دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 18/7/2018 م , الساعة 2:15 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

محاولة احتواء!

محاولة احتواء!

بقلم : توجان فيصل (كاتبة أردنية) ..
في عهد الفضائيات لم يتبق زبائن لمحطة التلفزيون الأردني الرسمية، باعتراف الدولة.. ولكن مازال يجبى دينار ضريبة تلفزيون مع كل فاتورة كهرباء شهرية مهما صغرت. وفشل المحطة الرسمية سيق كمبرر لتأسيس محطة أخرى بكامل كلفتها وهبت مسبقاً لكاتب صحفي، بدل تبديل المداحين والمعينين في التلفزيون الرسمي بالواسطة، بإعلاميين مؤهلين. وجاءت المحطة الجديدة باسم «الملكية».. وهي تسمية تشي ليس فقط بوصولية مقترحها، بل وبفحوى ما ستقدمه المحطة ومن تخاطب وتسترضي.

مدير المحطة استبق افتتاح «محطته» في صباح ذات اليوم بمقالة يعلن فيها أنه: ينبغي أن نحتوي بسرعة النقاش حول «العقد الاجتماعي»! ومعنى «الاحتواء» معروف. أما ما يراد «احتواؤه بسرعة» فهو الوعد الإصلاحي السياسي الوحيد الذي قدمته حكومة عمر الرزاز التي جاءت نتيجة «اعتصام الدوار الرابع»،حيث موقع الحكومة التي حاصرتها أعداد ضخمة من المعتصمين السلميين بدبلوماسية أبعدت لحينه حراكات المحافظات الأكثر حدّة.

ورغم محاولة بعض من كتبوا عن العقد الاجتماعي العودة لتعريفاته في تاريخ البشرية كاتفاق جمعي للإنسان البدائي في مواجهة كل الكائنات الأخرى بما فيه من بشر آخرين، بالتوافق على العيش كمجاميع قبلية بعضها متنقل بلا وطن.. مروراً بتناول فلاسفة له في ألفيات قبل الميلاد كسقراط وأفلاطون، وصولاً للعصور الوسطى بترويج قلة ممن تناولوه «للملكية المطلقة»، كما فعل توماس هوبز، ليليهم سريعاً جيل فلاسفة (مثل جون لوك) رافضين للسلطة المطلقة كونها ستصبح «سلطة غاشمة»، ثم الفلاسفة الذين مهدوا لثورات ربيع أوروبا وأبرزهم جان جاك روسو الذي حسم كتابة «العقد الاجتماعي» تعريف هذا العقد بأنه عقد حقوق وحماية لكل الأفراد يضمن مساواتها بالفرص ويعالج أخطاء وأخطار الإقطاع (نفوذ مستمد من ملكية الأرض الجائرة) ويعرّف مشكلة مُلكية مستجدة لرأس المال في العصر الصناعي. هذا العقد الاجتماعي هو ما توافق العالم الحديث على تسميته بالدستور الذي هو مرجعية لكل القوانين التي تحفظ الحقوق وتضمن المساواة فيها.

والدستور ليس مستجداً على الأردن والأردنيين ليقال لهم أن لا شأن لكم به. فالدستور، بصيغته المنقولة عن الدستور البريطاني والمدرسة الدستورية البلجيكية، هو ما اشترطه زعماء الأردن في مؤتمر أم قيس عام 1920على بريطانيا لإقامة إمارة شرق الأردن لحمايته من المد الصهيوني. وعادوا لمطالبة بريطانيا به عبر «المؤتمر الوطني» الذي عقدوه عام 1928 دونما حاجة لاستئذان حكومة أو حاكم، مجددين مطلبهم بصورة «دستور دمشق» المأخوذ عن الدستور البريطاني والذي سبق وعرضته بريطانيا لإقامة المملكة العربية وتنصيب الملك فيصل، أي في تأكيد بأنه هو العقد الاجتماعي المقبول مع الهاشميين. ولافت أن الأمير عبد الله فقط أوصل نص مطلب الزعماء الأردنيين للمندوب السامي البريطاني. ولكن بعد الرد البريطاني المتحفظ أصبحت المراسلات تجري مباشرة وحصرياً بين ممثل بريطانيا وهؤلاء الزعماء.

وحين تقرر ضم ما تبقى من فلسطين للأردن، خضعت بريطانيا لطلب الأردنيين والفلسطينيين بتقديمها لدستور عام 1946، والذي قصر في بعض بنوده عن المطلب الشعبي. ولكن الأسوأ أنه جرى بعد توحيد الضفتين تجميد لبعض أحكام الدستور المتعلقة بصلاحيات مجلس النواب، بل وحل المجلس الذي أصر على ممارستها بتاريخ الخامس من آيار/ مايو عام 1951.

ويعزو روبرت ساتلوف في كتابه»من عبدالله إلى حسين»(المنحاز للهاشميين بشكل صريح والمرحب به رسمياً وتفتح له كافة الوثائق الأردنية وكتابه هذا صدر في عهد الملك حسين) لهذا الصراع الدستوري، بمثل وبأكثر من قضية القدس وفلسطين، الحدث المأساوي الذي تلا الحل واستبق الانتخابات النيابية المجدولة بخمسة أسابيع. وهو صحيح بدلالة تحتم صدور دستور عام 1952، والمسمى شعبياً بدستور طلال حباً في الملك الشاب الوطني.

هذا الدستور جسد العقد الاجتماعي المقبول شعبياً. ولكن بدل تطويره ليواكب التقدم التاريخي، جرى تجميد العمل به فيما يسميه المؤرخون الغربيون «الانقلاب الملكي» عام 1957على الحكومة والبرلمان المنتخب بنزاهة، وإعلان الأحكام العرفية التي امتدت لخمسة وثلاثين عاماً فرضت خلالها تعديلات على الدستور، غير دستورية لانتفاء صلاحية مجلس النواب الذي كان يستعاد ليوم أو يومين ليبصم عليها، وأيضاً لكونها تتعارض مع فقه الدستور ذاته.

لهذا أصبحت العودة لدستور52 مطلباً رئيساً لحراك الربيع الأردني عام 1911، ما أوجب إعادة تعديل بعض مواده. ولكن بعد الاطمئنان الزائف لوأد الحراك الشعبي، جرت تعديلات بالجملة مدمرة لهذا العقد التاريخي، مرّرت ببصمة مجلس نواب هزيل. ووصل الأمر حينها أن تتحول الحكومة لمراسل يحوّل التعديل المار بها «ترانزيت» لمجلس النواب.. بل ووصل لإرسال تعديل مسائي لتعديل مرسل في صباح ذات اليوم لذات مجلس النواب، ما يؤشر على درجة الارتجال والاستخفاف بهذا العقد الذي سبق وكلف التوصل له غالياً بما يوجب حكمة أكبر.. والملك عبد الله الثاني أدرى بمن وقفوا وراء هكذا مجازفة كارثية في فترة تجدد فيها ذات الخطر التاريخي المتمثل بمصير القدس وفلسطين بعامة، متزامناً مع الربيع العربي الذي جاءت تسميته من ربيع الشعوب الأوروبية الذي أدى للعقود الاجتماعية المؤسسة لأوروبا الحديثة، والتي امتدت حتميتها لأمريكا.

ما يطالب به الشعب الأردني ليس عقداً جديداً أو لقيطاً، بل هو عقد مؤسس قامت عليه المملكة، وتعرض لتشويهات دمّرته. وحتماً لا يمكن لحفنة وصوليين متملقين احتواء شعب واع، ولا محو تاريخ الأردن من ذاكرة الأردنيين.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .