دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 30/9/2017 م , الساعة 1:06 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

د. سعيد يقطين يرصد في كتابه مفاهيم وتجلّيات السرد

إعادة الاعتبار للسرد العربيّ القديم

ديوان العرب لم يكن الشعر وحده بل السرد أيضاً
ديوان السرد أبدع فيه العربي نصوصاً في مُنتهى البراعة والجمال
تجديد فكرنا الأدبي يتطلّب إعادة النظر في كل ما انتهى إلينا قبل تبلور الوعي بالسرد
لا يمكن دراسة السرد كما درسنا الشعر على صعيد الرؤية أو التصوّر
السرد كان فاعلاً ومؤثراً قوياً في الأدب ولا تقلّ مكانته عن الشعر
إعادة الاعتبار للسرد العربيّ القديم

أدبيات كثيرة ونوادر تُحكى حول القاصّ في مختلف المصنفات العربية القديمة

أنتج العرب السرد وتركوا لنا تراثاً هائلاً منذ ما قبل الإسلام

بقلم - جهاد فاضل:

في ثلث القرن الماضي، على الأقلّ، فقد الشعر العربي الكثير من النفوذ الذي كان له عبر العصور الغابرة، وبرز جنس أدبيّ آخر يزاحمه بل يتفوّق عليه هو السرد أو القصّ.

وعند إعادة النّظر بتاريخ الأدب العربيّ القديم تبيّن أن السرد لم يكن النسيب الفقير للشعر، بل كان نسيباً فاعلاً ومؤثراً قوياً في هذا الأدب، فهو موجود في الجاهليّة، وموجود في صدر الإسلام، وفي الإسلام، ولا تقلّ مكانته في الحياة العربية عن الشعر. لقد كان السرد والشعر جناحَي هذا الأدب، ولم يكن أحد هذين الجناحين مهيضاً أو ضعيفاً. وعندما يعيد الباحثون العرب اليوم قراءة أدبنا، القديم منه كما الحديث، يجدون أن ديوان العرب لم يكن الشعر وحده بل السرد أو القصّ أيضاً. فهما معاً يؤلّفان هذا الديوان. وكل هذا من أهم ما طرأ في دراسة الأدب العربي.

لقد انتبه هؤلاء الباحثون إلى أن الأدب العربي متعدّد الأنواع والفنون. وظهرت دراسات وأبحاث تتناول بعض هذه الأنواع منفصلة أو متصلة، منها كتاب «قصصنا الشعبي» لفؤاد علي حسن (1947)، وكتاب «الأدب القصصي عند العرب» لسليمان موسى (1983)، وكتاب «بناء النص التراثي» لفدوى مالطي دوغلاس (بدون تاريخ)، وكتاب (السردية العربية، بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي» لعبدالله إبراهيم (1992)، وكتاب «التاريخ القصصي في الأدب العربي» لأحمد رجب النجار (1995). وهناك العديد من الدراسات العربية التي باتت تسير في هذا الاتجاه من الاهتمام.

مفاهيم وتجليات السرد

ومن الباحثين العرب الذين انصرفوا إلى دراسة السرد العربيّ القديم الباحث المغربي الدكتور سعيد يقطين الذي أصدر في السنوات الأخيرة عدّة دراسات في هذا المجال، منها هذا الكتاب الذي نعرض له «السرد العربي مفاهيم وتجليات»، ومنه نفهم أننا عندما نعود اليوم إلى ما تركه العرب في هذا المضمار سنجد أنفسنا أمام تراث مهمّ. هذا التراث أثار الانتباه إليه منذ عصر النهضة، لكن ذلك لا يتناسب وما عرفه هذا التراث من إنتاج ضخم. فدراسته ما تزال قليلة ومحدودة. ومعنى ذلك أن بعض ذيول التصورات القديمة حول ما يُسمى بالسرد العربي ما تزال تفرض نفسها بإلحاح. من الأقوال التي كان لها دور خاص في الثقافة العربية القول الذي يقرر أن الشعر ديوان العرب. وقد فُهم فهماً حرفياً. وقد تأثر «السرد» سلباً بآثار هذا القول، ونفوذه السحري، فغدا بمنأى عن الاهتمام النقدي والتنظيري في المجهودات التي ترك لنا العرب من خلالها تراثاً مهماً وهائلاً. وهنا مكمن المفارقة، ظل العرب ينتجون «السرد»، ويتداولون كل ما يتصل به أو يندرج في إطاره من أخبار وحكايات وقصص وسير ومقامات..

ديوان السرد

لقد انصبّ الاهتمام على الشعر باعتباره ديوان العرب. لكن ديواناً آخر ظلّ يزاحمه المكانة نفسها على الصعيد الواقعي. بل إنه في أحيان كثيرة كان يتبوأ مكانة أسمى، سواء من حيث الإنتاج أو التلقي. يشار هنا إلى المساجلات التي تمّت بصدد الشعر والنثر والمفاضلات التي أُثيرت بينهما منذ القرن الثالث الهجري. لكن المعرفة الأدبية القائمة على التقليد الثقافي السائد لم توله ما يستحقّ من العناية والاهتمام. فظل أبداً مجالاً مشرعاً للإبداع وإن بقي يقابل بالإهمال وأحياناً بالازدراء. وهناك أدبيات كثيرة ومصادرات عديدة ونوادر تُحكى حول القاصّ في مختلف المصنفات العربية القديمة.

يدافع الباحث المغربي عن «السرد» القديم أفضل دفاع، فيرى أن «ديوان السرد». رغم كل المصادرات والنوادر، ظل فارضاً نفسه، ومضماراً أصيلاً أبدع فيه العربي، وعلى مدى عصور طويلة، نصوصاً في منتهى البراعة والحس والجمال.

وقد وصل العديد منها إلى مستوى العالمية وصار إنتاجاً إنساني البعد والنزعة، وعلى درجة سامية من الإبداع الإنساني الرفيع، ومنه، على سبيل التمثيل فقط، ألف ليلة وليلة، أو الليالي العربية، كما تُعرف في الغرب.

العرب أنتجوا السرد

إنها مفارقة حقيقية فعلاً، ذلك لأننا نجد الإنتاج حين يتعلق الأمر بالسرد، غنياً وغزيراً، ولكننا بالمقابل نجد أن «الثقافة العالمة» لا تضعه في صلب انشغالاتها في البحث والدراسة أمداً طويلاً من الدهر. لقد أنتج العرب «السرد»، وما يجري مجراه، وتركوا لنا تراثاً هائلاً منذ ما قبل الإسلام. وظلّ هذا الإنتاج يتزايد عبر الحقب والعصور، وسجل لنا العرب من خلاله مختلف صور حياتهم وأنماطها، ورصدوا من خلاله مختلف الوقائع وما خلفته من آثار في المخيلة والوجدان، وعكسوا عبر توظيفهم إياه كل صراعاتهم الداخلية والخارجية، كما تجسدت لنا من خلاله مختلف تمثيلاتهم للعصر والتاريخ والكون، وصور تفاعلاتهم مع الذات والآخر.

الشعر والسرد

ويقول سعيد يقطين: وإذا ما عرّفنا السرد بأنه نقل الفعل القابل للحكي من الغياب إلى الحضور، وجعله قابلاً للتداول، سواء كان هذا الفعل واقعياً أو تخييلياً، وسواء تم التداول شفاهاً أو كتابةً، ونظرنا إلى تاريخ الإنسان العربي وموقعه الجغرافي منذ القدم بين حضارات مختلفة، لظهر لنا فعلاً أن الحضارة العربية لا يمكنها أن تقوم فقط على الشعر، ولكن على السرد أيضاً. ونريد أن نغامر لنقول إنها قامت وبصورة أعمّ على السرد. إن السرد ديوان آخر للعرب (ولنتذكر الأسمار والمجالس)، بل وهنا يمكن أن أُجلي مبالغتي وأقول إنه أهم وأضخم ديوان، لا سيما عندما نتبين أن جزءاً أساسياً من الشعر العربي ينهض على دعائم سردية.

ويضيف: من خلال تجربتي الشخصية يظهر لي أنه لولا اهتمامي السردي ما كان لي أن أعود إلى العديد من المؤلفات العربية التي كنا نعتقد أنها تتصل بمجال ضيّق لا تتعداه إلى غيره. إننا عادة ما نحنط أعمالاً بعينها بوضعنا إياها في خانة معينة، ونرى أن التعاطي معها يخرج عن دائرة اهتمامنا.

وبذلك نتصوّر أن هذه الكتب للبلاغي، وتلك للفقيه، وهذه للباحث في الشعر، وسواها للمؤرّخ أو المفسّر.. في حين نلاحظ أن إعادة النظر هذه تتيح لنا رؤية مغايرة وتصوراً مخالفاً. وما يمكن قوله عن «البيان» و»الأغاني»، يمكن قوله عن كتب التاريخ والجغرافيا والرحلات والأخرويات والكونيات، وكتب تعبير الأحلام، هذا إلى جانب ما نسلم به بأنها أعمال حكائية واضحة الملامح كالحكايات العجيبة والقصص والسير.

تراثنا السردي

إن إعادة النظر بهذه الصورة إلى تراثنا السردي، لا تتصل فقط بالرجوع إلى «الماضي» كما يحلو للبعض أن يلاحظ، والاحتماء به، أو الابتعاد عن مشاكل العصر. إنها رجوع إلى «ماضٍ» منسيّ ومغْفل ومهمّش. كما أن هذه العودة حين تتم من منظور جديد، فإنها ترمي إلى تغيير نظرتنا إلى الماضي، وتوجيهها وجهة أخرى لا يمكنها إلا أن تُسهم في تطوير رؤيتنا إلى النصّ العربيّ وتطوير أدواتنا وإجراءاتنا.

 لقد تمّت مع عصر النهضة إعادة النظر في آدابنا العربية تحت تأثير مُتطلّبات التحوّلات العميقة التي مسّت الوجود العربي. وبذلك ظهر على سبيل المثال مفهوم «الأدب العربيّ» وكان يومها مفهوماً جديداً. كما استدعت الضرورة ظهور «تاريخ الآداب العربيّة»، وتحديد الفنون، وتصنيف الأنواع، ويبدو ذلك بجلاء مع أعمال جرجي زيدان وأحمد حسن الزيات وطه حسين.. هذا التجديد لم يتطوّر ولم يتغيّر منذ ذلك الحين.

تجديد فكرنا الأدبي

نتحدث إلى الآن عن الأدب كما عُرف في تلك الحقبة وما تلاها، ونحدد الأنواع بالصور التي تحققت في تلك الأعمال، ونحن نعرف تماماً الحدود التي كانت تحكمها والشروط التي حددتها. لقد تغيّر الشيء الكثير منذ ذلك الوقت، لكن تصوراتنا عن مثل هذه القضايا لم يطلها أيّ تغيير يمسّها في العمق.

إنّ تجديد فكرنا الأدبي يتطلّب إعادة النظر في كل ما انتهى إلينا قبل بداية تبلور الوعي بالسّرد بالصّورة التي نحدّد. وتبعاً لذلك تصبح إشكالات «القراءة» و»النظرية» و»المنهج» تفرض نفسها علينا بإلحاح. كما أن الأسئلة الأولية تصبح تشكل حجر الزاوية في أي تفكير أو بحث في الأدب.

ويرى الباحث أنه لا يمكننا أن ندرس السرد العربي كما درسنا الشعر العربي، سواء على صعيد الرؤية أو التصوّر. لابد لنا من عدّة جديدة، ومن تصوّر ومن منهاجية جديدة. وما يستجيب لهذا الأمر يتأتى لنا بوضوح من خلال «السرديات» كاختصاص علمي يهتمّ بالسرد. «لا يعني ذلك أنني أرى ضرورة أو أهمية للنظريات السردية الأخرى في اقتحام مجال السرد العربي. إني على العكس أدعو إلى ممارسة الاختيار المنهجي وحرية الأخذ بما يتناسب وأسئلة الباحث والدارس.

إعادة تشكيل الهُوية

والوعي بالكتابة في تاريخ الأدب العربي تحقّق في مستهل القرن الماضي مع بداية الإحساس بضرورة إعادة تشكيل الهُوية العربية على أسس جديدة مع ما يُعرف بعصر النهضة. في هذا النطاق نجد كارلو نالينو المستشرق الإيطالي الذي كان يدرس في جامعة فؤاد الأول، يقول في تصدير محاضراته عن تاريخ الآداب العربية محفزاً طلاب العلم والمشتغلين بالأدب العربي على الاهتمام بتاريخ الأدب مخاطباً إياهم بقوله: «إن شدة الاعتناء بآداب لغتكم الشريفة وتاريخها ليست فقط مسألة علمية، بل خدمة جليلة لوطنكم يحقّ عليكم القيام بها». ويضرب أمثلة من الأمم التي تهتم بآدابها وتاريخها، ودور ذلك في تجاوزها مختلف المشاكل التي تعترضها، «وإن راجعتم كتب تواريخ الغرب ألفيتم أن بعض الأمم الإفرنجية قد تراكمت عليها الفتن والحروب، سلمت من الفناء التام لتمسكها بحفظ آداب لغتها والعناية بتخليد ذكر مآثر قدمائها العلمية والأدبية».

تاريخ الأدب العربي

سار على نهج نالينو العديد من الدارسين وعلى رأسهم طه حسين في اهتمامه بالأدب الجاهلي. ومنذ ذلك الوقت أخذت تتوالى الإصدارات المتصلة بتاريخ الأدب العربي من قبل دارسين عرب وأجانب. ورغم الأدبيات الكثيرة التي أُنجزت، فإن السؤال الإشكالي الذي طرحه طه حسين «متى يوجد تاريخ الآداب العربي؟» ما زال يفرض نفسه بإلحاح. إن مختلف هذه الأعمال ظلت تحاصرها عوائق شتّى وقيود عديدة لم تفلح في تجاوزها.

 ويمكن إجمالها في كونها ظلّت حبيسة الرؤية الغربية التقليدية للتأريخ للأدب، والتي تشكّلت أهم ملامحها فيما عُرف بالنقد العلمي في القرن التاسع عشر مع سانت بوف وبرونتيير وتين. كما أن التصور الذي حكم الرؤية العربية إجمالاً للتراث كان له إلى حدّ كبير دخل في ذلك. هذه هي الضرورة العامة وهي تتصل بتاريخ الأدب العربي بوجه عام، وبالإشكالات التي يطرحها، والبحث بتاريخ السرد العربي يأتي استجابة لهذه الضرورة، إذ لا يمكن ترهين البحث في تاريخ الأدب العربي وتحيينه دون اعتبار جنس له حضوره وخصوصياته، ودون إدراجه وإحلاله موقعه المناسب ضمن هذا التاريخ.

التحوّلات الكبرى للإبداع

ثمة ضرورة أخرى تتّصل بالسرد في ذاته. إن البحث فيه باعتباره جنساً له مقوّماته وملامحه المميّزة، يجدّد النظر إلى أدبنا العربي، ويدفعنا إلى إعادة قراءته، معتبرين هذا الجنس وواضعين إياه في سياق التحوّلات الكبرى التي عرفها الإبداع العربي. وسيسمح هذا لنا باكتشاف مناطق مُهمّة من الإنتاج كنّا نعتبرها غير ذات صلة مُباشرة بالأدب، وبالانتباه إلى العديد من المُصنّفات الأدبية التي كنا نعود إليها فقط لتحقيق النصوص الشعرية، أو استقصاء بعض الآثار التاريخية. وأقصد هنا الالتفات إلى جانب كتب الأخبار والحكايات، إلى ما أسمّيها «المصنفات الجامعة»، وهي ما كان يسمّيها القدماء بـ «كتب المحاضرات» على وجه خاص». إنها مصنفات حقيقية للأدب واللغة؛ لأنها كانت تجمع كل ما يمكن أن «يحاضر» به لما يتمتع به من سمات تؤهله لذلك. وبالنظر إلى هذه المصنفات نجدها تزخر بأعداد هائلة من المواد الحكائية المختلفة الأنواع والأشكال. وكل ذلك لم نهتم به الاهتمام الكافي الذي يجلي لنا طبيعة هذه النصوص وخصوصيتها (كتب الأمالي، عيون الأخبار، نثر الدّر، التذكرة الحمدونية..).

إن البحث في هذا الضرب من المصنفات وما يناظرها من الناحية السردية يقدّم لنا إمكانات مهمة لتجديد رؤيتنا إلى الأدب العربي ويجعلنا نعتني بالعديد من النصوص التي كنا نتعامل معها لغايات خارج أدبية. وتعزّز هذه الضرورة الرغبة في الإحاطة والشمول اللذين غابا في كل الأعمال التي اهتمت بالتأريخ للأدب العربي.

المكتبة السردية

يطرح سعيد يقطين السؤال التالي:

هل يمكننا الحديث عن مكتبة سردية عربية؟ وعن هذا السؤال تتولّد أسئلة أخرى من قبيل: ما هي ملامح هذه المكتبة السردية؟ وما هي أهم الأنواع السردية التي تتشكل منها أو تهيمن فيها؟ ولماذا؟ وكيف تطورت هذه المكتبة في الزمان؟ وهل كان حظ المناطق العربية المترامية مما تحقق فيها متساوياً؟ وهل هذه المكتبة تستجيب لكل فئات القراء، أم تقتصر على فئة دون أخرى؟ وكيف يمكننا إعادة ترتيب مواد هذه المكتبة ومتونها ونصوصها لتتلاءم مع الذوق العام الحديث ويسهل التعامل معها في ضوء التقنيات الحديثة والجديدة في علم المكتبات؟

يجيب الباحث عن هذه الأسئلة في كتابه ويلاحظ ما يلي:

لقد جمعت الدواوين الشعرية العربية القديمة، وتمّت صناعة دواوين أخرى من مظان مختلفة لشعراء عديدين، لكن المادة الحكائية العربية لم ينجز بصددها ما تحقق في الشعر. لا يعني هذا أن العرب لم يهتموا بالأخبار ولم يعملوا على التصنيف فيها، أو أنهم لم يلتفوا إلى تراثهم الحكائي ولم يقيدوا شوارده، أو يدوّنوا غرائبه وعجائبه. لقد قام العرب القدامى بتدوين كل ما انتهى إليهم مما احتفظت به وحملته الذاكرة العربية إليهم حتى وقت التدوين، رغم أن ما وصلنا مما دوّن قليل بسبب ما تعرضت له العديد من تلك الأعمال من الضياع. لكننا عندما نعود الآن إلى ما وصلنا، نجده مشتتاً ومتفرقاً في العديد من المظان التي يصعب أحياناً تخيل أن بها مواد سردية أو حكائية.

طبيعة السرد

ورغم بعض المحاولات التي قدمت في القرن الثاني للهجرة وما بعده للتصنيف في «الأخبار» و»الحكايات» فإن الطابع نفسه يظل مهيمناً، ويجعل مهمة البحث في السرد العربي معقدة ومركّبة.

إن المصدر الحقيقي لهذا الوضع يعود إلى طبيعة السرد في حدّ ذاته، فهو موجود في العديد من الخطابات بصورة أو بأخرى ويأتي أحياناً عديدة مضمناً في خطابات متعددة . فعندما يستشهد مفسر للقرآن الكريم أو خطيب في المسجد مثلاً بواقعة أو حادثة وقعت في زمانه، أو ينقل بعض الأخبار أو الحكايات أو النوادر أو اللطائف المعاصرة له، فإن هذه المادة ستظل مطموسة وسط هذا الخطاب الذي ندرجه في العادة في نطاق «التفسير» أو «الخطبة»، وقس على ذلك من خطابات شتّى.

ولن يتأتى لنا الانتباه أبداً إلى أن داخل بعض الخطب أو التفاسير، أو سواها من الخطابات، موادّ حكائية قد لا تقل أهمية أو قيمة عما نعتبره من المواد الحكائية وهو متداول أكثر من تلك النصوص السردية «المحجوبة» داخل خطابات متنوّعة. هذه الطبيعة السردية المعقدة ساهمت بدور كبير جداً في صعوبة وجود مكتبة سردية متكاملة، ورغم المحاولات التي أنجزت في العصر الحديث، فإن مطلب هذه المكتبة السردية «الشاملة» ما يزال يفرض نفسه؛ لأنه هو الذي سيسمح لنا بتعميق فهمنا للسرد العربي من مختلف جوانبه، ويجعلنا فعلاً قادرين على كتابة تاريخه، وإنجاز تصوّرات متكاملة بصدد أنواعه وأنماطه.

عرضنا فيما تقدّم لأفكار أساسية في كتاب الباحث المغربي الكبير الدكتور سعيد يقطين: «السرد العربي/‏ مفاهيم وتجليات» الذي يمكن أن يضاف إلى كتب أخرى كثيرة له أو لباحثين عرب أجلاء مثل الدكتور عبدالله إبراهيم، والتي أعادت اكتشاف «مؤسسة» سردية أو حكائية عربية قديمة لا تقل نفوذاً وخطورة عن «مؤسسة» الشعر . أبلى هؤلاء الباحثون الكبار بلاء عظيماً في إعادة الاعتبار لهذه المؤسسة وأثبتوا أن «الراوي» مزاحم خطير « للشاعر» في تراثنا القديم، وأنه جدير بأن يوليه العرب المحدثون المكانة التي له في هذا التراث. وهذا كشف عظيم لا يقلّ أهمية عن أيّ كشف أدبيّ أو ثقافيّ آخر.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .