دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 21/11/2017 م , الساعة 12:08 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الصحافة السودانية تتمسك بحقوقها الدستورية

الصحافة السودانية تتمسك بحقوقها الدستورية

بقلم - د. خالد التيجاني النور:

فوجئ الوسط الصحافي السوداني، أو بالأحرى، فُجع عندما تناهى إلى الأسماع أن مشروع تعديلات على قانون المجلس القومي للصحافة للعام 2009، عُرض على مجلس الوزراء لإجازته على عجل، بيد أن تصدي رئيس اتحاد الصحافيين وبعض الوزراء، وتفهم السيد رئيس الوزراء لموضوعية اعتراضهم ووجاهتها حدت به لتأجيل النظر في مشروع تعديلات لشهر ريثما يتم عرضها وإدارة حوار حوله باستفاضة في الوسط الصحافي وفي أوساط الرأي العام صاحب المصلحة الحقيقية في وجود صحافة حرة وقوية.

لم تكن المشكلة هي إدخال تعديلات على القانون في حد ذاتها، فذلك أمر يمكن النقاش حوله وفق فلسفة ورؤية شاملة لمقتضياته، بيد أن ما أثار الجدل والرفض العارم في الوسط الصحافي حول مشروع التعديلات يعود إلى جملة تجاوزات رافقت ملابسات عرضها على مجلس الوزراء لإجازتها على عجل قبيل الدفع بها إلى المجلس الوطني.

ولنبدأ بأكثر الأمور إثارة حول الموضوع هو الاكتشاف أن مشروع التعديلات المقدّمة على قانون الصحافة لم يُعرف على وجه التحديد من يتبناه بعد نفي الحزب الحاكم ووزارة الإعلام صلتها به، أما المسألة الأخرى فهي أن عدداً من الأعضاء البارزين في المجلس القومي للصحافة أعلنوا عدم علمهم بأن هناك مشروع تعديلات على قانون المجلس، وأنهم فوجئوا بها مثل غيرهم بعد أن ثارت الضجة حولها بعد موقف السيد رئيس الوزراء.

ما كانت ستكون هناك مشكلة لو أن مشروع التعديلات هدف إلى البحث في جذور أزمة الصحافة السودانية الراهنة وسبل إصلاحها، وإدارة حوار شفاف وصريح حولها يشارك فيه كل أصحاب المصلحة في الصحافة والمجتمع والحكومة بغرض توفير أفضل الشروط لممارسة صحافية نظيفة، تقوم بواجبها في خدمة المجتمع وحمايته، وتنهض بدورها في الإصلاح والتنبيه على الأخطاء وسبل علاجها، ولكنه للأسف الشديد جاء حافلاً بألوان شتى من تشديد العقوبات الإدارية التي تمنح المجلس سلطات واسعة في فرض الجزاءات المكبّلة، وإطلاق يده في إيقاف الصحف، ومنع الصحافيين من الكتابة وحظرهم من ممارسة المهنة، ومعلوم أن كل هذه الأنواع من العقوبات الإدارية لا تعدو أن تكون وليدة تقديريات شخصية لا تخضع لوزن بيّنات تحقق العدالة، فضلاً عن أن من يُمارسها لا يملك التأهيل القانوني اللازم، في وقت يتحوّل فيه مجلس الصحافة إلى لعب دور الخصم، والاتهام، والحكم في آن واحد.

لا أحد يدعو لأن تكون ممارسة الصحافة فوق القانون، أو أن تتمتع بأية امتيازات أو حصانات خاصة، فالصحافة مثل غيرها من المهن ترتكب فيها الأخطاء وتحدث فيها التجاوزات، وكل ما يُطالب به الصحافيون هو أن يُحاكموا أمام قاضيهم الطبيعي، فلا شك أن القضاء مؤهل للقيام بدور أقرب إلى تحقيق العدالة، وإعطاء كل ذي حق حقه وفق بيّنات قانونية، وليست تصورات ذاتية، وجوهر المشكلة أن الجهاز التنفيذي يستبطئ عمل القضاء، فهو يريد محاكمات إيجازية أو استثنائية للصحافيين، لينظف يده من تهمة البطش بالصحافة بالتدخلات الحكومية المباشرة التي تكلّف الحكومة شططاً وهي تجد نفسها مضطرة كل عام للدفاع عن سجلها في حقوق الإنسان، ومن الضغوط الغربية، ولذلك حاول البعض أن يحشر في هذه التعديلات حشراً أقسى أنواع العقوبات بسلطات إدارية تقديرية ليكفي السلطة الحكومة مؤونة اللجوء إلى القضاء الذي لا يُلبي غرضها في اللجم الفوري للصحافة.

ومما يؤسف له أن هذا الحدث كشف مدى فقر الثقافة الدستورية، وضعف الالتزام بالدستور، صحيح ندرك أننا لسنا في ديمقراطية عريقة رسّخت فيها المبادئ الدستورية، ولكن الطريق إلى ذلك يمر عبر التنبيه والتمسّك والتذكير بأن هذا البلد مهما كان الموقف السياسي من النظام يؤسّس وجوده حالياً على هذا الدستور الساري، ولا تترسّخ الديمقراطية ولا القيم الدستورية إلا عبر الممارسة والتطور، والتمسك بالحقوق الدستورية.

لقد نسي الذين حاولوا تمرير مشروع التعديلات المعيبة هذه على قانون الصحافة أنها ليست مفارقة لروح الدستور فحسب، بل تتناقض كلية مع تعهّداته والتزاماته، ومن حسنات الدستور الحالي أنه لا يزال يتضمّن وثيقة الحقوق الدستورية التي تفصّل بوضوح لا لبس فيه الحريات المكفولة للمواطن، بغض النظر عن الممارسة الواقعية التي يجب أن تتحقق فعلاً بالوعي بها والدفاع عنها، فهذه الوثيقة التي تكفل حريّة الصحافة أيضاً وفق القانون، تحسم بوضوح أية محاولة لاستخدام القانون للأخذ باليسار ما منحه الدستور باليمين من حقوق.

ويحدّد الدستور بنص واضح أن أي تشريعات محكومة بثلاثة شروط أولاها أن يكون الغرض منها تنظيم ممارسة الحقوق التي كفلها الدستور، ثانياً ألا يكون القانون مطية لمصادرتها، وثالثاً ألا يستخدم للانتقاص منها، وبالتالي فأي قانون يحاول سلب هذه الحقوق تحت أية دعاوي هو غير دستوري بالضرورة. وفضلاً عن ذلك فإن الدستور يُلزم الحكومة بحماية وضمان تنفيذ هذه الحقوق.

 

كاتب وصحفي سوداني

khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .