دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 16/12/2017 م , الساعة 12:51 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تلتقط بقاياها لتنهض من جديد

الموصـــل .. عنقـــاء العـــراق

تستعيد روحها رغم كلّ الدمار والقتل الذي تعرّضت له
حرم جامعة الموصل يعجّ بـ 30 ألف طالب انخرطوا في الدراسة
مئات الطلاب من مدن أخرى سجلوا بالجامعة لثقتهم بالوضع الأمنيّ
أساتذة وطلاب تبرّعوا لإصلاح أسقف وكهربائيات الفصول الدراسية
الموصليون متحمسون لإعادة إعمار مدينتهم
الموصـــل .. عنقـــاء العـــراق

ترجمة - كريم المالكي:

بعد أسابيع من نهاية أكبر معارك المدن منذ الحرب العالميّة الثانية، كان مُدير المدرسة الثانويّة يخرج من منزله في شرق الموصل منتقلاً إلى الضّفة الغربيّة لنهر دجلة ليرى الدّمار والحطام الذي خلّفته تلك الحرب. وعلى مقربة من المدينة القديمة في الموصل، شاهد مدرسته المُدمّرة، والتي دَرَسَ فيها أجيال من القادة السياسيّين والعسكريّين العراقيّين. وكان هناك مبنيان تمّ تسويتهما بالأرض بسبب قصف التحالف الأمريكيّ.

لقد جُرفَتْ الجُدران الحجريّة القديمة بسبب الشّظايا، وأحرق مُقاتلو تنظيم داعش مختبر الحاسوب والمكتبة والمسرح الّذي قدّم فيه الطلاب عام 2014 مسرحيّة «ماكبث». ويأمل المُدير، مثنى صالح، أن يُلملم الجيل القادم من القادة العراقيّين حجم الدمار القائم في المكان الذي يخلق حالة من القهر لدى الجميع. ومع ذلك يمكن استغلال الصّفات الّتي يشتهر بها الموصليون كالإبداع والعطاء. لكن باختصار إن عنقاء العراق، تعود من بعيد لتصنع حياة جديدة من بين الأنقاض.

في هذا الشهر، وبفضل مُتطوّعين ومُتبرّع عراقيّ، من المُؤمّل إعادة تشغيل صفوف المدرسة لاستيعاب 450 طالباً. ويقول مثنى: نحن نحلّ المشاكل ونجد الموارد والطريقة، إنها روح الموصل.

المدينة المنكوبة

وعلى مدى ثلاث سنوات، عاشت المدينة - الّتي يبلغ سكّانها 3 ملايين نسمة، وهي ثاني أكبر مدينة في العراق - تحت تنظيم داعش المُتشدد، حتّى تمّت الإطاحة به في نهاية يوليو الماضي، وكانت بداية نهاية ما يسمّى دولة الخلافة التي أعلنها، والتي احتلت ثلث البلاد والكثير من سوريا. واجتاحت القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة البلاد، معلنة، قبل أيام قليلة، رسمياً أن المهمّة انتهت. واستمرّت معركة الموصل حوالي 9 أشهر، قتل فيها الآلاف، وشُرّد حوالي مليون شخص، وأحالت أحياء بأكملها إلى ركام من الأنقاض.

ولا يزال حوالي 600 ألف مُشرّد، وحوالي 60 ألف منزل غير صالحة للسكن. وتعطّلت قطاعات الأعمال والحكومة في المدينة، حيث دمّر ما لا يقلّ عن 20 ألف مبنى تجاري وحكوميّ وفقاً لصور جويّة من الأمم المُتّحدة. وأصيب الجانب الغربي، تحديداً، بضرر مروّع. واستغرق تحرير المنطقة 6 أشهر من المعارك الطّاحنة والقصف الجويّ، بما فيها المدينة القديمة المتاهة، التي تحصّن بها مُسلّحو التنظيم.

حياة جديدة لمدينتين

ويقول ليزي جراند، منسّق الشؤون الإنسانيّة في العراق ورئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: الموصل حكاية مدينتين، الأيمن أصغر مساحة من الجانب الأيسر، ومساحته 40 % من المساحة الإجمالية للموصل، ومع ذلك فهو يضمّ أكثر من نصف أحياء المدينة (99 حياً ومنطقة سكنية من أصل 183). وعلى الجانب الغربي، (الأيمن)، الصورة مختلفة تماماً، ومع ذلك، النّاس مُصمّمون ويعملون لاستعادة حياتهم.

ومنذ الصيف، أنفق المجتمع الدوليّ و400 مليون دولار للمُساعدة باستعادة الكهرباء والماء والخدمات الطبية، وتكافح البلدان المانحة، والحكومة العراقيّة، لإنشاء وتمويل خُطّة شاملة لإعادة التنمية تقدر بمليارات الدولارات. وفي غضون ذلك، استطاع الموصليون، ومن مواردهم الخاصّة وروحهم التبرعيّة تنفّس حياة جديدة في المدينة.

ويصعب السير في الطرق السريعة المؤدية للموصل بسبب الشاحنات المسطحة التي تجلب السلع التجارية ومواد البناء. وعلى جانبي النهر، ترى صفوفاً لامعة من غسالات، وسخانات ودراجات للأطفال للبيع. كما أن المطاعم، خاصّة تلك التي لديها أقسام للعوائل، تقوم بأعمال تجاريّة هائلة. وفي 30 نوفمبر، نظّم في الموصل سباق للماراثون وأقصر سباق للأطفال، وهو الحدث الذي استقطب حوالي 4000 شخص.

تغيير وهواء نقيّ

ويقول فراس خليل، وهو مهندس يشرف على إعادة إعمار ساحة النافورة، حديقة تقع على شارع تجاري رئيسي بالجانب الشرقي من الموصل: نحن متحمّسون لتغيير جو الموصل، ونريد أن نتيح الفرصة لأحيائنا لتنفّس الهواء النقيّ بعد هزيمة داعش.

وعلى الجانب الشرقي، يعجّ حرم جامعة الموصل المترامية الأطراف بنشاط 30 ألف طالب - ذكور وإناث - انخرطوا للدراسة بخريف هذا العام. كما أن مئات الطلاب من مدن أخرى من العراق أعيد تسجيلهم، لثقة آبائهم بالوضع الأمنيّ.

وكانت الموصل على مدى قرون، مركزاً للتعلّم، وفي العصور الوسطى، وعلماؤها روّاد التقنيات الجراحية والأدوات الطبية، ولا تزال جامعتها لها مكانتها من حيث وجود الأطباء المُعاصرين، وخريجيها من الأطباء والعلماء أيضاً.

ممنوعات وحرق مُتعمّد

توقّفت معظم الفصول الدراسيّة خلال حكم داعش، لأنهم منعوا تدريس الفنّ والفلسفة، كما أنّ الأساتذة والطلاب كانوا يخشون الخروج من بيوتهم. ويُظهر الحرم الجامعيّ، كمعظم مناطق الموصل، ندوب الصراع. لقد دمّرت غارات جوية شنتها الولايات المتحدة 4 مبانٍ للعلوم استخدمها التنظيم كمختبرات أبحاث أسلحة. ويقول مسؤولو الجامعة ليس لديهم فكرة عن كيفيّة تعويض الملايين من الكتب من مكتبتهم، ومستودع للمخطوطات القديمة والمواد البحثية، التي أحرقها مقاتلو داعش، أو مئات الآلاف من الدولارات في المعدات العلمية.

ومع ذلك، تعامل المُوظّفون والطلاب مع مهامّ أصغر بمفردهم. فمثلاً ساعدت البروفيسورة انتصار عبد الرضا التي درست المحاسبة لمدة 18 عاماً، في الإشراف على مجموعة أساتذة وطلاب جمعوا مالاً لإصلاح الأسقف والأسلاك الكهربائية للفصول الدراسيّة في قسمها، وتنظيف وتهيئة قاعات المحاضرات، وهي أعمال مكّنت من استئناف الدراسة في الشهر الماضي . وتقول البروفيسورة: كنا ميّتين وتمّ إنعاشنا.

مجهودات فرديّة من الأطباء

وفي مستشفى الخنساء لأمراض الأطفال والولادة، عمل الدكتور جمال يونس، طوال الصّيف، مع مُنظمات إغاثة دولية مثل «أطباء بلا حدود» لحلّ الاحتياجات الحرجة، مثل تركيب المولدات والحاضنات للحفاظ على وحدة الأمومة الوحيدة وقسم جراحة الأطفال. ولا يزال يواجه ثغرات متكرّرة بميزانية التشغيل اليومية، ففي أكتوبر، كان يُولد يومياً 4 أطفال في المستشفى، وكافح المُوظّفون للحفاظ على مخزونات القفازات والغذاء للمرضى. وكان مَن حلّ المشكلة هو الدكتور سعد صالح، طبيب جرّاح لديه علاقات صداقة مع عائلات الموصل الغنيّة.

وعندما كان الدواء المخصص للمستشفى عالقاً في أربيل على بُعد حوالي 60 ميلاً، دفعت مكالمة هاتفية منه رجل أعمال إلى التبرع بـ 500 دولار لاستئجار شاحنتين لنقل الأدوية للموصل. وجلبت مكالماته لأصحاب الصيدليات تبرّعات من ضمادات ولوازم جراحية. ويقول الدكتور صالح: أرسل مجموعة عراقيين بريطانيين تبرعات نقدية للمستشفيات. وقبل أسبوع، سلمت رجلاً مغلفاً بقيمة 1200 دولار أرسلته طبيبة جرّاحة من بغداد، ولدت في الموصل، لمساعدة أهل مسقط رأسها.

ويضيف صالح: عشنا عقوداً انعدمت فيها الثقة بيننا في العراق، وهي الحقيقة والتحدّي الكبير الذي يواجهنا الآن، ولكن بطريقة ما، الوضع مختلف الآن، والناس مُندفعون حقاً لمساعدة بعضهم البعض.

حياة من بين الأنقاض

وعبر النهر، في البلدة القديمة، يقول بعض السكان الذين كانوا محظوظين لبقاء منازلهم، إنهم أيضاً مُتحمّسون من روح المجتمع. فمثلاً طلال محمد، أب لأربعة، يدير دكاناً في حي باب البيض بالبلدة القديمة لبيع الألبان منذ 30 عاماً، أعطاه فاعل خير موصلي 850 دولاراً الشهر الماضي ليساعده على إصلاح ثلاجاته. وساعدت هذه الأموال بانتعاشة تجارية. والآن، وسط الأنقاض، أُعيد فتح تسعة محلات تجارية. وقالت انتصار مهدي، وهي أمّ عائلتها مكونة من 20 فرداً، إنها آخر شخص غادر أثناء القتال هذا الصيف وأول من عاد. وعلى الفور أمرت أطفالها الأربعة وأحفادها العشرة للعمل على تنظيف الأتربة والأنقاض من منزلهم وإصلاح أنابيب المياه. وتقول، قبل شهر، كان زقاقهم المتعرج هادئاً ومعزولاً، والآن، بات ممتلئاً بالضوضاء حيث يلهو الأطفال الصغار وثرثرة ربات البيوت اللواتي يتبادلن المعلومات حول التطورات الحاصلة في المدينة.

المدرسة الشرقية نموذج للتحدي

وفي المدرسة الشرقية الثانوية، يستخدم صالح، مدير المدرسة، تحدي إعادة البناء كلحظة قابلة للتعلم، ليعكس الشعار الذي علق على أحد الجدران الحجرية القديمة للمدرسة: يمكن أن تتحول مصائب البعض إلى فوائد عند آخرين.

ومنذ أغسطس الماضي، تلقى صالح نداءات من عشرات المدرسين ومئات الآباء والأمهات يطالبون باستئناف الدروس. وقد أقنع قائد الشرطة المسؤول عن منطقته بتأمين المدرسة من القنابل والمواد الخطرة الأخرى. وفي أكتوبر، نظم المعلمون والإداريون للعمل في مناوبات لإزالة الأنقاض والمعدات المحترقة من عدة مبانٍ، ثم أوصله قائد الشرطة بمؤسسة خيرية مقرها بغداد تريد التبرع بمعدات البناء.

ويقول صالح، إنه سيحول 450 طالباً ينتظرون إلى قوة عمل تطوعية، ويخطط هذا الأسبوع لتثبيت الأبواب والنوافذ في 10 فصول دراسية، ومساحة كافية لبدء الدروس بحلول نهاية العام.

ويقول أحمد جاسم (20 عاماً) اضطر لتأجيل سنته الدراسية الأولى بالثانوية أثناء احتلال داعش: لا أحد منا يريد أن يخسر المزيد من الوقت، ولدى مدينتنا مشاكل ضخمة بالنسبة لنا، ولكن هذا الجزء، يمكننا تدبّره.

عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكيّة

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .