دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
صاحب السمو يستقبل رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي | صاحب السمو والرئيس الرواندي يبحثان تعزيز التعاون | صاحب السمو يعزي الرئيس التونسي بضحايا الفيضانات | نائب الأمير يعزي الرئيس التونسي | رئيس الوزراء يعزي نظيره التونسي | أسبوع قطر للاستدامة 27 أكتوبر | قطر تشارك في اجتماع رؤساء أجهزة التقاعد الخليجية | فتح باب التقديم للملخصات البحثية لمؤتمر الترجمة | مطلوب تحويل المراكز الصحية إلى مستشفيات صغيرة | رئيس بنما يتسلم أوراق اعتماد سفيرنا | عشائر البصرة تمهل الحكومة 10 أيام لتنفيذ مطالبها | روسيا تسلم النظام السوري صواريخ «أس 300» | زوجة مرشح البارزاني لرئاسة الجمهورية يهودية | الوجود العسكري الإماراتي في جنوب اليمن يمهِّد لتفكيكه | السعودية والإمارات ترتكبان جرائم مروّعة في اليمن | الإمارات لم تطرد السفير الإيراني عام 2016 | انتهاكات حقوقية للمعتقلين والسجناء بالإمارات | أبوظبي تستخدم التحالف غطاء لتحقيق أهدافها التوسعية
آخر تحديث: السبت 8/9/2018 م , الساعة 12:43 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

كان شديد النقد لشعره كثير التعديل فيه

إسماعيل صبري.. شيخ الشعراء

شعره يفيض بالعاطفة والفكر والتأمل والشجن
المرأة شغلت فؤاده.. والأديبة ميّ زيادة فتنته
كان يطالع دواوين شعراء الإفرنج ويفضل البحتري على غيره
شعره الغنائي ينشد الحب والموت والجمال والصداقة
يكره القصائد الطويلة وينظم المقطوعات والبيت والبيتين
إسماعيل صبري.. شيخ الشعراء
  • حافظ إبراهيم: روح أبي العلاء تطل من أشعاره
  • الرافعي يضعه بين كوكبة الأدباء والشعراء المتميزين في عصره
  • منزله كان داراً للأدب تذكّر بالأندية الأدبية في فرنسا قديماً
  • خليل مطران: صبري لم يكن ينظم الشعر للشهرة

بقلم - جهاد فاضل:

مؤلف هذا الكتاب "أدب وتاريخ واجتماع" الذي نعرض له هو الدكتور محمد صبري بك أستاذ التاريخ الحديث بجامعة فؤاد الأول كما ورد على غلافه الثاني الداخلي وهو كتاب جليل القيمة نظراً لاحتوائه على مقالات هي أقرب إلى الوثائق عن عصر أدبي عظيم باد وامّحى كان من رموزه أحمد شوقي وعباس العقاد وطه حسين ومحمد عبدالقادر المازني والدكتور محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم وبقية هذه الرموز. محمد صبري الذي عاش قسماً كبيراً من عمره في مصر الملكيّة، كما عاش قسماً آخر في مصر عبدالناصر وصحبه، ترك فصولاً ضافيات عن الأدب في مصر الأولى بعضها يختصّ بشاعر مصري كبير كان ملء السمع والبصر في الربع الأول من القرن الماضي هو إسماعيل صبري باشا الذي افتتن أيما افتتان بالأديبة اللبنانيّة المتمصّرة ميّ زيادة وبصالونها الأدبي الذي كان يُعقد في منزلها في مساء كل يوم ثلاثاء، وفي ميّ وصالونها الأدبي يقول إسماعيل صبري:

روحي على بعض دور الحيّ حائمة

كظامئ الطير حوّاما على الماءِ

إن لم أمتِّع بميٍّ ناظريَّ غداً

أنكرتُ صبحّك يا يومَ الثلاثاء

والواقع أن الحديث عن إسماعيل صبري هو حديث عن الشعر وفي الشعر وقد لُقب بشيخ الشعراء لأنه جمع بين مزايا ثلاث: فضل السبق في السنّ، وفضل السبق في قول الشعر والتبريز فيه، وسلامة الذوق.

ويبدو أن منزله في القاهرة كانت داراً للأدب والشعر تذكّر بالأندية الأدبية في القرن السابع عشر في فرنسا، وفيه يقول أمير الشعراء:

أيام أمرحُ في غبارك ناشئاً

نهج المحار على غبارِ خصافِ

أتعلَم الغاياتِ كيف ترام في

مضمارِ فضلٍ أو مجالٍ قوافِ

كما يقول شاعر القطرين خليل مطران فيه:

أي صاحبي لقد قضى

أستاذُنا البُّر الحبيبْ

فعرا قلادتنا - وكانت

زينة الدنيا- شحوبْ

وهذان بيتان عنه لحافظ إبراهيم:

لقد كنتُ أغشاه في داره

وناديه فيها زها وازدهرْ

وأعرض شعري على مسمعِ

لطيفٍ يحسّ نبوّ الوترْ

وقد ذكر مصطفى صادق الرافعي في بعض ما كتب: "ولم يكن في مصر ممن يحسن ذوق البيان ويميز أقدار الألفاظ بعضها من بعض وألوان دلالتها مثل محمود سامي البارودي و إسماعيل صبري وإبراهيم المويلحي والشيخ محمد عبده رحمهم الله جميعاً. والبارودي يذوق بالسليقة وصبري بالعاطفة والمويلحي بالظرف والشيخ بالبصيرة النفاذة. ذلك شيء ركبه الله في طبيعة صبري ولم يحصله بالدرس أكثر مما حصله بالحس ومن أجلها كان يفضل البحتري على غيره".

وكان صبري يطالع كل مساء في دواوين شعراء الإفرنج وكان كلما طالع قصيدة عربية أو إفرنجية استكرم ثم قطف. قرأ ذات يوم قصيدة عينية للبحتري فأُعجب أيما إعجاب بقوله:

لو أن أنواء السحاب تطيعني

لشفى الربيع غليل تلك الأربع

ما أحسنَ الأيام لولا أنها

يا صاحبّي إذا مضت لم ترجعِ

وما كان يطرب له من شعر البحتري قوله:

وقفة بالعقيق أطرح ثقلاً

من دموعي بوقفة في العقيق

وقوله في الفراق:

ولقد تأملتُ الفراقَ فلم أجد

يومَ الفراقِ على امرئ بطويلِ

قصرتْ مسافتُه على متزوّدٍ

منه لدهر صبابةٍ وعويلِ

ويقول خليل مطران إن صبري لم يكن ينظم الشعر للشهرة بل لمجاراة نفسه على ما تدعوه إليه، فالغالب في أمره أنه يقول الشعر متمشياً وربما قاله بحضرة صديق وهو مائل عنه بعنقه وله بين حين وحين أنّه بمثل ما تنطق لفظة "إيه" مستطيلة.

ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة وهو نادر. وكان شديد النقد لشعره كثير التعديل والتحويل فيه حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه. وهكذا يمرّ به الآن بعد الآن فيجيش في صدره الشعر فيرسل بيتيه إطلاق زوجي الطائر فيذهبان في الفضاء ضاربين من أشطرهما بأجنحة ملتمعة شاديين على توقيع العروض إلى أن يتواريا وينقطع نغمهما من عالم النسيان، ذلك هو الشعر للشعر..

ولصبري هذا البيت وهو من السهل الممتنع النادر:

عبرٌ كلها الليالي ولكن

أين من يفتح الكتاب ويقرأ؟

وهذه أبيات يخاطب فيها نجم هالي:

هل تلقيت من لدن خاذل الباغي

وحامي الضعيف يا نجمُ سرّا

أغدا تستوي الأنوف فلا ينظر

قوم قوما على الأرض شزرا

أغدا كلنا تراب ولا ملك

خلاف التراب برّا وبحرا

أغدا يصبح الصراع عناقا

في الهيولي ويصبح العبد حرّا

إن يكن كل ما يقولون فاصدع

بالذي قد أمرت حيّيت عشرا..

وهي أبيات تشف عن شغل الحكيم الشاغل في هذه الحياة، عن ذلك المثل الأعلى للحرية والإخاء والمساواة الذي أراقت الأمم دماءها على بابه المنكود، ويريد شاعرنا أن يصل إليه من طريق الموت والعالم الأبدي.

وفي قول صبري:

أغداً يصبح الصراع عناقا

في الهيولي ويصبح العبدُ حرّا

مشهد من أجلّ المشاهد التي يمكن لعين أن تحيط بها. ويبدو أن صبري كان مولعاً بالمشاهد الواسعة، وهذه تتجلى في قصيدة "فرعون وقومه" من هذه المشاهد ما يتناوله الحسّ كوله:

وآزرته جماهير نسيل بها

بطاح واد بماضي القوم ملان

ومنها ما يتناوله المعنى كقوله في وصف الأهرام:

كأنها والعوادي في جوانبها

صرعى بناء شياطين لشيطانِ

وقوله في من شادوها:

بادوا وبادت على آثارهم دول

وأُدرجوا طيَّ أخبارٍ وأكفانِ

وخلّفوا بعدهم حربا مخلّدة

في الكون ما بين أحجار وأزمانِ

ولعل أجود شعر قاله صبري في الحكمة كان شعر الحياة والموت.

من ذلك قوله في وصف راحة القبر:

إن سئمت الحياة فارجع إلى

الأرض تنم آمنا من الأوصابِ

تلك أم أحنى عليك من الأم

التي خلفتك للأتعابِ

لا تخف فالممات ليس بماحٍ

منك إلا ما تشتكي من عذابِ

كل ميت باق وإن خالف العنوان

ما نصّ في غضون الكتابِ

وحياة المرء اغتراب فإن مات

فقد عاد سالمًا للترابِ

قال حافظ إبراهيم إن هذا البيت الأخير أجود معنى قاله صبري "ويخّيل إليّ أن روح أبي العلاء تطل من كل بيت من هذه الأبيات، أليس هو القائل:

ضجعة الموته رقدة يستريح الجسم فيها والعيشُ مثل السهادِ

ولكن أبا العلاء ينظر إلى الأرض نظرة أخرى تشفّ عن جوى باطن:

خفّفِ الوطء ما أظنّ أديمَ الأرض

إلا من هذه الأجسادِ

إنه ينظر إليها نظرة الشاعر الفرنسي ألفريد دي فيني بالى الطبيعة في قوله:"إنهم يسّمونكِ أماً وما أنت إلا قبر"، ونظرة شوقي في قوله:

عقّت بنيها ظاهرا

وأظنّ باطنها أمقٌا

كان صبري باشا يحب النور والجمال وكان يحب من أجلهما الحياة. وكان كثيرا ما يذكر الموت ويخشاه لا جبناً ولا فرقاً، بل حبا في الحياة والنور والجمال، وقد بلغ من كراهيته للموت أن أصبح يتمناه فقال:

يا موتُ ما أبقت الأيامُ والساعاتُ مني

بيني وبينك خطوةٌ

إن تخطُها فرّجتَ عني

وكان شعره كحياته سمر المسافر وأنس المقيم، وكما كان في حياته يملّ سماع الموسيقى طويلاً، كان في شعره يكره القصائد الطوال، وينظم المقطوعات الرائعة، والبيت والبيتين، وهو فنان يفضّل نحت الدمية الجميلة على تشييد هرم جليل.

الكثيرون لا يزالون يذكرون إلى اليوم قوله مخاطباً القلب:

سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنا

حمل الصبابة فاخفق وحدك الآنا

وقوله في ساعة الوداع:

ساعة البين قطعة أنت قدّت

للمحبين من عذاب السعيرِ

وقوله في لقاء الحبيب:

ولما التقينا قرّب الشوق جهده

شجيّين فاضا لوعةً وعتابا

كأن صديقا في خلال صديقه

تسرّب اثناء العناق وغابا

وقوله في شجرة:

عار عليك وهذا الظل منتشر

فتك الهجير بجسمي في نواحيكِ

فمن معيري جناحَيْ طائرٍ غردٍ

كي أقطع العمر شدوا في أعاليكِ

وتغني كوكب الشرق من نظمه هذه الأبيات:

يا آسيَ الحيّ هل فتشت في كبدي

وهل تبينت داءً في زواياها

أواه من حُرَقٍ أودت بمعظمها

ولم تزل تتمشى في بقاياها

يا شوقُ رفقا بأضلاعٍ عصفتَ بها

فالقلب يخفق ذعرا في حناياها

وهذا القول الجميل له:

إذا ما صديق عقّني بعداوةٍ

وفوقتُ يوما في مقاتله سهمي

تعرض طيف الودّ بيني وبينه

فكسّر سهمي فانثنيتُ ولم أرمِ!

تلك أبيات سارت لسير الشمس في كل بلدةٍ ونادٍ، وقد وضع صبري باشا أغاني كثيرة هي أرقى ما نظم من نوعها، وهو في مجموعه شاعر نسيج وحده انفرد بين الشعراء القدماء والمحدثين بطراز من الشعر المسمّى Lyrique وهو شعر يطير بجناحين في فضاء الطبيعة والخيال، ويسمو بالعاطفة والوجدان إلى أبعد غاية.

وكان يحب المرأة لأنها تمثل الجمال وهو ينظر إليها نظرة المصور الماهر إلى دمية جميلة يجد في جمالها ظلا ينزوي فيه من هجير الحياة:

إن هذا الحسن كالماء الذي

فيه للأنفس ريٌّ وشفاءْ

وقد يفتن الجمال المصور أو الشاعر ويسمو به إلى أعلى مراقي الخيال، فتتمثل المرأة كأنها قطعة من النور تظلل الأرض وتلقي عليها عزاء وسلاماً.

هنا يقف يقول الشاعر :

لاتخافي شططاً من أنفس

تعثُرُ الصبوة ُ فيها بالحياء

فلو امتدت أمانينا إلى

أسدٍ مالاث كفّاً بدماء

ولصبري باشا أبيات كثيرة أخرى أرق من نسمات السحر تكاد تعيد أيام الشباب النضر، وتفجّر الماء من الصخر. قال رحمه الله شاكياً مسترحماً:

أبثك ما بي, فإن ترحمي

رحِمْتِ أخَا لوعةٍ ذابَ حبَّا

وأشكو النوى, ما أمرّ النوى!

على هائم إن دعا الشوق لبَّى

وأخشى عليك هبوبَ النسيم,

وإن هو من جانب الروض هبَّا

وأستغفر الله من بُرْهةٍ

من العمر لم تلقني فيكِ صَبَّا

تعالَيْ نجددْ زمان الهناء,

وننهبْ ليالِيَهُ الغُرَّ نهبا

تعاليْ أذقْ بكِ طعم السلام,

وحسبي وحسبُك ما كان حربا

كانت المرأة شغل فؤاده وقد بلغ من تعلقه بها أنه كان يراها في حاضره، وكان يراها بعين الذكرى في ماضيه. ومن ذا الذي يذكر روض الشباب ولا يذكر القماري، فينشد:

تمسي تذكرنا الشباب وعهده

حسناءُ مرهفة القوام فنذكرُ

تثبت القلوب إلى العيون إذا بدت

وتطلّ من حدق العيون وتنظرُ

وكان يراها في صورة ريحانة:

يا راحةَ القَلب يا شُغلَ الفُؤادِ صلى

مُتَيَّماً أنتِ في الحالَينِ دُنياه

زيني النَدِيَّ وَسيلي في جوانِبه

لُطفاً يَعُمُّ رعايا اللُطفِ رَيّاه

رَيحانَةٌ أنتِ في صَحراء مُجدِبةٍ

من الرَياحينِ حَيّانا بها اللَهُ

إن غابَ ساقى الطِلا أَو صَدَّ لا حرجٌ

هذا جَمالُكِ يُغنينا مُحَيّاه

أليس يُخيَّل إلينا وقد قرأنا هذا الشعر أنه نغمات موسيقية

تشفّ عن نفس محزونة تحنّ إلى منازل الكمال كما يحنّ غريب الدار إلى الأوطان. هذا الحزن هو أكبر مميزات الشعر الغنائي، شعر العاطفة والوجدان.

كان صبري باشا كما يتبين القارئ صورته في هذا الكتاب يفتش عن الحقيقة وهي كظل الرجل في دنياه كلما تبعها أمعنت في الهرب. قال من أبيات له يخاطب سيدة تُدعى ألكسندرا:

انثري الدرّ يا سمّية إسكندر

لا فضّ عقده في فيكِ

وأميطي عن الحقيقة ما يحجب

عنا جمالها من شكوك..

وقد حدثت له وكان محافظاً للإسكندرية حوالي سنة 1897 رضوض على أثر اصطدام القطار به وهو في طريقه إلى القاهرة فظل غائباً عن الوعي عشرين يوماً وعندما استفاق قال لصديقه الشاعر حافظ إبراهيم: "وددتُ أني لم أفق فقد ذقت مرارة الحياة".

على أن هذا الرجل الذي كان يرى في الموت "ذلك المنقذ السماوي" ، كما كان يسمه لامارتين، ما كان أشدّ جزعه كلما رأى الصراع القائم في هذه الدنيا بين الموت والجمال.

وفي كتاب محمد صبري أشياء أخرى كثيرة عن هذا الشاعر الفذّ الذي يفيض شعره بالعاطفة والفكر والتأمل والشجن على السواء، والذي، كما يبدو، لم يهتم بالصحافة والإعلام في زمانه كما اهتم شعراء آخرون. ومع ذلك فقد عبر شعره الزمن إلينا وهو في أحسن تكوين، وهذا دليل على قوته ونضارته.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .