دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 18/9/2006 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

كنوز العالم في متحف الارميتاج

المصدر : وكالات خارجية


فكري كرسون
هتف الرحالة الإسلامي مرتضي خان وهو يتجول في أرجائه: لا شك أنني في الجنة ، فهذا المتحف  هو نسيج وحده من حيث البناء، ومن حيث النفائس الغنية التي يحتويها بين أرجائه، إنه متحف الارميتاج الذي يعد واحدا من أضخم متاحف العالم.

تعود ولادة الارميتاج إلي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عهد ازدهار الإمبراطورية الروسية، زمن القيصرة الشهيرة كاترين الثانية، فخلال أقل من عشر سنوات أنجز المعماري الإيطالي المعروف راستريللي بناء هذا القصر الشتوي بأسلوب الباروك الروسي، لكن مبني هذا القصر الذي استخدم مقرا للأسرة القيصرية، لم يكن كافيا لاستيعاب ذلك الكم الهائل والمتزايد باطراد، من التحف الفنية، فشيد الارميتاج الصغير، ثم ظهر الارميتاج القديم، فالارميتاج الجديد.

في عام 1764 - عام تأسيس الارميتاج - اشتري القصر الشتوي 225 لوحة، يعود معظمها إلي المدرسة الفلاماندرية والهولندية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت النفائس والتحف الفنية تتدفق بغزارة علي الارميتاج من مختلف البلدان الأوروبية والشرقية، عن طريق الدبلوماسيين الروس، أو عن طريق المبعوثين الخاصين الذين كان القياصرة يوفدونهم لهذه الغاية.

ففي عام 1767-1768 اشتري السفير الروسي في باريس عشرات اللوحات لمشاهير الرسامين الأوربيين، وبعد أربع سنوات جاء من باريس أيضا زهاء ثلاثمائة لوحة لا تقدر بثمن، وفي عام 1779 رفد مخزون الارميتاج بمجموعة اللورد أولبول، وتضم 198 لوحة، بما فيها لوحات لفان ديك وأيوردانس ورمبرانت.

وهكذا.. فحتي عام 1785 وصل عدد لوحات الارميتاج إلي 2685 لوحة، ساهم في انتقائها للقيصرة كاترين فيلسوفاها المحببان فولتير وديدرو والبارون غريم المعروف بذوقه الفني الرفيع.

ولم يقتصر الأمر علي اللوحات، بل بدأ مخزون الارميتاج يرفد بالصور المحفورة والتماثيل والمنحوتات القديمة والجواهر الثمينة والكتب والمخطوطات النادرة، يكفي أن نقول إن مكتبة المتحف التي تأسست منذ مائتي عام تضم الآن قرابة نصف مليون مجلد من الكتب القيمة في تاريخ الفن والثقافة.


الارميتاج يفتح أبوابه

في بداية عهده لم يكن الارميتاج متحفا بالمعني المعروف للكلمة، حتي تسميته ERMITAGE تعني المكان الذي ينفرد فيه الإنسان بنفسه، وينعزل عن الآخرين، وكان التمتع بمشاهدة نفائسه حكرا علي الإمبراطورة وأقرب أفراد حاشيتها، حتي أنها كتبت في إحدي رسائلها إلي البارون غريم تقول: كل هذا لا يتمتع برؤيته أحد إلا الفئران وأنا.. .

ومع مطلع القرن التاسع عشر بدأ الارميتاج يكتسب بالتدريج ملامح المتحف، لكنه لم يتحول إلي متحف عام إلا في أواسط القرن التاسع عشر ، وإن كان أغلب زواره من فئة المثقفين.

وفي العهد السوفييتي - السابق - رفد الارميتاج بمجموعات المتاحف، التي كانت منتشرة في ضواحي بطرسبرج، وبالمجموعات الخاصة، التي جري الاستيلاء عليها وتأميمها، فتضاعف مخزون المتحف زهاء أربع مرات.

واليوم يوجد في الارميتاج ما يربو علي 2.5 مليون. تحفة فنية، بما فيها أكثرمن 15 ألف لوحة و12 ألف تمثال و600 ألف قطعة أثرية، ومليون قطعة من المسكوكات والميداليات.


رحلة المعرفة والمتعة

ما إن تطأ قدماك عتبة البوابة الضخمة، المواجهة لنهر النيفا، الذي يخترق بطرسبرج، ويقسمها إلي مئات الجزر، حتي تجد نفسك في صحن مترامي الأطراف، ينتهي بك إلي السلم الرئيسي، الذي يعتبر آية من آيات الروعة، ومن هنا تبدأ رحلة المعرفة والمتعة، وتجد نفسك بعد لحظات محمولا علي أجنحة الخيال، تضرب في أغوار الماضي البعيد والقريب، وتمتع ناظريك بمشاهدة أمهات اللوحات وعيون التحف وروائع التماثيل الخالدة.

فيضم القسم اليوناني والروماني زهاء مائة ألف قطعة من العاديات الأثرية والتحف الفنية، لعل من أهمها:

تمثال جوبيتر، حامي الدولة الرومانية، بحجمه الهائل، وتنفيذه الرائع، الذي يعود إلي القرن الأول الميلادي، عصر ازدهار الإمبراطورية الرومانية، وتشييد الأبنية العملاقة الكوليزيه - قوس تيتوس وغيرهما .

النواويس الرومانية التي كانت تستخدم كشواهد علي القبور، وتوضع علي الطرق المؤدية إلي الأديرة والمعابد، وهي ذات جدران خارجية مزدانة بالنحت البارز والزخرفة النافرة، وعلي أحدها تطالعنا صورة تمثل حفل زفاف بحضور الآلهة.

تمثال أثينا، وفيه تتجلي لنا أثينا بهيئة امرأة حسناء، ومحاربة جبارة، ترتدي خوذة، يزينها رأس الغولة غورغونه، واللباس الرسمي اليوناني، وفي يدها رمح طويل، رمز الشجاعة والإقدام.

يحتوي الارميتاج علي قسم للفن الأوربي الذي واكب ظهوره تأسيس الارميتاج نفسه بل إن بالإمكان القول إنه يشكل اللبنة الأساسية الأولي التي أرسيت عليها دعائم هذا الصرح العملاق، فلا غرابة أن يكون غنيا بنفائسه، التي يربو عددها علي 630 ألفا، ولا غرابة أن يكون هذا القسم وكنوزه الرائعة محط أنظار جميع زوار الارميتاج، وأكثر الأقسام ازدحاما، وأغناها، إن من حيث عدد الصالات، وإن من حيث سعتها ورحابتها، إنه عمود الارميتاج الفقري وجوهرة تاجه.


الفن الإيطالي

إن متحف الارميتاج واحد من المتاحف النادرة في العالم، التي تضم مجموعاتها الأعمال الأصلية لليوناردو دافينشي، الفنان الذي طبقت شهرته الآفاق، ولا يزال اسمه علي كل شفة ولسان، ففي الصالة رقم 214 لا تكاد تجد لنفسك موطيء قدم، بسبب الازدحام الشديد أمام اثنتين من لوحاته العذراء والزهرة أو عذراء بينوا نسبة إلي مالكها السابق، و عذراء ليتا نسبة إلي عائلة أصحابها الإيطاليين سابقا.

صحيح أن العذراء والزهرة تعود إلي المرحلة المبكرة من حياة الفنان الإبداعية، لكنها تجسد بشكل جلي موقف الفنان الجديد من العالم والإنسان، وتطرح المباديء الفنية الجديدة، التي نذر ليوناردو حياته وفنه لها، وجسدها في أعماله المختلفة، والواقع أنه لا شيء في هذه اللوحة يوحي أننا أمام العذراء ويسوع الطفل، فالعذراء ترتدي اللباس، الذي كان دارجا في عهد الفنان، وتستخدم التسريحة الدارجة، أما لماذا هذه التسمية فلأن العذراء تداعب طفلها بزهرة صغيرة بالكاد نراها، إن هذه اللوحة تجسيد للحب الأمومي بكل روعته وعظمته.

ولا نكاد نغادر لوحتي ليوناردو حتي تطالعنا لوحتا عملاق إيطالي آخر، إنه رافائيل سانزيو، أما لوحتاه فهما عذراء كونيستابيليه و العائلة المقدسة ، اللتان تعودان إلي المرحلة المبكرة من إبداعه.

وبالإضافة إلي هاتين اللوحتين يضم الارميتاج نسخة عن رواق رافائيل، وهي مجموعة من الرسوم الجدارية والسقفية، كانت الإمبراطورة كاترين الثانية قد كلفت مجموعة من الفنانين بنسخها ونقلها إلي بطرسبرج، لتأخذ مكانها في الرواق، المعد سلفا، وقد كرس الفنان كل هذه اللوحات الاثنتين والخمسين لمواضيع دينية مستوحاة من الكتاب المقدس.

أما مايكل أنجلو فيطالعنا في الارميتاج بتمثالين رائعين الصبي المتلوي ألما و العبدالمغلول ، ومما يميز هذين التمثالين كبقية أبطال أنجلو، أن الإنسان يتصدي للشر، ويكافح، ويتعذب، لكنه غالبا ما يجد نفسه أضعف من القوي التي تواجهه، غير أنه لا يضعف ولا يستكين.

وإذا كان دافينشي ورافائيل ممثلين في الارميتاج بإبداعهما المبكر فإن معظم لوحات الرسام الإيطالي الكبير تيتسيان في هذا المتحف تعود إلي المرحلة المتأخرة من إبداعه، ومن أشهر هذه اللوحات دانايا ، القديس سيباستيان و توبة مريم المجدلية .

ما المجموعة الإسبانية في الارميتاج فتتصدرها لوحات الرسولان بطرس وبولس الصبي والكلب و صعود العذراء للفنان موريليو.


أعمال رمبرانت الأصلية

من المعروف أن فناني فلاندريا وهولندا لعبوا دورا بارزا في تطور فن الرسم الأوربي في القرن السابع عشر، ومن أوسعهم شهرة فان ديك، روبينز شنيدرز، غالس، شتين، ريسدال ورمبرانت، ومن هنا جاء اهتمام القيمين علي متحف الارميتاج علي مر العصور، برفد مخزونه بنفائس هؤلاء العمالقة، حتي أن عدد لوحات رمبرانت الأصلية هنا يصل إلي خمس وعشرين لوحة، هذا عدا الكثير من الرسوم المحفورة، التي تركها هذا الفنان الهولندي البارز، نذكر من لوحاته دانايا ، عجوز يرتدي الأحمر ، الانزال عن الصليب ، بورتريه العالم و المحارب العجوز . وفي نهاية حياته يبدع رمبرانت واحدة من أفضل لوحاته عودة الابن الضال ، وهي لوحة تمور بالمغزي الإنساني العميق، وتنادي بالفكرة الإنسانية الداعية إلي تعاضد الناس وتعاونهم وتآلفهم.


الفن الفرنسي

عشرات الصالات الواسعة خصصت في الارميتاج لعرض روائع الفن الفرنسي خلال القرون الخمسة الماضية، وليس أدل علي مدي غني متحف الارميتاج بعيون الفن الفرنسي من أنه يعتبر الثاني في العالم - بعد المتاحف الفرنسية طبعا - الذي يضم بين جدرانه هذا الكم الهائل من التحف الفرنسية التي تعطي صورة بانورامية حية للحياة الفنية في فرنسا منذ القرن الخامس عشر وحتي يومنا هذا، بدءا من عاجيات ليموج والأيقونات والأواني الخزفية، التي اشتهرت بها مدينة سان بورشير في القرن السادس عشر، وانتهاء بلوحات شاردين الصلاة قبل الغداء ، الغسالة ، بورشيه مشهد رعوي ، فاتور العنيدة ، مينيار رأفة إسكندر المقدوني ، صباح في المرفأ ، صباح ، بوسين تانكريد وأيرمينيا ، لويس لينيان عائلة الحلابة ، خويه صورة امرأة أولليغورية ، بالإضافة إلي تمثال من المرمر لفولتير، جاك في كرسي للفنان غودون.


الفن الإنجليزي

أما الفن الإنجليزي فقد كرست له خمس صالات لعرض لوحات مشاهير الرسامين الإنجليز أمثال رينولدز، غينسبورو، لورنس وغيرهم، وهنا لا بد من الإشارة إلي أن انتشار الفن الإنجليزي يكاد يكون مقصورا علي المتاحف الإنجليزية، ولا يطالعنا في متاحف العالم إلا فيما ندر.

أما في الصالة، المسماة بصالة الفرسان، فتطالعنا مجموعة نادرة من الأسلحة، التي كانت تستخدم في كل من فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا فيما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، وهي عبارة عن مجموعة من الخناجر للفنان إل غريكو، و الفطور للفنانوالمدي والدروع البدائية فالقوطية، التي يتراوح وزن كل درع منها بين 16 و20 كيلو جراما، وثمة أسلحة فلاحية وسيوف ضخمة 4 - 7 كيلو جرامات والكثير من السلاح القديم: القوس والنبال وغيرهما.


ثقافة العصور القديمة والفن الشرقي

يضم هذا القسم الذي تأسس في الارميتاج في عام 1931، زهاء 400 ألف تحفة، تؤرخ للثقافة البدائية في أراضي ما كان يعرف باسم الاتحاد السوفييتي منذ أقدم العصور الباليوليت وحتي قيام الدول الأولي، مع التركيز بخاصة علي ثقافة السيثين، الذين سكنوا حوض البحر الأسود الشمالي في الألف الثانية ق. م. وثقافة البدو الرحل في جبال الطاي في الفترة نفسها.

يضم قسم الفن الشرقي زهاء 150 ألف أثر وتحفة فنية من موروث شعوب الشرق مصر- الصين- اليابان - آسيا الوسطي ، ففي الارميتاج يوجد واحد من النماذج النادرة والمشهورة للأدب المصري غير الديني، والذي يعود إلي القرن التاسع عشر ق. م. إنه حكاية عن السفينة المنكوبة ، هذا بالإضافة إلي ما يعرف باسم بورتريهات الفيوم، التي اكتشفت منذ عهد غير بعيد في واحة الفيوم، في أحد المدافن، فعلي المومياء عثر علي هذه اللوحات المرسومة علي الخشب أو القماش، ويوجد في العالم اليوم حوالي 400 من هذه البورتريهات، التي تعود إلي القرنين الأول والثاني الميلاديين، بما فيها أكثر من 30 بورتريه في الارميتاج ومتحف بوشكين في موسكو.

أما بالنسبة لفنون شعوب آسيا الوسطي الإسلامية فإن اللقي التي تمثلها في الارميتاج كثيرة، بما فيها أفريز ايرتام، الذي يعود إلي القرن الأول الميلادي، والذي يذكرك بالآثار السورية القديمة في تدمر، ولا غرابة في هذا، فقد تركت الثقافة الهلنستية بصماتها هنا وهناك.

ومن بين الآثار المهمة الأخري المرجل البرونزي العملاق، الذي يعتبر تحفة فنية فريدة في ميدان السبك، حيث يصل قطره إلي 2.45 متر، ووزنه إلي ألفي كيلو جرام، والمرجل مزخرف بالنقوش والكتابات العربية، التي تدل علي أنه مخصص لوضع الماء، وهو مقدم من تيمورلنك إلي مسجد الحاج أحمد، وهو من صنع المعلم الإيراني عبدالعزيز بن شرف الدين التبريزي في 26 حزيران - يونيو- 1399.

وقبل أن نغادر هذا القسم، العزيز علي قلوبنا، نتوقف بخشوع أمام التربيعات من مجموعة مسجد بيبي هانم نسبة إلي إحدي زوجات تيمورلنك ، كان هذا المسجد يتسع لجميع سكان العاصمة من الذكور البالغين حوالي عشرة آلاف من المصلين في وقت واحد . ويقال إنه كان من أضخم مساجد العالم، وإن بناءه استمر ليلا ونهارا، واشترك فيه آلاف العمال المحليين والأجانب، ومن أجل نقل الصخور الضخمة جيء من الهند ب 95 فيلا، وبعد خمس سنوات من العمل المضني والنفقات الباهظة أنجز بناء المسجد، ومما يؤسف له أن أعمدته العملاقة تداعت بسبب زلزال قوي أتي علي المسجد، وحوّله إلي أطلال دارسة، لا تزال تشهد علي عظمة وروعة الفن الإسلامي.


الفن الروسي

إن عمر هذا القسم قليل نسبيا، فهو لا يزيد علي نصف قرن، ومع هذا فهو يضم زهاء 200 ألف تحفة، تؤرخ للفن الروسي علي مدي قرنين من الزمن، بما فيها فاز حفر علي العاج ، وساعة علي شكل بيضة، وبورتريه من الموزاييك، تمثل القيصر بطرس الأول للعالم الروسي ميخائيل لومونوسوف، ثم تمثال نصفي للقيصر بطرس الأول من البرونز وضريح الكسندر نيفسكي من الفضة .