دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 9/8/2018 م , الساعة 1:07 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

لنحذر الصراع بين الديموقراطية واللبرالية

لنحذر الصراع بين الديموقراطية واللبرالية

بقلم : د. علي محمد فخرو (كاتب ومفكر بحريني) ..
هناك خطأ شائع بأن اللبرالية والديموقراطية هما كلمتان متماثلتان في المحتوى والأهداف. هذا قول يجب أن يعيه شباب الأمة العربية، خصوصاً بعد أن علت أصوات المنادين بتبني الأيديولوجية اللبرالية كحل سحري سريع لعلل وتخلّف هذه الأمة.

الواقع أن الإيديولوجية اللبرالية معنية في الدرجة الأولى بالفرد، بينما أن الإيديولوجية الديموقراطية معنية في الأساس بالجماعة والمجتمع. ركن اللبرالية الأساسي مهووس بالفردية والحرية الشخصية، بينما ركن الديموقراطية يضع في المقام الأول الحرية بمعانيها وممارساتها الشاملة من جهة، كما يضع في سلم أولوياته موضوع المساواة، بكل تجلياتها، من جهة ثانية.

على ضوء هذين المنطلقين المختلفين يستطيع الإنسان أن يفهم هذه الحقيقة التاريخية: لقد وقف اللبراليون في الغرب مع القوى المحافظة في السياسة وأمور إدارة الدولة، بينما وقف الديموقراطيون مع قوى التغيير، وعلى الأخص قوى اليسار.

من هنا فإن حاجة الأمة العربية حالياً هي لوجود قوى ديموقراطية، أكثر من حاجتها لقوى تكتفي برفع شعارات الإيديولوجية الليبرالية، المهووسة بالفرد على حساب اهتمامها بالجماعات والمجتمعات. هذا موضوع يجب أن يكون واضحاً إلى أبعد الحدود عند الشباب المناضلين والفاعلين في السياسة. ذلك أن حاجة مجتمعاتكم العربية الملحّة توفر الحريات العامة، وفي مقدّمتها حرية التعبير وحرية التجمّع والتنظيم السياسي لممارسة فعل سياسي مستقل عن السلطة.

الحريات العامة هي الضمان والمدخل لتوفّر الحريات الشخصية، وليس العكس. وبالطبع ليس المقصود بذلك التقليل من أهمية الشخصي أمام العام، وإنما المقصود هو الأولويات لهذه المرحلة التي نعيشها.
وإذن فالموضوع الديموقراطي، بأسسه ومحتوياته وأهدافه ووسائل عمله وفاعليته، هو موضوع الساعة، إذا كان الأمر كذلك لنذّكر بصلب موضوع الديموقراطية المتمثل بحقين أساسيين للناس: حقّ اختيار من يحكمهم وبالتالي وضع القوانين التي يعيشون في ظلّها، وحقّهم في أن تكون الحكومة معنيّة بصورة مسؤولة وكفؤة بالصالح العام.

لكن لن يتحقّق ذلك إلا من خلال انتخابات دورية حرّة، وتساوٍ في الوزن لكل صوت، ووجود ضمانات لحدوث ذلك، من خلال الحكم بالقانون وتطبيقه بالتساوي على الجميع، ومن خلال مجتمع ينعم بالحريات المدنية الكاملة. في قلب تلك الإجراءات تقبع فضيلتا المساواة والعدالة في حقلي السياسة والاقتصاد.

لا مكان هنا لممارسةٍ مارسها الليبراليون الغربيون عبر القرون، وهي أن الحكم يجب أن يقتصر على أقليات متميزة بالعلم أو الهم أو الوعي أو الحقوق التاريخية أو امتلاك وسائل القوة المادية أو المعنوية، وذلك خوفاً منهم من صعود الغوغاء أو الشعبويين إلى سدُّة الحكم.

الغوغائية والشعبوية يجب أن يحكمها وعي الناس ووجود القوانين العادلة المنظّمة للحياة العامة، وليس إعطاء امتيازات لهذه الفئة أو تلك باسم الخوف من تواجدهما.

من هنا يجب تنشئة الأطفال والشباب، في المدارس والجامعات، لفهم وقبول وممارسة حقوقهم المدنية، بما فيها عدم التخلّي قط عن حقّ الانتخابات، وعدم انجرارهم في اختياراتهم لمن يمثّلهم إلى عوامل العصبيات الدينية والقبلية والنفعية الضيّقة والاستسلام لهذه الجهة أو تلك. القول المعروف بأن لا ديموقراطية بدون ديموقراطيين هو قول صحيح إلى أبعد الحدود. والديموقراطي لا يولد وإنما يربى ليكون ديموقراطياً، في البيت والمدرسة والنادي والمسجد والكنيسة والحزب.

ما يريده لكم، أيها الشباب بعض اللبراليين العرب وهو أن تعيشوا حياة عامة وصفها بدقة متناهية منذ حوالي قرنين أحد القلقين على مصير الديموقراطية في الغرب. لــقد كتب ألكسيس دوتوكفيل يصف حالة المجتمع بالقول: « أرى تجمعات بشرية يدورون حول أنفسهم، يفتشون عن ملذات صغيرة لتغذية أرواحهم. إنهم يعيشون منعزلين عن بعضهم، تماماً كالغرباء. عالم الواحد منهم يتلخّص في أطفالهم وأصدقائهم.

إما إخوته من المواطنين فإنه لا يرى لهم وجوداً، إنه يلامسهم ولكنه لا يشعر بوجودهم. إنه يعيش في نفسه ولنفسه فقط، ومع أنه لا تزال لديه عائلة، إلا أنه لم يعد لديه وطن».

إنه وصف شديد السواد والضياع، لكنه مماثل لما يريده البعض لشباب هذه الأمة، وبالتالي لمجتمعاتنا العربية.

إن الغرب، الذي جاء بالنظام الديموقراطي، يعيش الآن أزمة ديموقراطية حقيقية. إن نجاح شخصية مهزوزة ونرجسية كالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالرغم من حصوله على أصوات من قبل الناخبين تقل في عددها بثلاثة ملايين عن الأصوات التي حصلت عليها منافسته، هيلاري كلينتون، هو دليل على إشكالية في إحدى الديموقراطيات الغربية.

وينطبق الأمر على أزمة اللبرالية والليبراليين في الغرب. وهذا يفسّر صدور الأعداد الكبيرة من الكتب الناقدة للحداثة واللبرالية والديموقراطية، كما تمارس الآن في الغرب في ظلّ النظام العولمي الرأسمالي المتوحش الجائر الخاضع لقيم السّوق فقط.

إزاء الأزمات السياسية والاقتصادية والثقافية التي يعيشها الغرب، في اللحظة الراهنة، نحذّر شبابنا من السقوط الأعمى تحت سحر بعض اللبراليين العرب. إنهم يتحدّثون عن إنقاذ الفرد، عن إدخاله في عالم الذاتية البحتة المنغلقة على نفسها وحول نفسها، ولكنهم لا يأبهون بمصائر الشعوب والمجتمعات والأوطان.هذا فكر يجب أن يصحح قبل أن يدخلنا في أزمة حضارية جديدة.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .