دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
آخر تحديث: الأحد 7/4/2013 م , الساعة 10:34 مساءً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
الأزمة الكوريّة .. حصاد الفشل الأمريكي

بقلم - محمود رفعت زعلوك : يبدو أن الفلسفة الأمريكيّة في إدارة الأزمات لم تنجح هذه المرّة في احتواء ووأد الصراع النووي في شبه الجزيرة الكوريّة؛ التي أصبحت خلافاتها الآن تُهدّد مستقبل البشريّة بعدما أصبح السلاح النووي في أيدي سفهاء لا يُدركون خطورة استخدام أنواع معيّنة من السلاح؛ فهم لا يعنيهم فناء العالم بقدر ما تُسيطر عليهم هواجس الدراما الأمريكيّة التي تحدّثت كثيرًا عن نشوب حرب نوويّة في العالم؛ بات من الواضح الآن أنها على وشك الحدوث.

فبعد التهديدات التي وجّهتها كوريا الشمالية إلى الولايات المتحدة بشنّ حرب واسعة لم تستبعد فيها السلاح النووي؛ عزّزت بيونج يانج تلك التهديدات بنشر صواريخ متوسّطة المدى على ساحلها الشرقي؛ وهذا يعني أن اليابان وكوريا الجنوبيّة بالإضافة إلى آلاف الجنود الأمريكان في جزيرة غوام قد أصبحوا في مرمى صواريخ بيونج يانج الثائرة التي لن تتردّد في استخدام السلاح النووي إذا لزم الأمر. وهنا يتساءل العالم عن السياسة الأمريكية الرشيدة التي دفعت بالأمور إلى هذا التدهور؛ فمنذ أن أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية الأولى عام 2006 بعد أن مرّت ثلاث سنوات على انسحابها من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؛ والعالم يترقّب الخطوات والقرارات التي يتخذها مجلس الأمن وتتخذها الولايات المتحدة الأمريكية للحدّ من انتشار الأسلحة النووية في كوريا الشمالية؛ ولكن عوضًا عن أن توجّه واشنطن ضربة عسكريّة لبيونج يانج لشل برنامجها النووي؛ قامت بتوجيه أسلحتها نحو العراق لمجرّد استشعار أن ثمّة خطرًا يُداهم الشرق الأوسط إذا استمرّ نظام صدام حسين؛ بعد أن ادّعت الولايات المتحدة وبريطانيا أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. وهنا تتضح الهاوية الكبيرة في السياسة الأمريكية التي بدأت سيناريو العقوبات على بيونج يانج منذ سنوات كانت فيها كوريا الشمالية تحلم بامتلاك السلاح النووي؛ ثم أخذت الولايات المتحدة تُعزّز من العقوبات وهي ترى أن تلك العقوبات لم ولن تؤثر في مضي بيونج يانج في برنامجها النووي؛ بل والتزمت الصمت إزاء التهديدات المتصاعدة لها ولحليفتها كوريا الجنوبية؛ ما خلا بعض المناورات العسكريّة التي تنظمها مع سول؛ والتي كانت تُحاول من خلالها إثبات أن الأمور تسير على ما يُرام؛ بيْد أن تلك المناورات لم ترعب بيونغ يانغ؛ بل زادت من إرادتها وعزيمتها على تنفيذ برنامجها النووي وسط العقوبات الدولية التي أنهكت اقتصاد كوريا الشمالية ودفعتها للاختيار ما بين الحرب والجوع؛ وكلاهما يؤول إلى الموت.

الولايات المتحدة التي على موعد مع الحرب الآن لم يعد لديها من الحيل والمبررات ما يُحسّن صورتها أمام العالم التي لطالما كانت تدّعي أنها تعمل على حمايته؛ فالصراع النووي في شبه الجزيرة الكورية لا يقلّ عنه الصراع النووي في منطقة الشرق الأوسط؛ مع اختلاف طبيعة الصراع في تلك الحالتين. ففي منطقة الشرق الأوسط؛ تغضّ واشنطن الطرف عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي؛ رغم التأكيدات التي تدعم فكرة أن إسرائيل أصبحت تمتلك عددًا كبيرًا من الرؤوس النووية وأسلحة الدمار الشامل؛ بعدما فشلت الدول العربية في تمرير قرار يخضع برنامج إسرائيل النووي للتفتيش الدولي؛ ما جعل إيران تسير على خطى بيونج يانج وتتصدّى للمجتمع الدولي؛ والمدهش أن تعاطي الولايات المتحدة مع ملف طهران النووي مماثل لما فعلته مع بيونج يانج ؛ فما زالت واشنطن تستخدم سلاح العقوبات الذي جعل منه الزعيم الكوري الشمالي كيم كونج أون سلاحًا هشًّا بعد تهديدات الإبادة النووية التي تصدر عن كوريا الشمالية؛ ولا شكّ أن طهران الآن ترى نفسها في أزمة بيونج يانج وما ستمرّ به حين تتمكّن هي الأخرى من صنع القنبلة النوويّة؛ فهذا النجاح لبيونج يانج يفتح الباب لدول أخرى تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل؛ خصوصًا إذا نفذت بيونج يانج تهديدها وأشعلت فتيل الحرب النوويّة الذي سوف يجعل الدول الأكثر سلمًا في العالم تسعى لشراء السلاح النووي قبل أن تتمكّن هي الأخرى من تصنيعه لحماية نفسها من الغزو الذري. وبدت فرحة إيران واضحة في تصريحات نائب رئيس الأركان في الجيش الإيراني الجنرال مسعود جزائري الذي قال: إن كوريا الشمالية ليس لديها خيار آخر سوى مواجهة الولايات المتحدة التي تُشكّل السبب الرئيسي للتوتّرات الإقليمية الحالية؛ تلك التصريحات التي تطرح تساؤلاً مهمًّا عن حلفاء بيونج يانج ؛ تُؤكّد أن كوريا الشمالية ما كان لها أن تصل إلى نتائج متقدّمة في برنامجها النووي وسط تلك العقوبات إلاّ إذا كان هناك من يُساندها علميًّا واقتصاديًّا؛ وربّما تلك المساعدات تأتي ضمن وعود كوريّة بنشر المدّ النووي في الدول التي تُساندها في التصدّي للولايات المتحدة. ومن المؤسف أن دول العالم باتت تظنّ أن امتلاكها السلاح النووي سوف يكون الضمانة الأكبر لحمايتها من أيّ اعتداء؛ وهذا ما أكّده رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في مقال نشرته صحيفة ديلي تلجراف الذي قال فيه: إن التخلي عن صواريخ ترايدانت المحمّلة برؤوس نوويّة سيكون خطوة حمقاء لأن بريطانيا لا تزال بحاجة إلى سلاح مطلق لأغراض الدفاع. وليس هذا صحيحًا لأن انتشار السلاح النووي سوف يدفع حتمًا بعض الدول لاستخدامه يومًا ما ؛ وهذا ما تُؤكّده أزمة كوريا الشمالية التي تُهدّد باستخدام السلاح النووي رغم أنه لم يمكث في مخازنها بضعة شهور.

ولعل القارئ للسياسة الأمريكية أصبح يتفهّم أن الولايات المتحدة تكيل بميكيالين وتزن بميزانين؛ أحدهما للدول التي تحقق أجندتها والآخر للدول التي تمثل عقبة أمام التوسّع الأمريكي والمصالح الأمريكية؛ وتلك السياسة وإن طالت؛ فلن تُجدي نفعًا بعد الآن ؛ لأن ثمّة دولاً أخرى تسعى لبسط نفوذها وانتزاع الصدارة الأمريكية؛ بالإضافة إلى أن أداء الدبلوماسية الأمريكية بات محلّ انتقاد واسع؛ فالأزمة التي تعيشها شبه الجزيرة الكورية؛ وصراع واشنطن مع طهران؛ ومحاولات التدخّل في شؤون دول "العالم الثالث"؛ وغضّ الطرف عن جرائم إسرائيل في غزة؛ وعدم التدخّل لوقف نزيف الدم السوري؛ فضلاً عن الجرائم التي تحدث في الشيشان؛ كل هذه الملفات التي تعجز واشنطن عن حلها؛ تجعل مقعد الدولة العظمى كبيرًا على الولايات المتحدة؛ ما يُحتّم عليها إمّا أن تتركه أو تُحاول التغيير من سياستها؛ إن لم يكن قد فات الأوان.

كاتب مصرى

لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
 
* أساسي
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .