دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 27/9/2010 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

قلعة شيزر نموذج يعكس روعة فن العمارة العسكرية في بلاد الشام

المصدر : وكالات خارجية
  • أقدم نص تاريخي يشير إليها يعود إلى عام 1447 ق. م


دمشق ـ  خالد عواد الأحمد:فوق أكمة صخرية منتصبة على الضفة الغربية من نهر العاصي في منتصف الطريق بين مدينة حماة وأطلال أفاميا التاريخية توضع قلعة شيزر كجزيرة يحاوطها نهر العاصي من جهات ثلاث، غير أن الإنسان العربي القديم أكمل عمل الطبيعة، عندما قام بحفر الصخر الواصل بين شبه الجزيرة والبر من جنوبها، ما زاد في منعة حصنها وفي تعذر الوصول إليها.

ويعود أقدم نص تاريخي يشير إليها إلى عام 1447 ق. م، فقد ذكرت في المنحوتات المصرية والرقم الآشورية والكتابات البيزنطية بأسماء قريبة من لفظ شيزر، إذ ذكرها للمرة الأولى (امنحوتب الثاني) أحد فراعنة السلالة الثانية عشر المصرية، وذكرها من بعده بالهيروغليفية (تُحتمس ) أحد فراعنة السلالة الثامنة عشر المصرية نحو سنة (1500 ق.م ) " في وصف إحدى حملاته على سوريا باسم (شنزار) أو (سيزر) ووردت في أحد رُقم (تل العمارنة) المسمارية باسم (زنزار) وسماها اليونانيون الأقدمون (سدزارا).

وفي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد أطلق عليها (سلوقس نيكاتور) - القائد السلوقي- اسم (لاريسا)، أما البيزنطيون فقد ذكروها باسم (سيزر).

على أن الاسم العربي الأصيل ما لبث أن عاد فتغلب وظهر في صيغة (شيزر) المشتق من الشزر: نظرٌ فيه إعراض، أو نظر الغضبان بمؤخر العين، أو النظر عن يمين وشمال، والشزر: الشدة والصعوبة، وتشزَّر: غضب، وتهيأ للقتال.

ذكر امرؤ القيس شيزر في عِدَاد ما شاهد أثناء رحلته نحو قيصر الروم فوصفها قائلاً:

تقطَّع أسباب اللبَّانة والهوى
عشية جاوزنا حماة وشيزرا
بسيرٍ يضجُّ العودُ منه يُمْنُه
أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا

زلزال شيزر
لما كانت قلعة شيزر تقع على الطريق التاريخي إلى دولة بيزنطة فضلاً عن سيطرتها على الطريق الداخلية في سوريا، فقد جعلتها هذه المكانة المرموقة عرضة للغزوات الأجنبية من روم وصليبيين وغيرهم من الطامعين فيها خلال مختلف العصور، وكثرت أحداثها أيام كانت مركزاً لإمارة بني المنقذ الذين حكموا المنطقة ما بين (433 هـ - 522 هـ)، وكان من أشد هذه الأحداث المأساة الكبرى والفاجعة التي قضت على بني المنقذ عن بكرة أبيهم، ولم ينج منهم سوى (خاتون بنت شمس الملوك) زوجة تاج الدولة التي انتُشلت من تحت الدمار وأسامة بن المنقذ الذي كان متغيباً في مصر، وعندما عاد رثاها ببكائية تعتبر من عيون الشعر العربي يقول فيها:

لم يترك الدهرُ لي من بعد فقدهم
قلباً أجشَّمه صبراً وسلوانا
فلو رأوني لقالوا مات أسعدنا
وعاش للهَّم والأحزان أشقانا
بادوا جميعاً وما شادوا فوا عجباً
للخطب أهلك عماراً وعمرانا
هذه قصورهم أمست قبورهم
كذلك كانوا بها من قبلُ سكانا

وصف القلعة
تُعد قلعة شيزر نموذجاً رائعاً لفن العمارة العسكرية في العهد الأيوبي، ومصداقاً جلياً لطرازها العربي الأصيل، وإن فقدت الآن بعضاً من سورها وأبراجها التي تبلغ أربعة عشر برجاً توزعت في كل من جانبيها الشرقي والغربي سبعة أبراج ولا يزال بعضها قائماً. والقلعة ذات مدخل حجري من جهة الشمال ينتصب على جسر حجري طويل، تكونت قناطره من طابقين، ويلاحظ الزائر لأول وهلة عظمة المدخل، وهو ذا قنطرة كبيرة من فوقها، هيكل عُلوي لهذا المدخل، يتألف من ثلاثة طوابق أيضاً، تشكَّل بمجموعها برجاً شامخاً مشيِّداً بحجارة كلسية كبيرة الحجم، ومدعمة بأعمدة أسطوانية كروابط تشُّد البناء، وأحجار البناء ذات سطوح بارزة توحي بالقوة والصلابة، ويتم الصعود لأعلى البرج من المدخل، وقد رصفت الأكمة التي تقوم عليها القلعة بحجارة كبيرة تماثل الحجارة التي قامت عليها قلعة حلب، وتبدو في واجهة المدخل الذي يشبه كثيراً مدخل قلعة حلب أيضاً شرفات دفاعية لرمي السهام وأخرى كانت تُستعمل لصب الزيت على مهاجمي القلعة أثناء الحروب، كما تتصدر الواجهة كتابة عربية نافرة من سطرين بالخط النسخي تذكر اسم بأني القلعة (قلاوون الصالحي) وتاريخ بناء المدخل 689 هـ 1290 م ونصها: «مما عُمِّر في أيام مولانا السلطان الأعظم ملك رقاب الأمم، سيد ملوك العرب والعجم، سلطان الإسلام والمسلمين، قاتل الخوارج والمتمردين، فاتح القلاع والأمصار، الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الصالحي – أعز الله أنصاره». وفي مكان آخر لوحة نقش فيها «عمل الأستاذ المولى العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى إيبك الجندار المنصوري في مستهل رجب سنة تسع وثمانين وستمائة».

حلاقيم فخارية
إذا ما اجتاز الزائر مدخل القلعة يرى على يمينه سيباطاً معقوداً يمتد للداخل بنحو سبعين متراً، وهو ما يُسمى (الباشورة) التي تؤدي إلى داخل القلعة، ويُلاحَظ في جانب منها حلاقيم الماء الفخارية المتصلة بصهاريج الماء في القلعة، وبحجرات حمام داخلية، وفي داخل القلعة تواجه الزائر بيوت سكنيةَ خرِبة هجرها السكان إلى بيوت جديدة أقاموها في بلدة شيزر أسفل القلعة، وتنتهي الطريق من الجنوب أمام البرج الكبير الذي يُعد من أشهر آثار شيزر ومن أفضلها من حيث الحفاظ على البنية المعمارية الأصلية، وهو بمثابة البرج المتقدم للدفاع عن القلعة من فوق الخندق الذي يكفل مع الجسر الخشبي المتحرك والخندق فوق الوادي الضيق العميق دفاعاً آمناً من الجنوب، ولهذا البرج قسمان متميزان ينخفض الأول من الغرب حوالي مترين عن سوية أرض القسم الثاني، وقد كان من طابقين، تهدم منهما الطابق العُلوي، والمدخل باتجاه الشمال تعلوه كتابتان نسخيتان بالعربية تذكران أن بأني البرج هو "نور الدين محمود الزنكي"، وهما تؤرخان للبناء بعد حادث الزلزال الكبير سنة (552 هـ - 1157 م).

 أما القسم الثاني فيمثل الركن الشرقي من البرج، ويمتاز بارتفاعه الشاهق وبنيانه الجميل، وينتصب فوق نهر العاصي من الطرف الشرقي أيضاً مهيمناً على الخندق المقتطع من الصخر، ويُعد هذا البرج من أمتن الأبراج الدفاعية ومن أكمل أنماط الهندسة العربية في المباني العسكرية، فقد انتظم الحجر الكلسي المدبب في رضمه، وارتبطت تلك (الرُضم) بمزيد من أعمدة الروابط، وبرزت رؤوسها للأمام وفق الطراز العربي المألوف في بناء الحصون والقلاع في العهد الأيوبي.