دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
آخر تحديث: السبت 3/11/2012 م , الساعة 1:26 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
محاكمة سقراط ترجمة نسيم مجلي أحدث عمل عالميّ يدخل رفوف المكتبات العربيّة
"المحاكمة" من أعظم أعمال أيقونة الصحافة الأميركيّة ستون
الكتاب يُحدث ضجة ودويًّا في الأوساط الفكريّة منذ صدوره
ستون لم يستطع تبرئة اريستوفانيس من اتخاذه دليلاً في إعدام سقراط
هل أدى الفهم الخاطئ للديمقراطية لإعدام سقراط ؟
بعض أجزاء الكتاب تتحوّل لتحقيق صحفيّ في غياب الوثائق التاريخيّة
أفلاطون يرفض ديمقراطية أثينا ويُناصر عدم الترقّي الطبقيّ

بقلم - باسم توفيق:

لعل في وصف عقدة الكتابة منذ العصور الأولى لنشأتها هي فكرة البحث والاستقصاء لأنه بدون بحث واستقصاء تكون الكتابة منقوصة ومعطلة الأركان أي أنها وبمعنى أدق تكون قليلة الجدوى للقارئ والمتلقي حيث إنها لا تقدم جديدًا ونقصد هنا بالتحديد النثر لأن الشعر ربما يعول أكثر على المشاعر وأساطير التصور اللغوي لكن النثر كما ينتظر منه دائمًا لابد أن يقدم جديدًا وانطلاقًا من هذه الفكرة ربما نجد كتابات حديثة تعالج قضايا أو موضوعات قديمة جدًا بشكل استقصائي حتى تقدم لنا الجديد وتعتبر مدارس المقال الأمريكي من أهم المدارس التي قدمت هذه الفكرة بشكل جيد وأصبحت مثالاً يحتذى في هذا الأسلوب خاصة ذلك الجيل الذي برز في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ليقدم لنا تحقيقات صحفية تقع بين الأسلوب الصحفي والبحث الثقافي الذي يبتعد عن التعقيدات الأكاديمية حتى يقدم للقارئ مادة بحثية فكرية بأسلوب صحفي يصل للقارئ العادي وغير المدرب على نوعية القراءات الأكاديمية الجافة ومن رواد هذه المدرسة الكاتب والصحفي والمفكر الأمريكي الكبير أيسدور فاينستين ستون والمعروف في الوسط الصحفي ب آي أف ستون هذا الكاتب الذي لم يتوقف عن التعلم حتى رحل في عام 1989 عن عمر يناهز الـ82 عامًا.

وللحديث عن آي أف ستون هذه الأيام ضرورة تستدعيها مناسبة شديدة الأهمية فلقد دخل إلى المكتبة العربية حديثًا ومنذ أيام أشهر أعماله بل وأشهر أعمال النثر الصحفي الاستقصائي والثقافي أيضًا وهو كتاب محاكمة سقراط الذي هز الأوساط الفكرية والأكاديمية أيضًا في وقته حينما صدر لأول مرة عام 1979 ترجم الكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة المصري التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب وتحت إشراف المجلس الأعلى للترجمة وقام بالترجمة الكاتب والناقد المسرحي نسيم مجلي.

قلنا إن الكتاب أثار ضجة كبيرة فور صدوره عام 1979 وعقدت الجامعات عدة ندوات حول الكتاب وعشرات اللقاءات الصحفية والمقابلات التلفزيونية مع مؤلف الكتاب آي أف ستون هذا الكاتب والصحفي المخضرم ولعلنا نستطيع أن نقول إن الضجة التي أثارها الكتاب لم تكن ضمن صدى أكاديمي أو بحثي كما قد يتبادر إلى الذهن إذا قلنا إن موضوع الكتاب يوحي بأن هناك اكتشافات جديدة في قضية محاكمة الفيلسوف الإغريقي سقراط وإعدامه بالسم وكما كان يؤكد دائمًا ستون أن كتابه ألقى أضواء جديدة على المحاكمة وقضية سقراط عامة لكن الحقيقة أن هذا من قبيل المبالغة نوعًا ما أولاً لأن ستون لم يكن متخصصًا ضالعًا في الكلاسيكيات كما يوشي بذلك كتابه لكنه بدأ بدراسة الكلاسيكيات متأخرًا جدًا ربما في سن الـ58 من عمره لكنه بلغ نباهة كبيرة فيها وثانيًا لأن ستون لم يستند على اكتشافات وثائقية جديدة وبالتالي فمعظم اكتشافاته في محاكمة سقراط تكون ضمن حيز الاستنتاج البيزنطي أي أنه استنتج نتائج من مقدمات كانت موجودة لديه بالفعل كما في الجدل الأرسطي ، أيضًا يعتمد ستون على خيال الكاتب الصحفي بشكل كبير.

لكن الحقيقة هذه لا تسقط عن كتاب (محاكمة سقراط) أنه من أجود ما كتب في الرؤى الحديثة للقضايا الكلاسيكية وخصوصًا تلك التي تتحلى بروح العصر وتأخذ أسلوب النقد السياسي الأمريكي الحر والكتاب من ناحية النقد والتحليل درة من درر الفكر العالمي بدون أي مبالغة، حيث يقدم لنا آي اف ستون أهم نقد قدم في قضية الديمقراطية الأثينية التي يعتبرها الكثير مثالاً مهمًا يجب أن يطبق وفي هذا الصدد يقول ستون في إحدى المقابلات التي تمت معه في مجلة نيويورك تايم ( لم تكن الديمقراطية كما نتخيلها هي تلك الفضيلة التي تمتع بها المجتمع الأثيني بل كانت إحدى عيوبه إذا شئنا أن نقول وعلى الرغم من أنها خطوة عظيمة في المساواة وحرية التعبير) الحقيقة أن كتاب ستون يغوص بعمق ويعيد تحليل محاكمة سقراط ليستنتج منها نقدًا صادمًا لآليات الديمقراطية فمحاكمة سقراط من وجهة نظره لم تكن إلا محاكمة لأثينا كلها محاكمة لما وصلت إليه المثل الديمقراطية على يد الغوغاء والرعاع بحجة حرية التعبير وحكم الشعب وهذا للأسف ما تعيشه مجتمعات كثيرة في عالمنا الثالث الذي امتلأ بالمدعين من الرعاع الذين يتحكمون في مقاليد الأمور السياسية وهذا بالتحديد ما حل على ديمقراطية أثينا وسقط بها إلى القاع فجعلها تعدم أكثر أبنائها نجابة وهو سقراط الأثيني مؤسس دعائم المدرسة الأثينية ومنذ إعدام سقراط يسير المجتمع الأثيني في اتجاه النفق المظلم على يد الغوغاء وبعيدًا عن ستون الذي بدأ الحديث عن النهاية علينا أن نقول إن ديمقراطية أثينا التي نعتقد في مثاليتها كانت وبالاً منذ البداية في وجود هذا الكم من الجهل، فالجهل هو السبب الحقيقي لفشل الديمقراطية الأثينية الذي دفعها لابتلاع حتى مؤسسيها من أمثال سولون وثيموستوكليس ورفع على الهامات شخصيات من الغوغاء ليس لديهم أي دربة بالحكم وشؤونه وهذا ما دفع الديمقراطية الأثينية لأن تتحول لـ(ديمقراطية بائعي السقط) على حد تعبير الكاتب الكوميدي العظيم أريستوفانيس الذي كان من جيل المحافظين الذين رأوا في هذا النوع من الديمقراطية دربًا من الانهيار وتحطيم المثل العليا في الحكم وإفساد جيل بكامله.

إذن علينا أن نفرق على حد تعبير آي أف ستون بين (الديموكراسي) والـ (الموبوكراسي) أي حكم الشعب وحكم الرعاع ونجد هنا قوه تعبير لخصت أزمة الديمقراطية الأثينية وهكذا يسير ستون إلى أبعد مدى ليصف تلك المحاكمة بأنها مقارنة بين منطق سقراط العاقل الذي يمثل حرية التعبير التي تنص عليها الديمقراطية وبين ذلك التجهم والجمود المتمثل في قضاة أثينا الذين يصرون على إصدار حكمهم بالإعدام على الرغم من منطق سقراط السليم كما يحاول ستون بأسلوبه الصحفي الشيق أن يزيل جزءًا ضئيلًا من الغموض فيفترض أن سقراط الذي لا نعرف تحديدًا التهم الموجهة إليه يفترض ستون أن تهمة عدم تبجيل الآلهة وتهمة إفساد عقول الشباب الأثيني وفي عدم وجود عريضة ادعاء يصعب تحديد التهم الأخرى لكن على اعتبار التهمتين اللتين بين أيدينا نعرف أنها تهم ليست كافية للحكم بالإعدام وهنا يحاول أن يثبت ستون أن هناك تهمًا أخرى ألحقت بسقراط لم ترد في الوثائق الوحيدة التي تحدثت عن المحاكمة وهي محاورات أفلاطون الشهيرة التي تعتبر وثائق أدبية وفلسفية أكثر منها وثائق تاريخية.

هناك أيضًا مسائل غامضة لم يتم البت فيها حتى الآن وهي هل حقيقة كما أشيع أن مسرحية السحب للكاتب أريستوفانيس قد استخدمت ضمن حيثيات الإدانة للفيلسوف سقراط ؟ أم أنها مجرد دعابة ؟ والحقيقة أن هناك أوساطًا أكاديمية كثيرة تؤكد أن مسرحية أريستوفانيس السحب كانت ضمن حيثيات الإدانة بالفعل فأريستوفانيس الكاتب الكوميدي جعل من سقراط معلمًا سوفسطائيًا يتقاضى أجرًا ليعلم الطلاب المراوغة للتنصل من من قضاياهم أمام المحاكم والمؤكد أن أريستوفانيس لم يقصد أي إساءة لسقراط لكن الذي يجعل دارسين مثل جثري ولويد يميلون إلى تصديق أن المسرحية كانت من حيثيات الإدانة ذلك بسبب أن تاريخ عرض المسرحية ثابت في سجل أعياد اللينايا التي كانت تقدم فيها الكوميديات والتاريخ قبيل محاكمة سقراط بفترة ليست بالكبيرة مما يدفعنا لتصديق ذلك.

تشكل محاكمة سقراط جزءًا كبيرًا من تراث أفلاطون وتغطي جزءًا كبيرًا من محاوراته لأن أفلاطون كان كما نعرف تلميذ سقراط وأحد أهم حوارييه ولعل محاكمة سقراط وإعدامه بإجباره على شرب سم الشيكران كان أحد أسباب رفض أفلاطون للديمقراطية في جمهوريته (محاورة عن طبيعة العدالة) ولحل مشكلة العامة رفض أفلاطون أي فرصة للترقي الطبقي فعلى ابن الفلاح أن يعمل في نفس مجال أبيه وسوف ينال كل التبجيل وعلى ابن الطبيب أن يتعلم من أبيه وهكذا كما كما أنه أضاف إنه يجب الإبقاء على طبقة العبيد لأنها لابد أن تحدث توازنًا في نسيج المجتمع.

تغطي محاكمة سقراط محاورة (الدفاع) و(كريتون) و (فيدون) وأجزاء من محاورات أخرى وهي ليست المحاكمة بالتحديد بل تغطية كاملة لحياة سقراط ومحاكمته وإعدامه

لكن قبل أن نغادر موضوع الكتاب علينا أن نعرج على قضية من أهم قضايا المشكلة السقراطية وهي التي قد تؤدي بنا للفهم الصحيح لفكر سقراط ألا وهي فكرة حرية التعبير واستخدام اللغة، فعلى الرغم من اقتناع سقراط التام أنه يعيش في مجتمع أثينا الذي يتمتع بقدر كبير من حرية التعبير إلا أنه يحاول أن يضع ضوابط لحرية التعبير فهناك فرق كبير عنده بين التحرر أي التحلل من القيود الرقابية وبين الحرية كشكل ناضج من أشكال التعبير، فالأولى ربما تسفر عما لا يحمد عقباه كما عالج ذلك أريستوفانيس في السحب أي أنها قد تصيب الدهماء بحالة من الفوضى الفكرية فيسعون لإنكار القيم اعتقادًا منهم أن ذلك مرادف للحرية وهذه الفكرة التي وضحها سقراط كانت كفيلة أن تسقط عنه تهمة التطاول على الآلهة التي تنطبق على ما كتبه السوفسطائي الشهير ومعاصر سقراط بروتاجوراس حيث هجم على الآلهة اليونانية هجومًا ضاريًا ثم استتبع ذلك بتسفيه العديد من القيم العظيمة.

من هنا نستطيع أن نقول إن تهمة عدم تبجيل الآلهة كانت مجرد فرية ألصقت بسقراط فلم يكن أكثر من 80% من الشعب الأثيني يقدس هذه الآلهة ولا يبجلها لكنها كانت مجرد رمو لهذه الحضارة وحسب.

وعلينا أن نؤكد أن مسألة الخلط بين المدرسة السوفسطائية (معلمي البلاغة) وبين سقراط لم تكن مجرد مزحة أطلقها أريستوفانيس بل إن الخلط كان قائمًا بالفعل لأن سقراط انبرى لمحاورتهم في الأسواق والساحات بنفس أسلوبهم ما أحال الجدل برمته في نظر العامة لجدل سوفسطائي.

يعتبر كتاب آي أف ستون من الأعمال الخالدة في النقد السياسي والاجتماعي بل ونقد التاريخ أيضًا ولا نستبعد أن يكون ستون قد قصد إسقاط هذا النقد على الديمقراطية الأمريكية التي تشوبها نفس عيوب الديمقراطية الأثينية بل قد تؤدي بها لنفس النهاية المحتومة التي قضت على أسطورة أثينا وجعلت الجدل الداخلي ينسيها موقعها بين الدويلات الإغريقية فها هي تسقط أخيرًا في يد الغول المقدوني فيليب الثاني والد الإسكندر الأكبر.

نعود لصاحب الكتاب آي أف ستون وهو كاتب أمريكي لأب وأم من يهود روسيا استوطنوا فيلادلفيا بالولايات المتحده الأمريكية ويعتبره الإعلام الأمريكي أيقونة التحقيق الصحفي الأمريكي عمل في ذا نيشين الأمريكية ثم نيويورك تايم ونيويورك بوست وحصل على جوائز كثيرة أهمها جائزة روزفلت للصحافة وقرر في سن الخمسين دراسة الكلاسيكيات التي نتج عنها هذا العمل الذي نحن بصدده وفي أخريات حياته أيضًا اتهم بالعمل لحساب المخابرات الروسية لكن لم تستطع الهيئات القضائية إثبات ذلك واحتفظ ستون بسمعته الجيدة في المجتمع الأمريكي.

وتوفي ستون عام 1989 إثر أزمة قلبية عن عمر يناهز الـ82 عامًا.

والمترجم نسيم مجلي هو كاتب مسرحي وناقد ينتمي لجيل الستينيات، ونشر العديد من الكتب منها: لويس عوض ومعاركه الأدبية ، وأمل دنقل .. أمير شعراء الرفض ، ومحمد كامل حسين .. ابن سينا القرن العشرين، وترجم إلى العربية سالومي لأوسكار وايلد، وفرانز كافكا لرونالد جراي ، كما كتب نسيم 3مسرحيات هي: القضية ، والمجنونة، ولقاء على القنال.

 

لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
 
* أساسي
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .