دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 20/6/2018 م , الساعة 12:44 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الفنان والهندسة

الفنان والهندسة

بقلم / توجان فيصل - كاتبة أردنية :

في سبعينيات القرن الماضي، استوقفني (كدارسة أدب ومنه الدراما) مسلسل تلفزيوني مصري كوميدي اسمه «الفنان والهندسة»، والذي كتبه علي سالم (الأديب المبدع رغم اختلافي معه سياسياً لموقفه من إسرائيل) وإخراج المبدع أيضاً محمد فاضل. ولفت نظري ممثل شاب اسمه «عادل إمام»، وحينها توقعت أن يكون لهذا الشاب المستقبل الفني الذي بلغه فعلاً وفي فترة وجيزة بعد ذلك.

المسلسل يروي قصة واحدة تتكرّر كل حلقة، ولكن بصورة مبدعة بحيث تعمّق المشكلة التي يعاني منها الشاب. فهو طالب هندسة، ولكنه يعتقد أنه ممثل فنان مبدع بدرجة أن الهندسة لا تكفي لإظهار موهبته الكبيرة. وفي كل حلقة تلوح له ما يظنها فرصة إثبات إبداعه، فيلقي بكتب الهندسة جانباً، ويهرع لفرصته، ليظهر له أنها غير ما أمل، كأن يكون العرض لكمبارس أو لتصوير دعاية لمنتج يضعه في مواقف حرجة للغاية، فيعود آخر النهار لكتب الهندسة.

ولنأتِ للفحوى الجادة لهذا العمل الأدبي - الفني. فمعنى «الهندسة» لا يقف عند تخصصاتها التي تدرس في الجامعات، بل إن قائمة هذه التخصصات تتسع دوماً بإضافة تخصصات جديدة تتواءم مع تطوّر العلوم التطبيقية كما تتواءم مع تطوّر الحياة والحاجات البشرية التي ليست بالضرورة تقنية. فالكلمة تعني لغوياً في المعاجم العربية «فن الإفادة من المبادئ والأصول العلميّة في بناء الأشياء وتنظيمها وتقويمها» وفي معناها القاموسي الإنجليزي هي أوسع وأدق، كون «الأشياء» هنا تعني طيفاً واسعاً يشمل كل الأنشطة الإنسانية القائمة أو المستحدثة التي تجري المبادرة إليها، فتوضع تصوراتها وآلية تنفيذها. وبهذا المفهوم تكون «إدارة الدولة» بكاملها، نشاط هندسي على تنوّع الاختصاصات وتشابكها وتداخلها الحتمي لتنتج ما يسمى «سياسة»، أي نهج متكامل لحكومة أو حتى للدولة. ولهذا بات وصف «مهندس» يرفق بصاحب سياسة معينة يبلور بها الهدف ويضع له أدوات التطبيق.

بينما «الفن» بكل صنوفه، إبداع شخصي عماده الخيال كونه «خلق» للعمل الفني ولا حدود ولا ضوابط له، لا بل ويقوم الإبداع فيه بفتحه لمساحات غير مطروقة سابقاً. ومع أنه يمكن للفن أن يوظف معطيات علمية (كما في الرسم والنحت الكلاسيكي وفن الصور المتحرّكة ثلاثية الأبعاد) ولكن يمكن بالقدر ذاته أن يخرق الفنان تلك المعطيات ويعتبر خرقه هذا من مقوّمات إبداعه. والإبداعات الفنية تثمن عالياً وبمئات بالملايين، ولكن دفع الملايين ثمناً لفعل أو موقف سياسي، لا يعني أن ذلك الفعل إبداع فني ولا يعتبر فاعله فناناً كل ما يحمل توقيعه مضمون شرائه بهكذا أسعار.

صحيح أن الدفع الداعم للفنانين من حكام كان يحمل ذات تسمية الرعاية (patronage)، كما الدفع لدول «مرعية» الآن، إلا أن الرعاية الثانية، بعكس الأولى، تعتبر مدمّرة سياسياً، فيما تيسير الإقراض المفتوح يعتبر مدمراً اقتصادياً. وكلاهما لغرض الإخضاع وليس لإطلاق «مواهب» نادرة.

لوهلة، حين جرى عزل الحكومة التي انقضت على جيوب الشعب بطلب دفع ضرائب يشبه السطو المسلح، وجرى تكليف رئيس حكومة يعتبر اقتصادياً مؤهلاً عالياً، ولم يرتبط اسمه بصفقات فساد كغالبية الوزراء. بل ووحده أنجز تطويراً في الوزارة التي تولاها وهي «التربية والتعليم» التي حالها كان في مقدمة أمثلة تدهور الخدمات الأساسية. فتفاءل الشعب وظن أننا دخلنا، أخيراً، عهد «هندسة» إدارة الدولة بماليتها واقتصادها وخدماتها. ولكن ما إن صدرت دعوات عربية لمساعدة الأردن (وحتى إسرائيلية ما يوجب تعميق الشك في هدف المعونات والإقراضات السابقة)، حتى عاد الظن الرسمي بأننا قمة في الفن السياسي نبتدع ما لا يقدر عليه غيرنا، وأنه لهذا ستنهال علينا مئات الملايين بل والمليارات.

وحتماً جرى رمي كتب الهندسية وسحب التخويل المفتوح للمهندس المكلف. فقد تسرّب أن الدكتور الرزاز ألزم بالتراجع عن اتفاقه مع وزراء من اختياره، وقبِل بفرض نصف وزراء الحكومة التي أسقطها الشعب لتوه على حكومته، بل وقبِل فرض هولاء، وغيرهم ممن لم يعد ممكناً إعادتهم لفداحة ما صدر عنهم، لوزراء جدد غير مؤهلين للمنصب في تنفيع صريح لمحاسيبهم!

ولم يحُل تبيّن أن المعروض على الأردن جلّه بسوية الأدوار المعروضة على «طالب الهندسة» في المسلسل الذي يكاد يكون استشرف حالنا، فيما ما عرضته قطر الآن كما في السابق - ولهذا جرى استهدافها لسنوات - هو تمويل مشاريع تنموية تنتج فرص عمل، وأن تقوم هي بتشغيل عشرة آلاف أردني لديها، والأهم الذي استوقفني، احترامها لشبابنا المهددين من حكومتهم قبل أيام بقطع الراتب الشحيح وبالسجن وبالغرامات، إذ صرّح وزير خارجية قطر أن هؤلاء الشباب سيشكلون «إضافة نوعية» لسوق العمل القطري! هذا والدولة المتبرعة لنا محاصرة، وردها على الحصار ليس باستنزاف ثروة أجيالها القادمة، بل هي هندست اقتصادها بحيث حققت في فترة قصيرة جداً اكتفاءً ذاتياً في أكثر من مادة وخدمة أساسية لحينه، فيما نحن نصرف القروض والمعونات على وزراء فاشلين وفاسدين يحضرون معهم أقرباءهم وأنسباءهم ومحاسيبهم لتولي وزارات تحقق لهم تقاعدات ضخمة في شهور، بل وسجلت الحكومة السابقة توزير حوت من القطاع الخاص ليوم واحد، معروف أن توليه لأي منصب عام ممنوع كونه حُكم بجريمة قتل، وبدل أن يعلن بطلان تعيينه، أكملت الخطة التنفيعيّة بتقديمه استقالته في اليوم التالي، ليصرف له تقاعد وزير بقية حياته!!

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .