دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 30/7/2018 م , الساعة 2:38 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

مساحة تأمّل في خسوف القمر

مساحة تأمّل في خسوف القمر

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..
بعد أن اقترب وجه القمر من أديم الأرض لتكتمل الصورة وهو في أتمّ بهائه، حدث ما توقّعه الفلكيون وهو الخسوف الظلّي الذي اتفق توقيته مع توقيت بدر شهر ذي القعدة الحالي. وهذه حالة فريدة، تثير هواة الطبيعة كما العلماء كما المتأملين في جمال الكون وجلال خالقه. فعندما اكتمل بدراً، دخل القمر في أطول خسوف كليّ خلال القرن الحالي على الإطلاق.

هذه الظاهرة التي حجبت الأرض كل قرص القمر عن الشمس بحيث أصبح ظلّ الأرض يغطي 161 في المائة تقريباً من سطح القمر ستؤرّخ لمنتصف شهر ذى القعدة 1439هـ، الموافق 27 يوليو/ تموز الحالي من بين أكثر الأحداث المثيرة فلكياً.

هذا المشهد الكوني البديع المقسّم على مراحل زمنية كأنّي به يعيد الإنسان إلى رشده وضرورة تأمله في روعة الخلق وحكمته. بدأ الخسوف بدخول القمر منطقة شبه ظل الأرض وهي المرحلة التي لا يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، ثم بدأ الخسوف الجزئي بدخول الحافة الشرقية لقرص القمر منطقة ظلّ الأرض بحيث يُلاحظ ظهور سواد ظل الأرض على قرص القمر، ثم وصل إلى مرحلة الخسوف الكلي، وفي هذه اللوحة البديعة كان القمر واقعاً بكامله في ظل الأرض ويكتسي باللون الأحمر النحاسي وهي المرحلة التي يصل فيها إلى ذروته وسميّ بالقمر الدموي.

بقدر ما هي بسيطة مسألة الارتباط الموسمي بجرم سماوي قد يتساوى فيها كافة البشر، بقدر ما هي معقّدة بشكل لا تخرج المتأمل من حالة التفكّر فقط قد يكون لها ما بعدها من فتوحات على مستوى النظم والخيال والتأليف.

ولكن الأغرب أنّه في بقاع أخرى من الأرض لا ينقطع وقار حياة انتظمت دقات ساعتها على اليومي والروتيني لمجرد النظر إلى أعلى، فهناك الناس منغمسون في كيفية جني الفائدة بشكل أكبر كالمشاريع الاستثمارية التي تخطط للسياحة على سطح القمر.

قد تكون مرت عهود تأمل وجه القمر الهادئ بمسحة ضوء على ظهره، ثم فجأة ظهر وجهه الدموي الغاضب في هدوء بعد عزم التدخل البشري وترقب البشر الشره المتصاعد إلى الاستثمار في الحواف الأخرى من العالم. أعرف معرفة تسري في دمي لماذا يرتبط القمر بليالي المحبين وليالي الأنس الجميلة ومن دون تفسير علمي يفسد هذا التعلق، فالطبيعة تؤانس وتفعل فعلها، تشرع الأبواب ولا تترك مجالاً لظل.

يتدانى وجه القمر، يقترب لنتفكر ونطيل النظر في توازن السماء، نجوم تذوي، ينطفئ بريقها، ونجوم لا تتلاشى، وأخرى ضوؤها يخفت مثل أرواح تتردد في النكوص لحظات الهزيمة، فضوء القمر يقلق من يتحسسون جراحهم في الظلام. كما يرتبط بمشاعر أشخاص ذوت عندهم الابتسامة وبانفجارات لمشاعر متراكمة ودموع مالحة وفرحة قلب وغصات حلق.

كل ذلك حدث ويحدث تحت ضوء القمر ولا أحد يريد الاعتراف بحقيقة هذا الضوء المنعكس من أشعة الشمس، في حدة التفكر الإنساني المنقسم، بولادة النهار من الليل وخروج الحي من الميت.

من هذا المتدفق من اللا مكان ضوءاً ثم دماً، أخذت أحداث هائمة من ضوئه شكلاً طيفياً، كل ما ضاع في ذلك الامتداد حضر لوهلة واستحضر معه كل ما حدث في كل الأمكنة في اللحظة ذاتها. ماذا لو أمطر ضوءاً لعهودٍ أخرى وتراكبت ذكرى فوق ذكرى وظهر أول الحلم ونهايته أزهاراً يانعة.

قد نحتاج إلى ثورة أخرى لمواجهة تدخّل البشر السافر في شؤون الطبيعة، فقانون الطبيعة وضديته للسكون تعكس تناغم الكون المنفلت من الجمود إلى الحياة، ومن الديكتاتورية إلى الحرية. ستكون ثورة قمرية ظافرة، فأصحاب الحقّ ودعاة الفضيلة والحريات لا يزالون بانتظار النصر المؤزّر من الطبيعة بعدما ضاقوا بظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

وقبل أن نفقد مجال التأمل، علينا أن نستعيد لحظاتنا من خضم الأيام المكرورة، وما أكثر حاوياتها فبعضها مصبوب في كأس النار. نكون أحياناً مرغمين أن نرشف منه رشفة شافية، وبعضه يتأرجح مع قوارب الريح لا نستطيع الإمساك به فقدرنا أن نفلت منه. وبعضٌ نمسّه فيشتعل كما اشتعل وجه القمر فنرقبه من بعد لينير لنا الطريق ونجد خلاصاً كي لا نظلّ حبيسي الآلام.

وقبل أن نفقد تجلّي القمر معبّراً بليغاً في هذه اللحظات القليلة يجب أن نتحسّس انحداره بعد انتصافه في السماء لنتبيّن أنّ الزمن يمضي وهو يتقدم بخطواته الباردة، بإيماننا بأنّ ما يظهر لنا هو الجزء المنعكس عليه ضوء القمر فقط، أما الباقي فيهوى في الفراغ العريض. فراغٌ معتم وحارق كعتمة الرؤية لبعض ما يحدث في حياتنا، فلا تنتهي ولا تغرق في بحر التأملات كما أنّها لا تتخير مجالاً آخر غير هذا المرئي. ويجيء خسوف القمر كفرصة لنستعيد رؤيتنا في لا حدود المكان والزمان، عسى هذا التناجي أن يعيد بعض الصفاء المفقود.
  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .