دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 2/4/2016 م , الساعة 10:12 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

شخصية معاصرة من التراث القديم (1-2)

التوحيدي .. فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة

التوحيدي .. فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة
  • محقق الكلام ومتكلم المحققين واسع الدراية والرواية
  • فطنة وفصاحة وحكمة.. كثير التحصيل للعلوم
  • الحكمة ضالته وقد وجدها موزعة بين شعوب الأرض
  • نزلت الحكمة على رؤوس الروم وألسن العرب وقلوب الفرس وأيدي الصين
  • صيغة الجمع تلح على عناوين كتب أبي حيان
  • نزعته الإنسانية عالجها أركون في دراسته للدكتوراة
  • يقف في طليعة اللغويين المحدثين الذين يعيدون النظر في الموروث من البلاغة
  • كان يشتغل ورّاقا يرتزق من نسخ الكتب وبيعها

 

بقلم - جهاد فاضل : 

هذا كتاب صادر عن دار نشر تونسية لباحث مصري مقيم في باريس يعمل أستاذاً للأدب العربي في جامعاتها، وموضوع كتابه شخصية تراثية تحظى مع الوقت باهتمام متزايد من الباحثين هو أبوحيان التوحيدي، ومعه شخصية أخرى ذات وزن في سردنا العربي القديم هي شهر زاد بطلة ألف ليلة وليلة.

الباحث هو الدكتور أنور لوقا تلميذ طه حسين في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) والسائر على نهجه في الحداثة والتحديث، والمولود بصعيد مصر في ملوي بين موطني رفاعة الطهطاوي وطه حسين قطبي عصر الحداثة، وهو موضوع أبحاث أنور لوقا منذ حصوله على دكتوراة الدولة في الأدب المقارن من "الرحالة والكتاب المصريين في فرنسا أثناء القرن التاسع عشر" مع ترجمة فرنسية لرحلة الطهطاوي.

التوحيدي يحظى كما أشرنا باهتمام كبير من الباحثين المعاصرين والسبب نرعته الإنسانية أو الإنسانوية التي عالجها بالتفصيل في أطروحته للدكتوراة بالسوربون الباحث الجزائري الدكتور محمد أركون، وكذلك طرحه لأسئلة وإشكاليات حداثية عبرت زمانها إلى زماننا الراهن وما زالت حديثة إلى اليوم.

من أسئلته الحارقة كتابه "الهوامل والشوامل" : "لم صار الرجل إذا لبس كل جديد قيل له: خذ معك بعض ما لا يشاكل ما عليك ليكون وقاية لك؟

وعلى ذكر المشاكلة، ما المشاكلة؟ والموافقة، والمضارعة، والمماثلة، والمعادلة، والمناسبة؟

وإذا وضح الكلام في هذه الألفاظ، وضح الحق أيضاً في المخالفة والمباينة والمنافرة والمنابذة؟

وأبوحيان يطرح بعد ذلك مسألة أخطر على مُناظره الفيلسوف مسكويه، فلا يجد لديه إلا الازدراء، ويبقى سؤاله التالي بلا جواب:

"ما مبدأ العادات المختلفة من هذه الأمم المتباعدة، فإن العادة من عاد يعود، واعتاد يعتاد، فكيف فزع الناس إلى أوائلها وجروا عليها؟ وما هذا الباعث الذي رتب كل قوم في الزي، وفي الحلية، وفي العبارة، والحركة، على حدود لا يتعدونها، وأقطار لا يتخطونها؟" .

يحيلنا مثل هذا التساؤل الطليق الدقيق كما يرى الباحث أنور لوقا، إلى الجو الفكري الذي استنشق هواءه أبوحيان. لقد زالت في أيامه مركزية الإمبراطورية الإسلامية، وتفككت الخلاقة إلى دويلات، ولم يبق للخليفة العباسي إلا بغداد وملحقاتها. وقد أدت الحركات الانفصالية، على عكس المفروض، إلى إخصاب حضاري نتج عن اتصال الأجناس في منطقة جغرافية شاسعة، تداخلت على رقعتها مصالح الناس وتطورت وزاد انتفاعهم المشترك بالتنقل والتبادل الاجتماعي والثقافي.

تبدأ سيرة أبي حيان التوحيدي بتجسيم تلك الظاهرة الحضارية في شخصه، إذ يرجح بعض مؤرخيه أنه ولد في نيابور، بينما يقول بعضهم الآخر إنه ولد في شيزار، ويقول غيرهم إنه ولد بواسط، فضلا عمن ينسبونه إلى بغداد.

وسوف يتجلى ذلك الشمول المكاني الرمزي في صورة ثقافية حقيقية هي تطلعه الجارف في شبابه نحو معرفة موسوعية، وانطلاق فكره إلى أقصى ما يستطيع بلوغه من مدارج العقل الإنساني، وأعانته على الإيغال في مجالات البحث، وعلى الانتهال من موارد العلم المتباينة، أدوات توافرت منذ القرن الثالث الهجري، وأشواط قطعها أساتذته من قبله، إذ كانت الأذهان قد استوعبت فلسفة اليونان وعلومها من خلال الترجمات المنهجية التي أصدرتها منظمة "بيت الحكمة" مؤسسة المأمون الشهيرة.

يمثّل أبوحيان هذا التفتح على المعرفة بجملتها وتفصيلها. فقد حصل من العلوم تحصيلاً مكنه من تصنيفها وإيضاح وظائفها، والتمييز في مشروعه الدراسي الطموح بين الكلّي والكلّ: "إن الكل متأخر عن أجزائه، والكلي متقدم على جزئياته" ، هكذا تعلم من أبي سليمان السجستاني المنطقي، أكبر علماء بغداد، وكان مربياً محنكاً يحسن تدريب مريديه على التفكير المستقل. أحبه أبوحيان فواظب على مجالسه وأماليه، وصحبه في نزهاته الخاصة، وأفاد من مناقشة يحيى بن عدي الملقب بالمنطقي أيضاً. أما النحو فقد تلقاه على السيرافي والرماني، والفقه الشافعي على أبي حميد المروروذي وأبي بكر الشاشاني. وتعج مؤلفاته بأسماء المفكرين والعلماء الذين خالطهم وحل شخصياتهم.

ويستهل ياقوت تعريف التوحيدي بأنه: "فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام ومتكلم المحققين.. فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاءً وفطنةً وفصاحةً وحكمةً، كثير التحصيل للعلوم في كل فن حفظه، واسع الدراية والرواية" .

مثل هذه الشهادة يتفرد التوحيدي إنما تقاس بقيمة عصره، وهو العصر الذهبي للثقافة العربية الإسلامية، وبقيمة معاصريه الواقعين مثله تاريخياً بين الفارابي وابن سينا، ومنهم أعلام كالخوارزمي والصولي وأبي الفرج الأصفهاني وأبي المحاسن التنوخي وأبي منصور الثعالبي وأبي زكريا الرازي.

ولما كانت الحكمة هي ضالته، فقد وجدها موزعة بين شعوب الأرض بصورة متكاملة الطرافة: "نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصين" ، كأن الأمم تؤلف جسماً واحداً.

ويفضي المنطق بأبي حيان إلى محاسبة اللغة. فلم يكن بد له، وهو يعيش في عصر اختمار فكري وإنضاج عقلي ومقارنات مذهلة بعيدة الأطراف، وتفاعل متواصل بين المعارف المتشابكة، من البحث أولاً في اللغة، مادة الكلام وأداة الإفهام.

ويقف أبوحيان في طليعة اللغويين المحدثين الذين يعيدون النظر في الموروث من البلاغة، بنزعته إلى تحليل العلاقة بين النحو والمنطق، وتجريب افتراضاتهما بغية تعرف مسار المعنى في اللفظ وفي التركيب. إنه يتعامل مع اللغة تعامل أهل اليوم، منذ يسلط أول أسئلته في "الهوامل والشوامل" على موانع الشفافية اللغوية، محاولاً إسقاط ذلك القناع الذي يصطنعه المتكلم دون أن يتعمد التقنّع. وبطرحه إشكال المصطلح، أي "وضع الأسماء الدالة بالتواطؤ، وتأليف الحروف التي تصير أسماء وأفعالاً وحروفاً بالاتفاق والاصطلاح" ، سبق أبوحيان، رغم وقوفه هذا عند ملاحظات النحويين الأوائل، مؤسس الألسنية الحديثة فردينان دو سوسير الذي نمّى تلك الملاحظات تنمية منهجية وطلع علينا في القرن العشرين بالتمييز بين الدال والمدلول في اللفظ، وبين اللغة لساناً والقول خطاباً ونصاً، ونبهنا إلى اعتباطية العلامة وتعسفها. على تلك المبادئ التي راودت وعي أبي حيان، شيد الألسنيون في المعاهد الغربية، لأبناء جيلنا، مناهج التداولية وجدلية اللغة، والسيميائية الجديدة، وعلم السرد.

مما يلاحظه أنور لوقا في كتابه هو أن صيغة الجمع تلح على عناوين كتب أبي حيان: من "البصائر والذخائر" ، ومن "الهوامل والشوامل" ، إلى "المحاضرات والمناظرات" و "الإشارات الإلهية" و "المقابسات" كأن تعددية الأمم والحضارات التي أدت إلى كثرة المعارف والعلوم، قد أصبحت الإطار الطبيعي لتحركه الفكري. هذا مهاد الحداثة كما نراه عند بزوغ عصر النهضة الأوروبية من ترحال أبنائها، في فجر القرن السادس عشر، للاطلاع على مصادر المعرفة. وقد تدارك أبوحيان مسبقاً تراجع من سيضيقون من بعده دائرة المعرفة ويقصرون مفهوم العلم على مفهوم نقل الحديث وشروط روايته، فكتب في "رسالة العلوم" إن العلم بالألف واللام لا يختص معلوما دون معلوم. وأثنى في تحصيل العلم على منهج "المشاورة والاستضاءة، والاستفهام والمناظرة، محذراً من اتباع العادة وتقليد الرؤساء والسادة!

كان أبوحيان يشتغل ورّاقا، يرتزق من نسخ الكتب وبيعها.

وتلك مهنة مضنية مرهقة غير مجزية مادياً، ولكنها ضمنت له الاستقلال إلى حدّ ما، وأشبعت قبل كل شيء نهمه إلى الاطلاع والمعرفة. فقد انكب على تقليب الكتب. قرأ بل نسخ وراجع واستوعب الكثير مما ورد في بطونها، والتهم كل ما راج في مجتمع بغداد من الرسائل والترجمات والأخبار. وامتاز بجمال الخط وبدقة النقل لدرايته بالتصحيف والتحريف. واشتهرت عنايته الخاصة بمؤلفات الجاحظ. وهو يذكر أن ابن سعدان قد استنسخه "كتاب الحيوان" .

وقد أحاط بكل مقومات الثقافة في عصره. وليس كتابه الضخم: "الذخائر والبصائر" ، وقد بلغ بخطه ألفي صفحة، لا ثمرة من ثمار تثقفه العصامي أثناء اشتغاله بالوراقة. فقد جمع فيه، بمثابة يوميات فكرية طيلة خمس عشرة سنة، مقتطفات استرعت انتباهه وهو يطالع شتى الكتب وشذرات وقعت من نفسه المحفزة للسؤال موقع الإلماع إلى جواب أو التمادي في الاستفهام، وأراد أن يستبقيها ليمعن فيها نظره ويتعمقها بالمقارنة والاستنتاج ويستشهد بها ويحتج في حلقات "شيوخ العلم وأرباب الحكمة وفرسان الأدب" ، لا سيما أن سوق الوراقين كانت المكان العام الذي اعتاد أن يلتف فيه طلاب المعرفة حول علماء العصر. وقد دأب هناك أبوحيان على الإصغاء إلى أوسع العلماء أفقاً، وتسجيل أهم أحاديثهم.

هذه الموسوعية الشاملة، وشعارها "نحو النور" ، هي ثقافة الوراق أو وراقة المثقف في عصر أبي حيان وبيئته. وقد اصطدم بهذه الموسوعية لاستكشاف عناصرها باحثون مدققون رغبوا في تمييز مذهب أبي حيان التوحيدي بين مذاهب الفلاسفة المحترفين كالكندي والفارابي وابن سينا. وقد ألف "رسالة في العلوم" بين فيها وظيفة كل علم وفائدته للإنسان، من اللغة والنحو والبلاغة، والفقه والتفسير والسنة، إلى المنطق والطب والنجوم والهندسة. ولكنه استعرض العلوم استعراض الأديب المنتفع بها، العارف بجوهر موضوعاتها وبتكاملها في الاستجابة لملكات الإنسان، وتجنب مضايق التخصص. استوعب المراجع المتخصصة ثم اكتفى بالإحالة إليها، مثل كتاب "أقسام العلوم" ، وكتاب "اقتصاص الفضائل، وكتاب "تسهيل سبل المعارف" ، ونخطئ إذا حاولنا أن نقارن رسالته في العلوم بمناهج من توفروا على تصنيفها نظرياً واستقصوا فروعها ومباحثها استقصاءً فنياً كالفارابي والخوارزمي وابن النديم. ونخطئ إذا حاولنا أن نحلل مؤلفات أبي حيان بقصد إحصاء مصادره وتحديد ما نقله منها لتقدير ما أضافه إليها إضافة شخصية. وقد توقف أخيراً الباحث العراقي عبدالأمير الأعسم عند ظاهرة تداخل كلمات التوحيدي بكلمات هؤلاء الذين نقل عنهم، فقال: "وبالضرورة تداخلت أفكاره بأفكارهم حتى صار الباحث الدقيق، مهما بلغ اقتدارا في المنهج، لا يتحكم دائما بالأفكار في انتمائها الحقيقي، أي ما كان لأبي حيان بالفعل، وما كان له بالانتحال وما كان لغيره بالنص المعهود، أو ما كان لهؤلاء بالوضع والانتساب" .

إنما الأفكار تتداخل وتتفاعل وتتواصل، ويستقيها أبوحيان من مظانها بنزعته التواقة إلى معرفة الإنسان وإنسانية المعرفة. ولا تنفصل عنده حكمة الفلسفة عن فطنة الشعر. فهو أديب لا يحصر عقله في مذهب فلسفي بل يتأثر بالبلاغة أيضاً، ويتسمع همس العاطفة ويلبيها، ولا يحرجه أن يسأل الفيلسوف مسكويه مثل هذا السؤال: ما معنى قول الشاعر:

والظلم في خلق النفوس فإن تجد

--- ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلمُ

فيحترس الفيلسوف من شطح الشعر، ويلزم صراط المنطق المستقيم ويجيبه: "الظلم انحراف عن العدل.. وأما قول الشاعر: "والظلم في خلق النفوس"، فمعنى شعري لا يحتمل من النقد إلا قدر ما يليق بصناعة الشعر، ولو حملنا معاني الشعر على تصحيح الفلسفة وتنقيح المنطق، لقل سليمهُ".. إلى آخره.

من هنا نعت ياقوت أبا حيان بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء وقد رأى الباحث المصري زكريا إبراهيم في هذا النعت أصدق تعريف به فاتخذه عنوانا لكتاب له عنه.

ويقول أنور لوقا في هذا الشأن: نستطيع أن نجمع بين هذين الجانبين: الفلسفة والأدب، ونوحد شخصية التوحيدي، إذا أطلقنا عليه كلمة "المثقف". فالقراءة والكتابة عند ذلك الوراق المرهف، من تجليات امتياز الإنسان باللغة أولاً، ومن رسالته في العلوم نقرأ:

"فكل من تكامل حظه من اللغة، كان بالكلام أمهر، وعلى تصريف المعاني أقدر، وازداد بصيرة في قيمة الإنسان المفضل على جميع الحيوان" .

الطريف أن أبا حيان يستخدم كلمة "المثاقفة" بمعنى المطارحة والمذاكرة في العلوم والأدب. ويتساءل أحد الباحثين المعاصرين إن كان اسمه "التوحيدي" لا كنية بل صفة صاغها صائغ لمّاح ليصف بها طبيعة ثقافة الرجل وعمله الذي بدا له آخذا من ثقافات متضاربة متفردة وساعياً إلى التوفيق بينها و "موحداً" لها في صيغة عربية.

ويمضي أبوحيان مستطلعاً، يطرح أسئلته بلا هوادة على كل من يتوسم لديه جواباً، وهو يطمح أن يحقق في واقع عيشه مفهوم "الإنسان الكامل" ، هذا المفهوم الذي اقتبسته الفلسفة الإسلامية من الفلسفة الإغريقية، والذي سيفعل كذلك فعل المثل الأعلى في فكر عصر النهضة الأوروبية المرادف للحداثة. لقد قرأ أبوحيان وكتب وانطلق إلى تجاربه كلها تحدوه الاستزادة من حياة النفس وحياة الحقيقة.

ونجد عند أبي حيان وظيفة الثقافة كما نعرفها في عصرنا، وهي التنوير:

"فمن نظر في هذه الكتب عرف مغازي الحكماء، ومرامي العلماء، وبان له في المشكل دليله، ووضح عند الخصام احتجاجه" .

وهذا يعني أن للمثقف دوراً يؤديه بين الناس في تعارضهم، هو دور الناقد الخبير الواعي الذي يصدر عن أولوية الفكر. فإن تفهم الرأي والرأي الآخر يقتضي إعمال العقل الذي تزود بالمعارف، وأصبح قادراً على الشرح بتحليل الظواهر وربط النتائج بالأسباب.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .