دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 19/8/2018 م , الساعة 12:51 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تركيا.. انفراج الأزمة

تركيا.. انفراج الأزمة

بقلم : طـــه خـلـيفـة(كاتب وصحفي مصري) ..
تركيا دولةٌ مركزيّةٌ في الشرق الأوسط، وتتمتّع باستقرار سياسيّ، ولديها ديمقراطيّة جادّة، وقد خرجت للتوّ من استحقاق انتخابيّ رئاسيّ وتشريعيّ عكس حيويّة ووعيَ المجتمع، ووجود مُعارضة قويّة، ومجتمع مدني مؤثر، وفي مثل هذه الحالة لدولة قديمة راسخة فليس من صالح صورتها الدوليّة الترويج، أو حتى الإيحاء، بأن أزمة عملتها الوطنيّة «الليرة» ترجع إلى استهداف أمريكيّ مُباشر لشنّ حرب اقتصاديّة ضدّها.

نعم، قد يكون هناك استهدافٌ مخططٌ هدفه التأثير على مسارات السياسة في هذا البلد، والمُخطط ربما يكون قديماً، وليس وليد الأزمة الحاليّة، لأن تراجع سعر الليرة يتكرّر، وقد لا يتوقف المُخطط مستقبلاً، والاستهداف من هذا النوع يتميّز بطول النَفَس خاصة عندما تغيب القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة عن علاقات الدول، وتحلّ محلّها تصفية الحسابات، وتسود العقليّة الانتقاميّة مُستخدمةً وسائل أقرب إلى سلوك العصابات.

والذي نُتابعه منذ أن بدأت تجربة حزب العدالة في الحكم بقيادة أردوغان تؤتي ثمارها أن الاقتصاد التركيّ حقق انطلاقة كبيرة، وحجزت تركيا مكاناً لها في مجموعة العشرين لأقوى الاقتصادات العالميّة، وصارت تجرِبتها التنمويّة حديث المواطن في كل بلد عربيّ وإسلاميّ مُتأملاً لو تحذو سلطات بلاده حذو بلد شقيق انتقل باقتصاده من الدرك الأسفل إلى المستوى الأعلى، والتجربة باتت نموذجاً آخر بعد ماليزيا يُبرهن على أن كل بلد إسلامي قادر بأدوات وطنيّة ذاتيّة على مُغادرة أَسْر التخلّف إلى فضاء التقدّم، وأن بقاء البلدان الإسلاميّة خارج النهضة والحداثة ليس قدراً أبدياً، وأن بلداً إسلامياً محكوماً بنظام علماني يُمكن أن ينجح دون حدوث تناقضات مع الهُويّة الدينيّة للمجتمع.

لا أتصوّر أن زيادة أمريكا للجمارك على مُنتجات مستوردة من تركيا، ولا التصريح الاستعلائيّ لـ ترامب بأن تركيا ليست دولة صديقة، ولا عدوانيته تجاه حليف كبير في «الناتو» تربطه ببلاده علاقات قديمة وثيقة، ولا التهديد بعقوبات جديدة ما لم يتم الإفراج عن القس المُعتقل أندرو برانسون يُمكن أن يكون سبباً جوهرياً في جعل الليرة تهوي لمستوى قياسيّ، فالاقتصاد التركي القويّ القائم على الاستثمار والإنتاج والتصنيع والتصدير وتدفّق السياحة والسُمعة الطيّبة عالمياً لا يُصاب بالدوار من هذه العقوبات والتهديدات، أمريكا فرضت رسوماً مماثلة على بلدان عديدة ولم تترنّح اقتصاداتها ولم تهبط عملتها، نعم هناك أضرار لا بد أن تحدث لكن ليس إلى الحدّ الذي يهزّ العملة بشدّة، لا بد أن تكون هناك أسباب أخرى كامنة مُتراكمة تتعلّق بإدارة وتخطيط المنظومة الاقتصاديّة والماليّة، وفي التداخل بين ما هو اقتصاديّ وسياسيّ، ولعلّ تشديد مستشارة ألمانيا وآخرين على ضرورة استقلاليّة البنك المركزي في رسم السياسات النقديّة إشارة إلى أحد مواطن الخلل التي يجب علاجها، فالعملات لا تهبط أو تنهار فجأة، لا بدّ أن تتوفّر مُسبّبات داخليّة مؤثرة ترتبط بالحالة الاقتصاديّة والسياسات النقديّة، مثلاً العملة المصرية «الجنيه» لم تفقد أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار الأمريكي في غضون أيام قلائل من نوفمبر 2016 إلا بعد إصدار قرار مُفاجئ ومُتسرّع بتحرير سعرها، كان ذلك مطلباً لصندوق النقد الدوليّ، لكن القرار كان مصرياً، كان يمكن عدم الاستجابة أو تأجيله لحين الاستعداد له لتقليل آثاره لأدنى درجة، علاوة على أسباب أخرى ساهمت في ضعف العملة مثل تراجع التصدير، السياحة، وضبابية الرؤية الاقتصاديّة، وتفاعلات الأزمة السياسيّة.

حسناً أن تركيا بدأت تُخاطب المجتمع الاستثماري الداخليّ والخارجيّ على لسان وزير ماليتها بلغة الاقتصاد وحديث السوق وتواصل العصف الذهني لإنتاج أفكار واقعيّة وتدابير سريعة منطقيّة لإيقاف تراجع سعر الليرة، وعبور الأزمة، وطمأنة العالم بأنها تسير على الطريق الصحيح، وبالفعل تحاول العملة استرداد بعض عافيتها على أمل أن تعود قيمتها كما كانت أو أزيد قليلاً.

وهناك عوامل مهمة ستساهم في الخروج من عنق الزجاجة منها، الإجراءات الماليّة التي اتخذتها الحكومة لضبط الأسواق، ومواجهة المُتلاعبين بالعملة، والأموال التي ضخّها البنك المركزي لتهدئة سوق الصرف وتوفير النقد الأجنبي، والاستثمارات المباشرة بقيمة 15 مليار دولار التي وعدت قطر بضخّها في تركيا، وهذا دعم كبير مفاعيله الإيجابيّة ظهرت فور الإعلان عنه، والدعم السياسي الذي حصلت عليه تركيا من ألمانيا وفرنسا، وهما أقوى بلدين في الاتحاد الأوروبي، وعندما يتحدّث زعيما البلدين مع أردوغان ويؤكّدان أن قوة واستقرار تركيا واقتصادها مصلحة أوروبيّة، فإن ذلك يعني عدم السماح بانهيار الليرة أو الاقتصاد ففي ذلك خطر على أوروبا، وحديثهما يحمل إشارة لمن يتلاعبون ضدّ تركيا في الخفاء، ورسالة إلى أمريكا وترامب بعدم الرضا عن مواصلة حماقاته تجاه حلفائه وأصدقائه، وأن الكيل فاض من غطرسة.

ومُقابل قسوة واشنطن فرضت تركيا عقوبات مماثلة على مسؤولين أمريكيين، ورفعت نسب الجمارك على سلع ومُنتجات أمريكيّة، ودعت لمقاطعة بضائعها الإلكترونيّة، وتؤكّد أنها ستُواجه كل إجراء أمريكي بآخر مُماثل، وهذا نوع من حفظ الكرامة الوطنيّة، فالدول في لحظة، ومهما كان من يُناطحها، ولو بحجم أمريكا، قد تضطر للمُنازلة، وعدم التخاذل لأنها إذا استسلمت مرّة فلن يتوقف هذا المسلسل.
ومن مرارات الفترة الحاليّة التي صارت مُجلّلة بغيوم من نوع خاص أن نجد عرباً يفرحون في أزمة يمرّ بها بلد في القلب منهم يرتبط معهم بروابط عديدة مؤثرة، والمفارقة أن بلدان الفرحين تعيش أزمات أشدّ، والشامتون بلا وعي من عامة الناس يُعانون ويُكابدون مشقة الحياة.

تقاطعات المُختلفين مع السياسة التركيّة لا يجب أن تُتخذ وسيلة للإضرار بالشعب التركي، الاختلاف يجب أن يكون مُسيجاً دوماً بمكارم الأخلاق التي بُعث رسولنا - صلى الله عليه وسلم - من أجل تمامها حتى لو كان العالم من حولنا يفتقد القيم والضمير والأخلاق والإنسانية.
  
tmyal66@hotmail.com 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .