دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 20/9/2017 م , الساعة 4:12 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

التفريط باللحظة التاريخية

التفريط باللحظة التاريخية

بقلم : توجان فيصل (كاتبة أردنية) ..
عبارة «هرمنا بانتظار هذه اللحظة التاريخية»، التقطتها الجزيرة من فم كهل ناضلَ سراً لسنوات من خلف واجهة مقهاه الصغير الذي يرتاده الشباب، فدخلت مقولته التاريخ. عبارة أبكتنا بمزيح من الحزن والفرح، كونها لخّصت التضحيات الجمعية التي قدّمها شباب من أجيال عديدة متوالية، هرمت غالبيتها وهي لا تنتظر فقط، بل تعمل وتجازف وتضحّي (كما كان يضحّي سراً ويُجازف صاحب المقهى ذاك) لتحقيق حلم ربيع عربي ينقلنا للحريّة والديمقراطية وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان التي يفتقدها عالمنا العربي.

كما نقل ربيع شعوب أوروبا تلك الشعوب، فتطوّرت دول أوروبا وأيضاً أمريكا الشمالية بحيث بات حلم ملايين من الشباب العربي (أو بالأحرى ملاذهم من الانخراط في معركة قاتل أو مقتول)، الهجرة لإحدى تلك الدول، ولو بالمُجازفة بالغرق في قارب يَعبُر المتوسط الذي يفترض «طبيعياً» أن يكن جنوبه هو الأغنى والجاذب للشباب وليس الطارد لهم.

تونس كانت، لما قبل أيام، البلد العربي الوحيد الذي أنجز ثورة ربيعه، وأرفقها بخطوات بناء تمثّلت في دستور تقدّمي هلّل له الشباب العربي واعتبروه مثالاً يُحتذى. ورحّب بتلك الثورة ونتائجها العقلانية والسلمية العالم الغربي، حد إعطاء الأحزاب والتنظيمات المشاركة أو المُنبثقة عن تلك الثورة جائزة نوبل للسلام.

ولكن قبل ثلاثة أيام، حين وقّع 117 ممن أسموا «نواباً» للشعب التونسي على قانون مرفوض شعبياً أُسمي «قانون المُصالحة الإدارية» يبرّئ لصوص عهد بن علي ويوفّر أكبر عملية غسيل لأموالهم.. بتنا نتساءل عن حال هذا المُناضل الذي لخّص تضحيات أمّة وفرحها بالفرج في تلك الجملة البليغة.. هل بقي حياً ليرى «رجال الأعمال» يشترون صكوك الغفران بما جمعوه من عصور الفساد والقمع والتنكيل، أم أن الموت رَحِمَهُ من ذل هكذا لحظة؟!.

القانون بيعٌ لصكوك غفران ولم تتغيّر حقيقته هذه منذ عرضه لأول مرة، فجل ما جرى هو التلاعب بصياغته، كإضافة كلمة «الإدارية» لتسميته للإيحاء بأن من ستشملهم «المُصالحة» موظفين إداريين لم يكونوا يَملكون مُخالفة الأوامر التي يتلقونها من السلطة السياسية، كون رزقهم مصدره الراتب الحكومي.

وهكذا تَسويق يُمثّل إهانة لعقولنا جميعاً وليس فقط لعقول التونسيين. وذلك لكون التبرير الرئيس الذي كان وظل يُساق «كسبب مُوجب» واضطراري لإصدار هكذا قانون، هو جذب استثمارات من ستشملهم المُصالحة.. أي من اغتنّوا بدرجة تمكّنهم من ابتزاز دولة، وليس لرفع المظلومية عن المضطرين للقمة عيشهم.

في حين أن عودة هؤلاء لحصد فرص الاستثمار هو ما سيؤدي لتحول الشعب التونسي لموظفين عند هؤلاء، سواء عادوا بصفة مستثمرين أو تولوا مناصب القرار- كما يُعلن الآن - التي في مقدّمة صلاحيات شاغلها إجازة استثمارات وإحالة عطاءات وترخيص مشاريع لمستثمرين. وقد سبق، وسيلي، تمتع هؤلاء بالصفتين في آن أو تنقّلهم بينهما، ضمن ترتيبات شكلية كتسجيل شركاتهم باسم أفراد أسرهم لدى توليهم مواقع القرار الحكومي لتحال لها العطاءات أو حتى التلزيمات. وهي خدعة مكشوفة تتكرّر في العالم العربي.

وأعجب ما قيل أن هؤلاء سيُعيدون أية أموال كسبوها بغير وجه حق، مع الغرامة، والذي هو اعتراف بالتنفع الفاسد. وما سيتم الاعتراف بحيازته هكذا هو البعض اليسير مما لا يمكن إنكاره وأصبح استرداده محسوماً أينما تم إيداعه. فهذا تحكمه قوانين واتفاقيات دولية تكافح الفساد، لا بل إن العالم مضطر لتسليم من ثبت فسادهم عند طلبه. والتحقيق مع مسجونين مدانين بتهم فساد سيؤدي لكشف المزيد منها لأن من ساهموا في تغطية فساد هؤلاء طوعاً أو خوفاً سيحرصون على كشف ما لديهم لتبرئة أنفسهم. وفي قوانين الدول المحترمة توجد تشريعات تبرّئ من يَقبلون التحول لشهود إدانة.. ولكن ليس لتبرئة من أدينوا من كل ما في ذممهم، ما ظهر منها وما بطن، إن قبلوا إعادة ما ظهر مع ما أسمي غرامة، ويُصبح هنا «بقشيشاً» لخدمة تتجاوز كل ما هو قانوني.

كل الثورات، تاريخياً، تتعرّض لثورات مضادة، سواء أكانت الأخيرة انقلاباً عسكرياً، أو انقلاباً بتوظيف انتخابات تجري بعد طول غياب لتجريب وبالتالي امتحان قدرات ومعادن المرشّحين، بحيث يمكن أن يقوم حتى نواب الشعب الثائر بالانقلاب عليه باسمه لا أقل، ما يُوجب الحذر والجهوزية الشعبية العالية لهكذا محاولات.

فلا أصنام بعد ثورة شعب، ليس في أي موضع قرار حكومي أو نيابي. ولا شرعية لمُنتَخَب إن خرج على ما انتخِب لأجله. وحتى في الدول الديمقراطية المستقرة، هنالك دائماً ثورة كامنة ولكنها لا تظهر لأن المنتخبين يستقيلون لمجرد انخفاض شعبيتهم. والواثق من بقاء شرعية تمثيله لن يُعارض إجراء انتخابات مُبكّرة سواء في هذا مجلس النواب أو الحكومة.

وما يجري في تونس هو العكس، قد أعلن عن تأجل الانتخابات البلدية لأجل عن مسمى!!.
  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .