دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 21/8/2018 م , الساعة 12:46 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

حيرة السودانيين بين حكومتهم ومعارضتها

حيرة السودانيين بين حكومتهم ومعارضتها

بقلم : د. خالد التيجاني النور(كاتب وصحفي سوداني) ..
حالة حيرة غير مسبوقة يعيشها السودانيون وسط أوضاع اقتصادية خانقة آخذة في التدهور مع توالد الأزمات بمتوالية هندسية، تزايد نسبة التضخم مع تراجع متواصل لقيمة العملة الوطنية وتضاؤل قوتها الشرائية، إلى أزمات متواترة ندرة في توفر الوقود والخبز وحتى النقود وسط إجراءات حكومية لتجفيف السيولة النقدية الزائدة تسببت في منع المودعين من حرية التصرف في ودائعهم في المصارف، ولكن على الرغم من أن الأزمات الاقتصادية بدأت تطل برأسها منذ العام 2012 بعد أشهر من تقسيم البلاد، واستقلال جنوب السودان وذهابه بثلثي احتياطيات البلاد من النفط الذي كانت توفر عائدات تصديره أكثر من 90% من العملات الصعبة، ونحو 60% من إيرادات الموازنة، غير أن الأشهر الثمانية الأخيرة من العام الجاري شهدت تراجعاً مريعاً في الأوضاع الاقتصادية أحالت معيشة سواد الناس ضنكاً.

يذهب غالب المحللين إلى أن تردي الأوضاع الاقتصادية لا يعدو أن يكون تجلياً لأزمة سياسية تعود إلى عجز في الإدارة لبلد غني بالموارد الطبيعية، وإلى اختلال هيكلي في بنية نظام الحكم وأولوياته، ذلك أن أغلب الإنفاق العام يذهب إلى تمويل الكلفة الباهظة لجهاز حكومي سياسي وبيروقراطي مترهل يهدف لشراء الولاء السياسي لاستدامة سيطرة الطبقة الحاكمة، على حساب الإنفاق على تنمية الموارد الضخمة التي يتمتع بها السودان، وقد تراكمت الأزمات ذات المظهر الاقتصادي كأعراض لجذور المرض المتعلق بأزمة الحكم حيث لم تفلح المحاولات الرسمية في محاصرة الآثار السلبية للفشل التي يدفع ثمنها غمار الناس، ببساطة لأن السلطات لم تبد استعداداً لدفع فاتورة الإصلاح الذي يتطلب جراحة عميقة تعيد هيكلة نظام الحكم نفسه على نحو جذري.

ولئن بدا واضحاً العجز الحكومي في تدارك هذه الأزمات المستفحلة التي تمس حياة المواطنين، وسط انشغال نخبة الطبقة الحاكمة بصراعات داخلية مستعرة حول استحقاقات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في العام 2020، وسط جدل حول أحقية الرئيس عمر البشير في الترشح لدورة أخرى على الرغم من القيود الحزبية الداخلية والاشتراطات الدستورية التي تحرمه من فرصة الترشح مجدداً بعد نفاد أجل المدد المسموح له بها، فقد أفرغ حزب المؤتمر الوطني الحاكم كل طاقته في المعارك الداخلية بين تيارين متنافسين انتهت لصالح تأمين إعادة ترشيح البشير وتمهيد الطريق لذلك بتعديل لوائح الحزب والدستور، لم تكن الأزمات التي تلاحق المواطنين حاضرة بقوة في أجندة مجلس شورى الحزب الذي انعقد لذلك الغرض الأسبوع الماضي، ومع هذا الانشغال الكامل بمناورات الحفاظ على السلطة بأي ثمن، لا توجد في المقابل أية رؤية ولا سياسات فعالة ولا برامج معلومة لإنقاذ البلاد في ظل الأوضاع المتردية، في ظل عجز داخلي، وفشل كبير في قطف أي ثمار ذات شأن من سياسة خارجية متخبطة بين المحاور المتنافسة في الإقليم.

وتكمن المفارقة في المشهد السوداني أنه على الرغم من توفر المعطيات كافة، عجز حكومي في إدارة دولاب الدولة وسخط شعبي متزايد، لإطلاق عمل سياسي معارض واسع يحرك الجماهير من أجل التغيير، في بلد شهد سابقتين لانتفاضتين شعبيتين أسقطتا حكم عسكريين في 1964، و1985، فإنه لا يبدو حتى الآن وجود أي مؤشرات إلى احتمال تحول التذمر الشعبي بسبب الاحتقان الاجتماعي المتزايد إلى عمل سياسي مقاوم للنظام، ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى الضعف الشديد الذي تتسم به المعارضة السودانية وغيابها التام من دائرة الفعل، أو القدرة على التحرك لاستثمار هذه المعطيات المتاحة بوفرة لتحقيق شعاراتها المرفوعة لإسقاط النظام، حتى سخر بعض مؤيدي النظام من عدم فاعلية المعارضة بقولهم لو لم تكن حكومتنا لـ»قلبناها».

من الواضح أن المعارضة السودانية بأطيافها كافة، سواء من القوى والأحزاب السياسية أو من الحركات المسلحة في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، لا تزال عاجزة عن إقناع أغلب السودانيين بأنها مؤهلة بدرجة كافية لتكون بديلاً للنظام القائم، وفي ظل هذه المعادلة التي ولّدت فراغا عريضا بين نظام حكم عاجز أن يحكم، ومعارضة غير قادرة على القيام بدورها، لا يزال الناس يقاومون بوعي فكرة الدخول إلى المجهول، وفي أذهانهم حاضرة بعض تجارب الربيع العربي، في غياب بديل يتشكل بوضوح وقادر على طرح نفسه لملء الفراغ، فما هو مطلوب أكثر من مجرد إسقاط النظام، إلى القدرة على تأسيس وضع أفضل وليس الانزلاق إلى ما هو أسوأ في بلد واسع، لا تزال تركيبته هشة، مع انتشار غير مسبوق للسلاح.

وما يزيد من ضعف المعارضة السودانية أنها تسجل غياباً كبيراً على الأرض، في حين أن بعض قواها الرئيسية لا تزال تمارس المعارضة من خارج البلاد، وهو ما يجعلها منبتة الصلة بالقواعد الجماهيرية، وفي حين ترفع شعارات تطالب بالتغيير الجذري فإنها تكتفي بإصدار البيانات المنددة بالنظام، وممارسة العمل المعارض بـ»الريموت كنترول» وسط الفراغ، وليس آخرها البيان الذي صدر أمس في ختام اجتماعات تحالف «نداء السودان» الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس بزعامة الصادق المهدي رئيس حزب الأمة ويضم العديد من الحركات المسلحة، وكان أهم مخرجات الاجتماع بالغة الغرابة حيث تبنى خطة لمقاومة تعديل الدستور للحيلولة دون إعادة ترشيح الرئيس البشير في انتخابات 2020، عبر التنسيق مع المعارضين وإجراء اتصالات خارجية، ووجه الغرابة يأتي من هذه السلبية المبالغ فيها، فبدلاً من أن يطرح التحالف المعارض خطته لتغيير النظام وتحريك الشارع، يبدو مشغولاً أكثر بالأجندة التي فرضها الحزب الحاكم بترشيح البشير، الطريف أن المعارضة تتخذ موقفاً مقاطعاً للانتخابات، ثم تجد نفسها أسيرة لها، ربما كانت هذه الخطوة مفهومة لو قررت مقاومة النظام عبر الانخراط في الانتخابات والاصطفاف خلف مرشح واحد.
  
khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .