دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 23/8/2018 م , الساعة 12:45 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الخِطابُ الأبويّ للحكومات المستبدة

الخِطابُ الأبويّ للحكومات المستبدة

بقلم - فهد فرج مبارك الهلابي :

من اليسير التعرف على النظم الديكتاتورية فجميعها لديها نبرة فارقة تميّز خطاباتها ألا وهي لغة الأبوة، حيث يكون الشعب كله في نظر النُخبة الحاكمة مجرد أطفال لا يعلمون مصلحتهم، و يكون الحاكم هو القائد المُلهم الذي يعرف ما يصلح لأبنائه، ولذلك لا يقبل في قراراته نقاشاً، وأي نقاش في قراراته هو من باب سوء الأدب مع الوالدين، وسوء الأدب يجعل المواطن عاق الوالدين مستحقاً للعذاب من الله وللعقاب من الأب.

في دول الديموقراطيات الحقيقية يُسمّى الرئيس بخادم المصلحة العامة، فهو مُحاسب على أفعاله كأي موظف، ومُطالب بالشفافية قدر الإمكان في خطواته، غير في دول التخلف يكون الرئيس «فيلسوفاً حكيماً» و«طبيباً» يُشخّص العلل التي تصيب أبناءه، ليداويهم بما تراه حكمته حتى لو أدت حكمته إلى هلاكهم، ولو تجرأ جارٌ أو صديقٌ بالنُصح بأن طريقته مُهلكة لأبنائه فإن الأب يستشيطُ غضباً من وقاحة الغريب في التدخل في طريقة تربيته لأطفاله، فيُصدر تصريحاً مثل: «المملكة أحرص على أبنائها من غيرها»، وكأن الحكومة تحولت من كيان اعتباري إلى شخص واعٍ يملك القدرة على التفكير واتخاذ القرارات، وكأنه يجب على «الأبناء» أن يثقوا في القرارات التي يتخذها هذا الأب الغامض، تلك القرارات التي يتحكم عن طريقها هذا الأب المبهم في حياتهم ومصيرهم من غير شفافية أو حتى محاسبة قانونية، وكيف تكون هناك محاسبة، فهل يُعقل أن يُحاسب ابنٌ أباه إلا إن كان عاقاً ومستحقاً اللعنة ولعنة اللاعنين.

كاتب هذه المقالة يمقُت تمجيد الأشخاص الذين مازالوا على قيد الحياة وبالذات الحُكّام لأن في الأمر شبهة نفاق، ولكن من الظلم أن لا نذكر في المُستحق كلمة إنصاف، والإنصاف أن أي قارئ لخطابات سيدي حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى وسيدي صاحب السمو الأمير الوالد حفظهما الله لا يكاد يجد فيها كلمة «أبنائي» بالطريقة التي نجدها في خطابات حكّام من حولنا، وليس ذلك مصادفةً بل من المعروف في علم النفس أن اختيار الألفاظ تكشف عما في قلب القائل.

في الخطاب الشهير لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يوم تسليمه المسؤوليّة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قال: «أيّها المُواطنون والمُواطنات أبناء الوطن، قد أردت أن أخاطبكم أولاً إذ أنتم أصحاب هذه الأرض الطاهرة»، هكذا بعبارات بسيطة أكّد سيدي على أن الشعب أبناء الوطن لا أبنائه مساوياً بذلك نفسه بهم، بل أضاف إنهم أصحاب الأرض الحقيقيون وكأني به يقول إنه فقط قائم بمسؤولية الوطن لخدمة الشعب وفي ذلك تواضعٌ شديدٌ، وأكّد على ذلك المعنى حين قال «أبناء قطر إني لأرجو أن أكون قد وفّقت في القيام بالمسؤولية وحملها بما يرضي الله أولاً وبما يوازي الأمانة «، وذلك تعبير من حاكم أدرك أن الحكم مسؤولية لا شرف، وعَلِم أن غاية حكمه هي كسب رضا الشعب وليست وضعهم في المهد ليناموا.

أعلم أني سأتعرض للانتقاد وسيقول القائل إن الكلام سهل، وهو فعلاً سهل إن لم يُصاحبه عمل، ولكننا كأبناء هذه الأرض نعلم أن عمل صاحب السمو الأمير الوالد كان مصدّقاً للقول، وهي شهادة سُأحاسب عليها يوم الدين، ولكن بما أن القول سهل، فما بال الكثيرين يفشلون فيه، فتجد في خطاب رئيسٍ عربي آخر مقولة: «عمري ما بزعل من الشباب اللي بيختلفوا معايا، دول ولادي، حد يزعل من ولاده»، فها هو ذا رئيسٌ منتخب يمُّن على الشعب بأنه لا يزعل منه (أي يسجنه ويعاقبه) لأبداء رأي يخالف حكمته، فكم هو حنونٌ هذا الأب على «ولاده» الجهلة الذين لا يفقهون مدى بُعد بصيرته، وكم هو مشاغبٌ هذا الشعب العربي الذي يرفض الانصياع لأوامر بابا، وكم سنحتاج من الزمن لينضج هذا الشعب ويخرج من عباءة أبيه ليُصبح مواطناً كامل المواطنة في بيته لا طفلاً يلعب في فناء أبيه.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .