دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الجمعة 8/3/2013 م , الساعة 7:21 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الشكل الأنضج بين التجارب الحداثية في ألمانيا

جانسن صاحب فكرة تنوع اللون

الألوان جعلتني أحتفظ بهذا الطفل خلف وجهي العجوز
جانسن وفوندرليش وجريسكو كونوا ملامح مدرسة هامبورج الفنية
أسلوبه يوازي أسلوب مدرسة الرفض النفسي للهزيمة في الأدب الألماني
جانسن صاحب فكرة تنوع اللون

بقلم: باسم توفيق ..
(حينما كنت أكبر وأنمو كولد صغير كنت أشعر أنني أعيش في عدة دوائر لونيه متداخلة فحينما كان يحملني جدي بين يدية ويجتاز الحديقة الصغيرة أمام منزلنا ثم يعبر في طرقات الحي بين المنازل العتيقة كنت أشعر أنني أغادر بعيني منطقة لونية إلى منطقة أخرى وكنت أرى دائمًا بائعي الحلوى في منطقة لونية مبهجة بين الخضراء والبرتقالي وهي نفس ألوان الحلوى اللذيذة التي كان يبتاعها لي جدي ومرّت الأيام وأصبحت فتًا يافعًا ولازمتني أحاسيسي اللونية فحينما كنت أرى النساء كنت أرى أن أجسادهن تنقسم لمجموعة مناطق لونية متداخلة ومتباينة تضم الأحمر بدرجاته ثم الأزرق بتنويعاته وهكذا حيث مازلت أؤمن بأن الأحاسيس الجسدية مجموعة من الومضات اللونية.. وبمرور الأيام أصبحت الألوان تسيطر على حياتي بشكل غير مرئي كما أن الألوان هي التي جعلتني أحتفظ بهذا الطفل خلف وجهي حيث أجد نفسي في أوقات كثيرة مدفوعًا بعاطفة غريبة لرسم القطط والطيور وقوس قزح حيث يسكن هذا الطفل خلف ذلك الوجه العجوز).

هذه الكلمات الجميلة والعميقة التي قد تؤخذ على أنها نظرية نفسية عن الألوان هي كلمات الفنان الألماني العظيم هورست جانسن الذي أصبح يلقب بزعيم المدرسة الألمانية الحديثة في الفن التشكيلي حيث يعتبر جانسن هو الشكل الأنضج من تجارب المراهقة الفنية الحداثية في ألمانيا ويعتبر كذلك رمزًا واضحًا للفن التشكيلي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية من حيث إنه يوازي في الأدب مدرسة الرفض النفسي للهزيمة ومن ثم محاولة التعبير عن رفض النازية أيضًا من خلال الفن.

يُعد هورست جانسن (1920 ـ 1995) واحدًا من أهم الرسّامين والنحّاتين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا. لم يكتسب هذا الفنان المبدع وصاحب الموهبة الفذة شهرة في ألمانيا فحسب، بل تعدّت إلى حدود الشهرة العالمية. ومن خلال شهرته هذه كفنان عالمي استطاع مع زميليه باول فوندرليش وجورج جريسكو وضع ملامح مدرسة هامبورج الفنية في الستينيات من القرن الماضي ونقل فن الرسم الألماني إلى آفاق العالمية .

لقد ترك جانسن لبلاده وللبشرية ثراثًا فنيًا مازالت المعارض المحلية والعالمية تفخر بعرضه في كل مناسبة، ومازالت أعماله الفنية تجذب أنظار الناس إليها، نظرًا لدقة الإبداع والجمال التي تميز بها. لقد ترك جانسن حوالي 3000 عمل فني من إنتاجه الفردي، بالإضافة إلى أعمال مشتركة مع فنانين آخرين، ومن أشهر أعماله الفنية مجموعة "موت هانو" Hannons Tod ومجموعة (Carnevale di Venezia).

ولد جانسن في مدينة هامبورج الألمانية، وترعرع في مدينة اولدنبورج يتيم الأبوين. تلقى تعليمه في مدرسة للفنون في هامبورج. ونظرًا لتفوقه في فن الرسم والنحت حصل يانسن على منحة لدراسة الفن من قبل إدارة مدينة هامبورج عام 1952. وفيما بعد حصل على منحة أخرى من قبل الدائرة الثقافية في اتحاد الصناعات الألمانية، لمواصلة دراسته وصقل موهبته.

ومن الجوائز التقديرية التي حصل عليها جانسن جائزة الفنون من مدينة دارمشتات عام 1964، والتي كانت أول جائزة يحصل عليها. بعد ذلك توالت عليه الجوائز التقديرية والأوسمة والميداليات المختلفة في حياته، كما لقي أيضًا تكريمًا خاصًا بعد موته. وعلاوة على ذلك منح المواطنة الفخرية لمدينة اولدنبورج الألمانية، تقديرًا لمساهماته الفنية والإبداعية. وبعد موته بسنتين قامت إدارة مدينة هامبورج بتخصيص قاعة تحمل اسم جانسن في صالة الفنون التابعة للمدينة، تضم مجموعة من أهم أعمال هذا الفنان.

ويعتبر أسلوب جانسن أسلوبًا مطورًا لما يعرف بالتجريد حيث نستطيع أن نقول: إن جانسن يعتبر صاحب الاتجاه شبه التجريدي في الفن التشكيلي الحديث حيث يقع جانسن في منطقة وسطى بين كاندينسكي وبين بيكاسو إذا جازت المقارنة،حيث إن جانسن يمسك بخيوط التجريد من ناحية التكوين ويلقى بالأفكار الحداثية الأخرى من خلال اللون والتوزيع الكتلي في اللوحة، وليس هذا فقط فهورست جانسن يعتبر في أعمالة الكارتون (التخطيطية) محافظاً على الاتجاه الكلاسيكي في مدرسة الكارتون حتى إنه يميل إلى دافنشي من الناحية التشريحية، كما تبدو عنده رواسب لعدة مدراس أهمها الانطباعية حيث يؤثر فان جوخ كالعادة في معظم الفنانين الألمان والنمساويين ويبدو ذلك واضحًا في الكارتون الشهير الذي رسمه جانسن والمسمى (طريق طويل) وهو عبارة عن رسم تخطيطي لحذاء مهمل على ما يبدو من شدة المشي ويذكرنا الكارتون مباشرة بلوحة فان جوخ الشهيرة (حذاء).

لكن النقطة الأكثر تميزًا لدى هورست جانسن هي تقديسة لدور اللون في الطرح التشكيلي لدرجة أن اللون أحيانًا يكون وبشكل صريح جزءًا من الفكرة التي تعبّر عنها اللوحة مثل لوحة (القط الأزرق) و (الفارس الأحمر) .

كما يذكرنا التزاوج في البورترية بين الوجه نفسه وهيكله العظمي بكارتونات دافنشي الشهيرة ما يجعلنا نجزم بتأثره بأسلوب دافنشي التشريحي كما ذكرنا قبل ذلك.

ومن مظاهر الاحتفاء والتكريم الخاصة التي حظي بها هذا الفنان أن افتتح له عام 2000 في مدينة اولدنبورغ متحف حمل اسمه "متحف هورست جانسن."

وعلى المستوى الدولي أقيمت له الكثير من المعارض الفنية؛ من أشهرها معرض فني متنقل جاب الولايات المتحدة الأمريكية، حظي بإعجاب الجمهور الأمريكي العادي والنقاد على حد سواء، حيث أشادوا بموهبة جانسن الفنية والإبداعية.

وفي عام 1990 حدث حادث كبير للفنان الكبير جانسن حيث سقط من شرفة منزله ما جعله يعيش قعيدًا وملازمًا فراشه لمدة خمس سنوات حتى وفاته في عام 1995.

من هنا، يعتبر موت جانسن كان موتًا مأساويًا أيضًا فهذه الفترة التي عاشها قبل موته عاجزًا وقعيدًا قد عطلت مشاريعة الفنية بل وألغتها نهائيًا، حيث مات بعد هذه الفترة مباشرة ، لكن جانسن مات بعد أن أثرى الساحة الفنية والعالمية بأعماله شديدة الحساسية والتميز، والتي شكلت فلسفة خاصة في مجال الفن التشكيلي، ربما نستطيع أن نطلق عليها فلسفة (تقديس السطوح اللونية).

كما يعتبر أيضًا جانسن هو الحلقة الواصلة بين التجريد في بدايته وبين التجريد الحديث، لأن جانسن أعطى للتجريد أفكارًا جديدة جعلته لا يقتصر على التحوير والتلغيز فقط، بل جعلته ينطلق إلى رحابة شديدة البساطة.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .