دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 1/9/2018 م , الساعة 12:16 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تغرّب عندما تصدّعت علاقته بأبيه وخرج من حياته الأسرية

غربة امرئ القيس ومأساتـه

حين أتاه نبأ مقتل أبيه قال: ضيّعني صغيراً وحمّلني دمه كبيراً
احتلّت المرأة في شعره مكاناً أهمّ مما احتلته عند أي شاعر آخر
تعمّقت غربته عندما لحق به الماضي في حياته الجديدة وأفسد عليه متعَه
حياة الشاعر في نطاق أسرته تصدّعت على نحو لم يمكن إصلاحه
غربة امرئ القيس ومأساتـه
  • كان يحاول أن يجد في حياة اللهو بديلاً عن حياته الأولى
  • ظلّ شبح أبيه الملك يطارده في حياته على هامش المجتمع
  • نقّاد: شعر امرئ القيس يتضمّن الألم كمقوم من مقوماته
  • الابن العاق كان في الجوهر أكثر إخوته ولاءً لأبيه

بقلم - جهاد فاضل:

شغل الشاعرُ الجاهليُّ امرؤ القيس باحثين كثيرين سواء بسيرته أو بشعره، وها هو باحث مصري آخر يعالج جانباً محدّداً في سيرته هو غربته «غربة الملك الضليل»، هو عنوان دراسة الدكتور عبدالرشيد الصادق محمودي، كما هو عنوان كتابه في الوقت نفسه.

والعنوان يشي بالمضمون، فبأي معنى كان امرؤ القيس غريباً؟ ذلك هو السؤال الذي يبدأ به الباحث، وهو سؤال يقول إنه لم يلق حتى الآن إجابة محدّدة مقنعة. لقد تعدّدت الروايات التي وصلتنا عن حياة امرئ القيس، وما كان من فساد علاقته بأبيه، وخروجه عن طاعته، وتمرّده على تقاليد مجتمعه، وتشرّده في طلب اللهو وفراره من المطاردة وسعيه إلى الثأر من قتلة أبيه وإلى استرداد مُلكه المنهار.

إذا عاد المرء إلى مادة «الضلّيل» في المعجم الوسيط للمجمع اللغوي بالقاهرة وجد أن امرأ القيس وفقاً للتعريف الوارد في هذه المادة كان «ضلّيلاً» لأنه كان صاحب غوايات وبطالات، أو لضلاله بين القبائل. لكن هذا التعريف بشقّيه لا يمسّ من غربة امرئ القيس إلا جوانبها السطحية. فلم تكن غوايات امرئ القيس وأسفاره إلا مظاهر لغربة أعمق لا يمكن أن تُفهم إلا على ضوء علاقاته بأسرته وبأبيه على وجه التحديد. فلقد تغرّب أولاً لأن حياته في إطار الأسرة قد تصدّعت في سنّ مبكرة.

قيل إن الملك الأب كان يستنكف قول الفتى للشعر لأنه لا يليق بأبناء الملوك.

وقيل إن الملك عندما يئس من إصلاحه عهد إلى أحد رجاله بقتله. وليس هناك ما يدعو إلى تصديق هذه الروايات بحذافيرها، لكنها تشير في مجموعها إلى أمر مرجح، وهو أن حياة الشاعر في نطاق أسرته قد تصدّعت على نحو لم يمكن إصلاحه، وأنه أخذ يبحث عن العلاقات خارج نطاق الأسرة على هامش المُجتمع.

كان امرؤ القيس، فيما يقول صاحب الأغاني، يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من طيء وكلب وبكر بن وائل. فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فيه، فذبح لمن معه كل يوم، وخرج إلى الصيد فتصيّد ثم عاد فأكل وأكلوا ولا يزال حتى ينفد ماء الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره.

استناداً إلى ما يرويه الباحث، تتسم مباذل امرئ القيس بطابع الخروج على الأسرة والمجتمع. ومشكلته أنه كان يمارس حياة اللهو ممارسة الأمير الفاشل المنبوذ، وأنه كان يحاول أن يجد فيها بديلاً عن حياته الأولى.

على أن لغربة امرئ القيس بعداً آخرَ. فهو لم يستطع أن يستقرّ في حياته الجديدة. وقد ظلّ شبح أبيه الملك يطارده في حياته على هامش المجتمع. وفي القصة الآتية من «الأغاني» نجد تصويراً درامياً أخّاذاً لسلطان الملك المقتول على قلب الأمير العاق:

«ولما طعن الأسدي حجراً ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل، وقال له: انطلق إلى ابني نافع (وكان أكبر أولاده) فإن بكى وجزع فالْهُ عنه، واستقرهم واحداً واحداً حتى تأتي امرأ القيس - وكان أصغرهم- فأيّهم لم يجزع فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي. وكان بيّن في وصيته من قتله وكيف كان خبره. فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب فوضعه على رأسه. ثم استقراهم واحداً واحداً فكلٌّهم فعل ذلك. حتى أتى امرأ القيس فقال له: قُتل حجر.. فلم يلتفت إلى قوله وأمسك نديمه. فقال له امرؤ القيس: اضرب فضرب حتى إذا فرغ وكانا يلعبان النرد، ثم سأل الرسول من أمر أبيه فأخبره، فقال: اللهو حرام عليّ حتى أقتل من بني أسد مائة وأجزّ نواصي مائة!

وقال صاحب الأغاني في رواية أخرى إن امرأ القيس حين أتاه نبأ مقتل أبيه قال: «ضيّعني صغيراً وحمّلني دمه كبيراً»!

ثمة شك في صدق هذه القصة، لكن ليس هناك ما يدعو إلى الشك في صدق الخبر الأساسي الذي تتضمنه. وهو أنّ امرأ القيس قد تصدّى دون إخوته لتحمل أعباء التركة الملكية. وأياً ما كانت الأسباب الموضوعية التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار، فإن الأمر الجوهري في هذه القصة هو أن امرأ القيس تحمل ذلك العبء الفادح على الرغم من أنه كان أصغر إخوته سنّاً وأبعدهم فيما يبدو عن سيرة الأمير المثالي والابن المطيع. ومعنى هذا أن الابن العاق كان في حقيقة الأمر أكثر إخوته ولاءً لأبيه.

تغرّب امرؤ القيس إذن غربة مزدوجة. تغرّب أولاً عندما تصدّعت علاقته بأبيه وخرج عن حياته الأسرية. ثم ازدادت غربته عمقاً عندما لحق به الماضي في حياته الجديدة وأفسد عليه متعه وزعزع استقراره في عالم اللهو وأرسله يضرب في الآفاق لتحقيق مهمة عسيرة لم يكن مؤهلاً لها، وقد عبّرت قولته الشهيرة (ضيّعني صغيراً وحمّلني دمه كبيراً) أوجزَ تعبير عن غربة الشاعر ببعديها.

يطرح الباحث سؤالاً عما إذا كان لغربة امرئ القيس أثرٌ في شعره وهو سؤال لم يطرح للبحث من قبل. وعنده أن لهذا الإغفال أكثر من سبب. ففكرة تغّرب امرئ القيس لم ترسخ وتتحدد في السابق، ولكنّ هناك سبباً آخرَ وهو أن البحث في هذا السؤال يقتضي إدراك مقومات الوحدة في شعر امرئ القيس وهو ما لم يتحقّق حتى الآن.

قد نجد في المعلقة أفضل مثال لتوضيح أثر الغربة في شعر امرئ القيس. نجد هذه الأبيات التي يشكو فيها الشاعر طول الليل وجسامة همومه:

ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَــهُ

عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي

فَــقُــلْــتُ لَـهُ لَـمَّـا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ

وأَرْدَفَ أَعْــجَــازاً وَنَـــاءَ بِــكَــلْـــكَــلِ

ألاَ أَيُّـهَـا الـلَّـيْـلُ الـطَّـوِيْــلُ ألاَ انْـجَـلِــي

بِـصُـبْـحٍ، وَمَــا الإصْـبَـاحُ مـنِـكَ بِأَمْثَلِ

فَــيَــا لَــكَ مَــنْ لَــيْــلٍ كَــأنَّ نُــجُــومَــهُ

بــكــل مُــغــار الـفــتـل شُــدّت بـيـذبل

كَـأَنَّ الـثُـرَيّــا عُـلِّـقَــت فـي مَـصـامِــهـا

بِــأَمْــرَاسِ كَــتَّـانٍ إِلَــى صُــمِّ جَــنْــدَل ِ

أما المقطع الذي يلي الحديث عن ليل الهموم فيتضمن مشهد الحصان الرائع المحبوب وهو ينطلق قبل طلوع الصبح ويحطم السكون ويوقظ الطير ويخرج الحيوان من مكامنه:

وَقَـدْ أغْــتَـدِي والــطَّـيْـرُ فِـي وُكُـنَــاتِـهَا

بِــمُــنْــجَــرِدٍ قَــيْـــدِ الأَوَابِــدِ هَــيْــكَــلِ

مِــكَــرٍّ مِــفَــرٍّ مُــقْــبِــلٍ مُــدْبِــرٍ مَــعــاً

كَــجُلْـمُوْدِ صَـخْرٍ حَطَّهُ السَّـيْلُ مِنْ عَلِ

كَـمَـيْـتٍ يَـزِلُّ الـلَّـبْـدُ عَـنْ حَـالِ مَــتْــنِـهِ

كَــمَــا زَلَّــتِ الـصَّـفْــوَاءُ بِــالــمُـتَـنَـزَّلِ

مِـسِـحٍّ إِذَا مَـا الـسَّـابِـحَـاتُ عَـلَى الوَنى

أَثَــرْنَ الـغُــبَــارَ بِــالـكَــدِيْــدِ الــمَــرَكَّلِ

عَـلَـى العقب جَـيَّـاش كــأنَّ اهْـتِــزَامَـهُ

إِذَا جَـاشَ فِـيْــهِ حَـمْــيُـهُ غَـلْـيُ مِـرْجَلِ

إذ قرأنا ذلك بدا لنا ما يشبه الاحتفال بانقشاع الليل وهمومه وبنجاح الشاعر في الفكاك من أسره. لقد خُيّل إليه أن الليل لا يمكن أن ينقضي، وأن الصباح لو جاء لا يمكن أن يفضل الليل، لكنه استطاع أن يطلق في الطبيعة «جلموده» المندفع الممراح، وأن يمزق به الحبال الخفية التي تشدّ النجوم إلى الجبال الرواسي، وأن يعجّل بقدوم الصبح وما يحمله من صيد وافر.

تستمر القصيدة حتى نهايتها متقلبة بين مواقف وأنغام شتى. ومن هذه الحركة تستمد القصيدة وحدتها ويتحدد بناؤها. فليس في القصيدة من وحدة سوى أنها جمعت لحظات شتى من حياة نفس نزاعة دائماً نحو السعادة والإشباع مكتوية أبداً بنار القلق والوحشة.

وقد أصاب الباحث اللبناني إيليا حاوي عندما كتب يقول: «وحديث الشاعر عن الطلل ينطوي على بُعدين جوهريين تتفرع منهما الأبعاد الأخرى. البعد الأول هو رغبته بالحياة وحبه لمتعها ورغبته في الاستقرار بين أحضانها. والبعد الثاني يتولد من شعوره بهروب الأشياء وإدبارها السريع أمامه وحركة التغير في الأشخاص والأحداث.. في البعد الثاني تجتمع عوامل الانقراض والهرم والزوال، العوامل التي تحول معنى الحياة وروضها إلى طلل مقفر، موحش، وتجعله موطن غربة وخراب».

إلا أن ما يسميه إيليا حاوي بالنزاع بين البعدين الجوهريين لا يقتصر على مقدمة المعلقة، وإنما يمتد إلى القصيدة بأكملها ويحدّد بناءها. وليس لأحد أن يقدر المعلقة حق قدرها إذا غاب عنه مثلاً أنها تلك القصيدة التي يتغنى فيها الشاعر من ناحية بأفراح الصبا وملذاته، ويصوّر فيها من ناحية أخرى بطش السيل بالشجر وجذوع النخل والبيوت والسباع.

وقد لاحظ عددٌ من النقّاد أن شعر امرئ القيس بصفة عامة يتضمن الألم كمقوم من مقوماته. ذلك ما رآه الدكتور سيد نوفل فيما يتعلق بشعر الطبيعة لديه. بيدَ أن فكرة الألم في حد ذاتها وبمعناها العام لا تفي بالغرض، وخاصة في حالة المعلقة. فعنصر الألم لا يدخل في القصيدة إلا كطرف في ذلك النزاع الأساسي، وهو في هذا السياق ذو طبيعة محدّدة. فهو ألم لما في الطبيعة من تقلب، ووعي بأن هذا العالم الذي يبذل بسخاء قادر على أن يبطش بضراوة.

وحول غزل امرئ القيس يقول الباحث إن المرأة كانت محوراً أساسياً في تلك الحياة الخارجية التي نشدَ فيها بديلاً عن سعادته المفقودة، وأن الشاعر التمس في تلك المرأة ملاذاً من الوحشة. إلا أن إثبات هذه المعاني وتحليلها وتقصي أصولها وأصدائها في نصوص الشاعر يقتضي بدوره الاهتمام بعوامل الوحدة. وليس من الممكن أن نتفهم طريقة امرئ القيس في الحب أو أن نحدد موقفه من المرأة بصفة عامة إلا إذا تتبعنا تطور تفكيره وتقلب مشاعره عبر عدة مقاطع. ولذلك فإن البحث في غربة الملك الضليل هو في أساسه بحث في مقومات الوحدة في قصائده وفي غزله بصفة خاصة.

يقول الدكتور الطاهر أحمد مَكِّي: «واحتلت المرأة في شعر امرئ القيس مكاناً أهم مما احتلته عند أي شاعر آخر، على نحو تفرّد به، فيعرض لها متذكراً ومتأملاً. في الأولى يأسى على أيامه الخوالي معها، ويكون هذا الجانب جزءاً من مقدماته الطللية.. وفي الثانية تناولها مخلوقاً رقيقاً، يصفه ويستغرق في وصفه.

واضح إذن أن الطاهر أحمد مكي أدرك ما للمرأة من مكانة فريدة في شعر امرئ القيس. كما أدرك أن المرأة كانت أيضاً سلاحاً فعّالاً لقتل الوحشة، فشبّ وقلبه صحراء خالية مجدبة يعمرها الخوف والوحدة. وشيء واحد يمكن أن يملأ قلب الرجل الخالي هو قلب المرأة. وفي نفس الوقت هي أمضى سلاح لقتل الخوف واجتثاث الوحدة.

عندما نقرأ الغزل الوصفي لدى امرئ القيس باعتباره جزءاً من قصص مغامراته، ندرك أن تغني الشاعر بجمال حبيبته وبما تبثه من دفء ونور، وبما تتسم به من رقة وحنان، ليس محاولة لرسم صورة مجردة للمرأة أو لتمجيد الجمال الأنثوي في أكمل صوره، إنما هو تعبير عن بعض الجوانب الأساسية في تجربة حبّه.

وهو لم يستطع أن يستقر في حياة المتعة لأن أباه (الذي ضيّعه صغيراً) حمله عبء الثأر له وبناء ملكه المنهار، وأرسله يضرب في الآفاق مثقلاً بمهمة غريبة على نفسه. الشاعر يحقق في قصصه الغزلية ما عجز عن تحقيقه على أرض الواقع. فهو في هذه القصص يتغلب على كل ما يحول دونه وحياة المتعة ويتخلص من مسؤولياته وأعبائه، ويحقق نفسه، أو لنقل بلغة التحليل النفسي إن امرأ القيس يواجه في تلك العقبات مبدأ الواقع أو عنصر الرقيب، يواجه ضميره وشعوره بالمسؤولية، ويستحضر شبح أبيه ليطرده، وبذلك يتاح له أن ينعم بالاستقرار والأنس.

يقف الباحث وقفة مطولة عند المقدمات الطللية لامرئ القيس فيرى أنه لا توجد هوة فاصلة بين ما يقوله امرؤ القيس في المقدمات الطللية وبين بقية غزله. فالشاعر يضمن هذه المقدمات على الرغم من تجريدها بذور تجاربه الشخصية وبدايات قصصه الغزلية. فهناك قصيدة كالتائية لا يتلو المقدمة الطللية فيها أي غزل، إلا أن هذه المقدمة تنطوي على قصة عاطفية كامنة وإن كانت تتحفز للظهور وتكاد تتجاوز حدود الوقوف على الأطلال. وهناك قصائد أخرى كالمعلقة واللامية والرائية يتم فيها بالفعل تطوير القصة بعد المقدمة الطللية.

والقصة في هذه الحالة، بكل ما تتضمنه من وصف وسرد، امتداد طبيعي للمقدمة.

فالشاعر يروي فيها بالتفصيل ما تذكره بصفة عامة على مشهد من الديار، ويسترجع سعادته المفقودة ويحيا من جديد على صعيد الخيال ما كان له مع الحبيب الغائب.

بل إن من الممكن القول إن المقدمات الطللية في قصائد امرئ القيس ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببقية غزله بحكم تجريدها ذاته، فهي ليست مجرد أبيات يصدر بها قصائده لإرضاء التقاليد على نحو شكلي، وإنما يبدو أنه وجد فيها مجالاً ملائماً لتحقيق ذاته ولعرض جانب مهم من تجربته. فهو لا ينظم مقدماته الطللية إلا انطلاقاً من تجربة معينة واقعية أو خيالية، ويستغل الإطار الصارم للغزل الطللي ليعرض هذه التجربة من موقف معين هو انقضاء السعادة وغياب من يحبّ. ونظراً لأن هناك تجربة حية يصدر عنها الشاعر ويحاول أن يطوّع التقاليد للتعبير عنها، فإننا لا نجد في مقدماته الطللية صوراً مجردة، وإنما نشاهد عملية التجريد إبان حدوثها، فنلاحظ الإطار الصارم يتسع تارة لاستقبال التجربة ليضيق بها تارة أخرى. ونرى الدافع إلى التحفظ والصمت يفسح الطريق للأسى المتفجر والبوح. ومن ثم كانت روعة الغزل الطللي في شعر امرئ القيس.

لقد كان الغزل الطللي جزءاً من تجربة الشاعر الحية. وليس معنى هذا في المقام الأول أن الناس في عصره كانوا يقفون على الإطلال، أو أنه هو نفسه كان يفعل ذلك، وإنما معناه أساساً أن امرأ القيس وجد لهذا الوقوف معنى في حياته الخيالية، وأنه رأى فيه مجالاً للتعبير عن نفسه. وليس من المستغرب أن يتحقق هذا التوافق بين التقاليد وذات الشاعر، لأن صورة المكان الخالي من الأحباب تعبّر خير تعبير عن غربته وشعوره بالوحشة، وتجسّم وعيه الحاد بأن الحب كما عرفه لابد زائل، وبأن حظه في الحب لابد أن يكون في نهاية المطاف حظ الخاسر.

من السهل أن نلاحظ أن امرأ القيس يقف على الأطلال ويصف المرأة ، إلا أن هذه الملاحظة السطحية لا ينبغي أن تتخذ أساساً لتقسيم غزل امرئ القيس إلى مجموعات من الأبيات التي تندرج تحت أنواع أو مواقف ثابتة جامدة مستقلة. فهذه «الأنواع» ليست في حقيقة الأمر إلا أطواراً متشابكة في خط قصصي متطوّر.

وصحيح أن كلاً من هذه الأطوار يستقل بمقطع خاص به، إلا أن تميّز كل طور أو مقطع لا يمكن أن يُعرف في التحليل النهائي إلا بالإشارة إلى علاقاته بالأطوار أو المقاطع الأخرى وإلى وظيفته في البناء القصصي ككل.

وهكذا تنهار استناداً إلى ما تقدم من بحث الدكتور عبدالرشيد الصادق محمودي نظرية القائلين إن الشعر العربي التقليدي يخلو من الوحدة لأنه يفتقر إلى الوحدة العضوية. فللوحدة أشكال متعددة، وقصائد أمرئ القيس تتصف بالوحدة بقدر ما تتضمنه مقاطعها من تماسك وما يقوم بينها من علاقات.

وليس أدلّ على هذه الوحدة من مقاطع الغزل في شعره، فهي تتشابك بحكم بنائها ذاته في قصص واحد.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .