسع عشر او ربما بداية القرن العشرين.

ولكنه ميز داخل هذا الابستميه الواسع بين مرحلتين اساسيتين لا يجوز الخلط بينهما. فهناك اولا المرحلة الكلاسيكية المبدعة من تاريخ العرب والاسلام. وهناك ثانيا المرحلة السكولائية التكرارية الاجترارية الانحطاطية. ثم طرح اركون مصطلحا آخر يتماشي مع هذا المصطلح او يتطابق معه هو مصطلح: الفضاء العقلي القروسطي، والفضاء العقلي الحديث.

وربما كنت أول مترجم يستخدم هذه الصياغة في اللغة العربية. فعندما نقرأ نصا معينا لأحد الشيوخ التقليديين نفهم فورا انه ينتمي بروحه ولغته وأسلوبه الي الفضاء العقلي للقرون الوسطي. وعندما نقرأ نصا لطه حسين او سواه من المحدثين نفهم انه ينتمي الي الفضاء العقلي للعصور الحديثة. وبينهما تكمن قطيعة الحداثة او ما ندعوه بالقطيعة الابيستمولوجية. بالطبع لا أدعي اني كنت أول من استخدم هذا المصطلح في اللغة العربية. فقد كان موجودا قبلي.

 ولكني شرحته بشكل مفصل ومطول في كتابي الجديد المذكور آنفا. هكذا نلاحظ ان كل هذه المصطلحات تهدف الي موضعة التراث العربي الإسلامي ضمن مكانه الصحيح قياسا الي تاريخه بالذات والي الفكر الغربي الحديث في آن معا. وهكذا نعرف أين نقف بالضبط قياسا الي فكر الحداثة وما هي المهام الملقاة علي عاتقنا لكي نستطيع ان نلحق بركب الحضارة والتقدم والرقي. وبالتالي ففكر اركون يساعدنا علي فهم الحداثة وفهم التراث في آن معا. وهذا ليس بالشيء القليل في وقت يكثر فيه الاضطراب ويختلط الحابل بالنابل وتغيم الرؤيا وتضيع الناس..

بالطبع لا أستطيع ان أذكر هنا كل المصطلحات الفرنسية التي عربتها من خلال ترجماتي لاركون او اضطررت الي ايجاد مقابل عربي لها علي مدار السنوات. فهذا شيء قد يملأ كتابا كاملا. نعم ان المترجم يجد نفسه حائرا أحيانا أمام إشكالية المصطلح. وقد يتردد ساعات طويلة بل وأياما عديدة أمام ترجمته. وأحيانا يغير رأيه ويعيد الترجمة من جديد كما حصل لي مع مصطلح الابستميه لفوكو. وأحيانا ينجح المصطلح العربي الذي اشتقه المترجم ويذيع في الأمصار ويصبح ملكية عامة لكل المثقفين العرب كما ذكرت آنفا، وأحيانا يموت في أرضه فلا يعجب أحدا. ولكن كما جاء في الحديث الشريف: من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.

وبالمناسبة، وعلي سبيل النكتة فقط، سوف أقول ما يلي: هل تعلمون ان بودلير عندما اخترع كلمة حداثة في اللغة الفرنسية وجدها بشعة للوهلة الاولي وخاف من ان تصدم حساسية القراء وكاد ان يخجل بها او يعتذر عنها! فاذا بها تنجح نجاحا باهرا وتشيع في كل بلدان العالم وليس فقط في فرنسا الي حد انها أصبحت مصطلحا كونيا بامتياز. فمن لم يسمع بكلمة: الحداثة؟ وأما مجمع اللغة العربية في دمشق فعلي الرغم من نجاحه في اشتقاق مصطلحات جديدة عديدة الا ان الحظ لم يحالفه عندما ترجم كلمة السينما بدار الخيالة، وكلمة التلفزيون بالرائي، وكلمة البيجاما بالمنامة..فالناس يضحكون عليك اذا ما قلت: ذهبت الي دار الخيالة لحضور فيلم ما، أو شاهدت الرائي، أو لبست المنامة الخ..

ولكن كلمة مذياع نجحت معه كترجمة لكلمة الراديو.. وبالتالي فلا نعرف مسبقا ما هو المصطلح الذي سينجح والمصطلح الذي سيفشل.. وأنا شخصيا أعتقد ان نظرية داروين في الاصطفاء الطبيعي تنطبق علي المصطلحات مثلما تنطبق علي الكائنات الحية: فالبقاء يظل للأفضل.

هناك مصطلح آخر مهم جدا في فكر اركون هو مصطلح السياجات الدوغمائية المغلقة. وكان بامكاني ان أترجمه: بالأسوار الدوغمائية المغلقة. والمعني واحد في نهاية المطاف. والواقع ان كتابه الجديد الذي يقدمه مسلسلا كحلقات علي صفحات الراية القطرية يحمل العنوان التالي: كيف الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة؟ نحو تحرير الوعي الإسلامي. وكان بودي ان أقول السجون الدوغمائية المغلقة لأن المعني يكون أقوي عندئذ. ولكنه أعطاه عنوانا عربيا جديدا هو: نحو تحرير الوعي الإسلامي لكي يفهم مقصده بشكل افضل.

 والمعني واحد في نهاية المطاف، لأنك إذا ما خرجت من السياجات الدوغمائية المغلقة للتراث فانك تكون قد تحررت من رواسب الماضي وأقفاصه وسجونه.. ويقصد به ان المؤمن المسيحي مثلا مسجون داخل عقائده الايمانية الموروثة أبا عن جد منذ مئات السنين والتي يعتبرها مطلقة وكل ما عداها ضلال في ضلال.

وقل الأمر ذاته عن الانسان التقليدي اليهودي أو المسلم. بل حتي داخل الدين الواحد توجد سياجات دوغمائية مغلقة لان الكاثوليكي يعتبر نفسه المذهب الوحيد الصحيح في المسيحية وما عداه هرطقة. وقل الأمر ذاته عن الشيعة والسنة في الاسلام.

كل واحد يزعم انه يمثل الاسلام الصحيح دون غيره..هذا هو معني ان تكون مسجونا داخل سور دوغمائي مغلق لا تستطيع منه فكاكا. وبالتالي فتفكيك هذه الأسوار المغلقة هي اول مهمة ملقاة علي عاتق صاحب نقد العقل الإسلامي. وهنا يكمن الفرق بينه وبين المستشرق الذي لا يلقي بالا لهذه الامور.

وهذا يقودنا بشكل منطقي الي مفهوم أساسي في علم الأديان الحديث هو مفهوم الارثوذكسية. وكثيرا ما يستخدمه اركون في كتبه وأبحاثه. وقد حيرتني ترجمته كثيرا. في البداية كنت انقله كما هو الي اللغة العربية: أي ارثوذكسية.

 بل ولا أزال أفعل ذلك حتي الآن أحيانا. وكنت منزعجا من ذلك لاني أعرف انه يؤدي الي الخلط مع المذهب الارثوذكسي في المسيحية. وهو أحد المذاهب الثلاثة بالاضافة الي الكاثوليكية والبروتستانتية. في الواقع ان كل دين وبل وكل مذهب يعتبر نفسه ارثوذكسيا بالمعني الحرفي للكلمة وليس فقط المذهب الارثوذكسي المعروف. والمعني الحرفي للكلمة في اللغة الاغريقية هو: الخط المستقيم.

اما المعني المجازي فهو الرأي الصحيح أو العقيدة القويمة المستقيمة تمييزا لها عن العقيدة المنحرفة أو المهرطقة. غني عن القول ان كل دين يعتبر نفسه ارثوذكسيا بهذا المعني وبقية الاديان منحرفة ضالة مهرطقة.

 بل وكل مذهب داخل كل دين يزعم ذلك. انظر حديث الفرقة الناجية في الاسلام. وبالتالي فاركون يقصد بالمؤمنين الارثوذكسيين المؤمنين التقليديين المسجونين داخل سياجاتهم الدوغمائية المغلقة علي ذاتها. وبهذا المعني فهناك مؤمنون ارثوذكسيون مسلمون ومسيحيون ويهود بل وحتي سنيون وشيعيون، أو كاثوليك وبروتستانتيون، الخ. كل واحد يزعم انه الفرقة الناجية دون سواه..

هكذا نجد أنفسنا وقد عدنا الي مفهوم السياج الدوغمائي المغلق من جديد، هذا السياج المسور من كل النواحي بالأسلاك الشائكة والذي لا يستطيع المتدين التقليدي ان يفكر خارجه بأي شكل والذي يحاول اركون بفكره النقدي الخلاق ان يخرجنا منه أو يحررنا من مقولاته العتيقة التي عفي عليها الزمن.

هنا يكمن الطابع التحريري الهائل لفكر محمد اركون. انه فكر الانفتاح لا الانغلاق، فكر التسامح لا التعصب، فكر الايمان كأوسع وأعمق ما يكون. فكر لا ينبذ أحدا ولا يستبعد أحدا من رحمة اللَّه بشرط ان تصدق النوايا وتطيب النيات ويصلح العمل. وما أحوجنا الي هذا الفكر في عصر الأصوليات الهائجة و دعوات التعصب والانغلاق سواء أكانت شرقية أم غربية.