دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 16/11/2017 م , الساعة 2:29 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

كلمات.. فارقتها الرّوح فصارت آلة خشبية في الخطاب!

كلمات.. فارقتها الرّوح فصارت آلة خشبية في الخطاب!

بقلم : أ.د. عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..
بات المواطن العربي يمقت الكلمات المجترّة التي فقدت جمالها وروحها ووظيفتها، في الخطاب اليومي، لم أكن أضيق بمثلها حين أسمعها من أوروبي يُخاطب أوروبياً، يلتقي به لأول مرة ولا يعرف حتى اسمه بصيغة (يا صديقي) لأنني أعي جيداً أنها آلية مجترّة في خطاب ميّت هنالك بين الأفراد، وهي تعكس جانباً من التفكير الفرنسي مثلاً القائم على الخداع في المجاملة، كحال هذا الذي تتصل به هاتفياً، لأمر ما إداري ونحوه، لا تعرفه شخصياً ولا يعرفك، لكنه قبل أن يضع السمّاعة يودّعك بجملة (أقبّلك) التي تعني لدينا (تحياتي) تفقد هذه كما لاحظت لديهم عمقها الحميمي، فتخلو من أيّ نبض تحمله الألفاظ.

هذا النبض كان في تحيّة (المسلم) أخاه: (السلام عليكم) التي تعمّق المودّة، ففي الحديث النبوي لا يزال شيء من ظلالها الروحية لدى (مؤمنين) لكنها صارت لدى (مسلمين) آلية مختصرة: (وعليكم السلام) بل أكثر اختصاراً (السلام) دون العمل بالتوجيه الإلهي: «وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها» بكلماتها إن ثقلت الألسنة اللاهية بإضافة: «ورحمة الله تعالى وبركاته»! لفعل الشيطان الذي يُفرغ الأجساد من أرواحها، فتفقد هُويّاتها!

،كلمات مثل (التحية الباردة) استحالت صيغاً خشبية في المعاملات العامة، حتى ابتذلت؛ فمسّ الابتذال الشائع منها، مثل (الصديق) (الأخ) (المجاهد) حتى (الأستاذ)

لم تبق لكلمة (الصديق) دلالتها الروحية السامية: مودة وتعاوناً في السراء والضراء، وتضحية ووفاء، تزيده الأيام توطّداً ورسوخاً، صارت مصالح وأهواء عرضة للانهيار، ولو بعد عشرات السنين في النفوس الضعيفة، حين يمسّ الخراب الأرواح، فتعظم الانهيارات، فلا تثبت إلا تلك القائمة على المودة الصادقة، والتعاون من دون أغراض ظرفية مادية أنانية.

إلى جانب كلمة (الصديق) تنزوي كلمة (الأخ) منطوية على نفسها كئيبة ممّا لحقها من أذى تاريخي بعد أن كانت عزيزة كريمة إسلامياً «المسلم أخو المسلم .. «فوق العرق والقبيلة، ربما (صدّرناها) للأوروبيّين، فصار الخطاب بين ملوكهم والأباطرة بصيغة «أخي العزيز» فانزعج الفرنسي (نابوليون الثالث) من غيابها في خطاب وصله من (قيصر روسيا) فبادرت (الملكة فيكتوريا) تخفّف عنه الإحساس بالهوان؛ فكتبت: «أخي العزيز لا تنزعج .. فالإنسان لا يختار إخوته ولكنه يختار أصدقاءه» فهو مسؤول عن (هذا الاختيار) ولا مسؤولية له في كون فلان أخاً له، من أب أو أم أو منهما معاً.

كانت كلمة (الأخ) إسلامياً عربياً فجزائرياً (إبّان الثورة المسلحة) عذبة جميلة ذات ظلال روحية مُشرقة، عمّمها المجاهدون والشهداء على الألسنة، فالخطاب بها انتماء للجهاد تحت راية الإسلام، في وطن محتلّ، بقيت بعد (الاستقلال) في مخاطبة رئيس الجمهورية وذكره، قبل أن تلقى مصرعها فتندثر، أمام الكلمات الجديدة (فخامة الرئيس) و (سعادة الوزير) هذا الاندثار خير لها بدل أن تبقى (مزيّفة) من دون روح!.

هذا (التزييف) تعانيه اليوم كلمة (مجاهد) التي بكّر(الحبيب بورقيبة) بحملها (المجاهد الأكبر) لم تكن إبّان الثورة المسلحة في الجزائر(1954-1962) تطلق إلّا على المجاهد الذي يحمل السلاح؛ فيخوض غمار المعارك في وجه جحافل الاحتلال الفرنسي، سرعان ما شُوّهت حتّى المقت بعد (الاستقلال) لانتشار الغشّ بصفة (مجاهد) التي صار عشرات الآلاف يحملونها، بشهداء زور، لبطاقات الصفة التي تخوّل صاحبها منحاً مالية متعدّدة من دون عمل وامتيازات لا يحلم بها العامل الشريف الطاهر النظيف!.

حتى (هيئة قدماء المجاهدين) اعترضت على كلمة (قدماء) فحُذفت! فأين (جهادهم الأكبر) افتراضاً؟ وقد اكتظت الساحة بالمجاهدين (المزيّفين)؟، ذكر (مجاهد) قديم عددهم في ولاية واحدة (عشرة آلاف)! في قريتي وحدها انكشف أمر (ستين مجاهداً مزيّفاً)! فوصف أحد الإعلاميين الوطنيّين جهاد هؤلاء بجهاد في نهب الخزينة و»النحور و النهود» كما قال بعد أن لقي المجاهدون الشرفاء الله في جنة الخلد وانزوى آخرون متحسّرين على أنهم لم يستشهدوا! فعاشوا، فبقوا بين (مجاهدين مزيّفين)!.

يكبر أسف المواطن وهو يسمع اسم (الأسرة الثورية) الثرية (حالاً) المسترخية! تتفرّج على الجزائر تذبح يومياً بأيدي عملاء الاستعمار! هو اسم للبهرجة والتنويم!.

لا عجب في زمن العجائب أن تبتذل كلمة (الأستاذ) رمز العلم والتربية والعفة، فخاطب بها بعض المصريّين (الكنّاس) و (الزبّال) و (العتّال) لتصير اليوم مبتذلة حتى في مقاعد (الأستاذية) في الجامعات العربية بأطروحات مسروقة، فشهادات (غشّ وتزوير)!.

ما أكثر الكلمات التي فارقتها الروح والحياة! ففقدت (هُويّاتها)! يعظم الإحساس بالأذى حين يمسّ حياة أمة وقيمها الجميلة في التضحية والعلم والتعاون والصدق والإخلاص والوفاء!.
  
E-Mail: beng.33@hotmail.com

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .