دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 28/9/2017 م , الساعة 1:52 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الخروج من حالة اللايقين والإنكارية العربية

الخروج من حالة اللايقين والإنكارية العربية

بقلم : د. علي محمد فخرو (كاتب ومفكر بحريني) ..
بعد الدمار العمراني والبشري الهائل الذي أصاب أوروبا من جراء الحربين العالميتين الأولى والثانية دخلت المجتمعات الأوروبية في دوامتي اللايقين والإنكارية. فجأة ما عادت الثوابت الفكرية والسلوكية السابقة، منذ عهود النهضة والأنوار، قادرة على ملء حياة الإنسان الأوروبي بالهدوء والسلام الداخلي.

تمثلت قمة اللايقين والضياع والشعور باليأس والقنوط في الصعود المذهل لظاهرة الإنكارية (Nihilism) التي لا ترى وجود معنى أو قيمة لأي شيء في هذه الحياة، بما فيها الإيمان الديني والسلوكيات الأخلاقية والعلاقات والتنظيمات المدنية للمجتمعات. لقد أجمل الوضع قول أحدهم بأنه عندما يفقد الناس ثقتهم في مثالياتهم فإنهم يهزمون قبل دخولهم المعركة.

ولذا ما كان مستغرباً ذلك الصعود المذهل، خصوصاً بين الشباب، لفلسفة الفرنسي جون بول سارتر الوجودية القائلة بعدم وجود أي معنى للحياة، أو النجاح الكبير للكتابات وروايات البير كامو الفرنسي الجزائري القائل بأن الحياة ليست أكثر من عبث في عبث، أو الانتشار المكتسح لمسرح الكاتب المسرحي الإيرلندي سامويل بيكيت من مثل مسرحية (في انتظار جودو)، جودو الذي يعبر عن الأمل الذي يأتي ولا يأتي، أو كتابات كولن ويلسون البريطاني وجماعة الثائرين من أمثاله الرافضة لفكرة الانتماء والداعين لحيوية الفرد المستقل القادر على شق طريقه في الحياة.

وبالطبع لم يقف الأمر عند حدود الفلسفة والأدب، بل تعداه إلى حقول السينما وشتى فنون التعبير الأخرى.

مناسبة استرجاع ذاكرة تلك الحقبة، التي كانت مؤقتة وعابرة، هو التماثل مع تلك التجربة لما يجري في وطن العرب حالياً. فالدمار العمراني والبشري الذي طال العديد من الأقطار العربية الرئيسية، والانتكاسات التي أصابت محاولات الخروج من حياة الاستبداد والظلم التاريخية، قد بدأت تفعل مفعولها في الشباب العربي، وإدخاله في حالة الإنكارية واللايقين تجاه ثوابت الأمة الكبرى، تماماً كما فعلت الحربان العالميتان بالإنسان الأوروبي.

هناك شكوك وإنكار حول العديد من الثوابت الدينية، إن لم تكن كلها، وحالة إنكارية للثوابت العروبية القومية من مثل أهمية وضرورة الوحدة العربية في مواجهة الاستعمار والصهيونية، وهناك حالة مشاعر عبثية تجاه الخطر الإيديولوجي والسياسي والأمني الصهيوني في فلسطين المحتلة وفي خارجها، بل والتجرؤ برفع أعلام كيانها، وهناك حالة إنهاك نفسية تجاه جدوى الفعل السياسي المنظم لمواجهة أعداء الخارج ومستبدي الداخل ومثيري الفتن التفتيتية الطائفية والقبلية والعنصرية.

يرافق ذلك الشعور اللايقيني اليائس العام صعود وانتشار لكتاب وفنانين وإعلاميين وفقهاء مذاهب ودجالي سياسة يساهمون ليل نهار في نشر خطابات الإنكارية لكل الثوابت، وخطابات الاحتقار لكل منجزات التاريخ والنضالات التحررية الجماهيرية ولإمكانيات هذه الأمة في النهوض من حالة التخلف التي تعيشها.

في أوروبا ووجهت حالات الإنكارية الفوضية تلك بإعادة بناء المدن، وتفعيل ماكنة الاقتصاد، وتنظيم الحياة السياسية على أسس ديموقراطية، وبناء تدريجي لدولة الرفاهية الاجتماعية، وصعود لفكر متوازن معقول يصلح الثوابت الخاطئة إن وجدت ويؤكد الثوابت الصحيحة لإرجاع العافية للمجتمعات. لقد لعبت سلطات الدول ومؤسسات المجتمع المدني أدواراً مشهودة لتنفيذ كل ذلك، ورأينا، على سبيل المثال، ذلك التفاهم العاقل فيما بين القوى الرأسمالية والنقابات العمالية للتخفيف من الاضطرابات الاجتماعية.

في بلاد العرب سنحتاج إلى أن نتعلم من ذلك الدرس الأوروبي لنخرج من حالة اليباب والدمار التي تعيشها الأرض العربية، إلى حالة التوازن المطلوب لإعادة إعمار ما دمرته قوى الاستعمار والاستخبارات والصهيونية العالمية وبعض الدول العربية والإقليمية وأدوات الجحيم الممنهج المتمثلة في جنون عنفي جهادي متخلف باسم دين الإسلام البريء من كل ذلك.

لكن لنكن صادقين مع النفس، إذ لدينا عقبتان لم توجدا في المشهد الأوروبي. لدينا عقبة الأنظمة السياسية غير الديموقراطية التي هي أيضاً تعيش حالة اللايقين والإنكار والعبثية السياسية والعجز البائس أمام تحديات المتكالبين على وطن العرب. لدينا أيضاً مجتمعاً مدنياً منهكاً ومليئاً بالعلل من جراء تهميشه التاريخي وقمعه الأمني المستمر عبر القرون.

وهما عقبتان إن لم تحل معضلاتهما في القريب العاجل فإن حالة اللايقين والإنكارية التي أصابت أوروبا مؤقتاً، تلك الحالة ستصبح حالة مرضية دائمة عندنا قد تمتد عبر القرون القادمة.

الأمة العربية تمر حالياً في حالة صعبة بالغة التعقيد، وعلى عقلاء الأمة أن يفعلوا شيئاً ويتقدموا الصفوف قبل فوات الأوان. هناك الكثير مما يستطيعون فعله، وأمامنا تجربة أوروبا على سبيل المثال، فلنتعلم من عبرها وحيويتها بإبداع عربي ذاتي.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .