دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 18/7/2009 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

علم الجمال موضوع مطروح بقوة في الفلسفة الحديثة

المصدر : وكالات خارجية

الفلسفة الوضعية ودورة جامعية جديدة

  • تيودور أدورنو فيلسوف النقد الجمالي يشغل معظم حوارات الدورة
  • باحث تشيكي  يفوز بجائزة البحث الأول عن فلسفة الجمال بين أدورنو و هوركهايمر
  • الدورة تكرم اللتواني جورجيو ماركينتالوس وتمنحه درع جامعة فرانكفورت
  • النواة النظرية لعلم الجمال تتبدي عند هوركهايمر في الجوانب النقدية في تاريخ الفكر
  • بنجامين يفصح عن ذوق نقدي جمالي في كتابه (بودلير شاعر غنائي في عصر الرأسمالية) و أدورنو يتبني نظريته ويتأثر بها نتيجة لصداقة بينهما
  • المثقفون اليهود يندمجون في الحياة الفكرية الألمانية نتيجة لتأثرهم بالفكر الكلاسيكي
  • أدورنو وهوركهايمر كان لديهما نفس الحلم في تأسيس نظرية نقدية مثالية

بقلم : باسم توفيق .. يقول جورجيو ماركينتالوس المفكر اللتواني ( ان معظم ما نبني عليه اراءنا من اسس وقواعد نحو الفن اصبحت غامضة وملتبسة من حيث المضمون والجوهر وليس من حيث العوارض والشكل ولذلك اصبح تعريف الفن قضية مستقلة بذاتها عن مسألة توصيف الفن حيث يشغل فعل الكتابة ذاته الكثير من العقول من هنا اصبحت الفكرة الأدبية كفكرة نظرية ومحل قولبة ايضا شغل علماء التنظير في قضية الأدب حيث اصبحت الفائدة من الطرح الأدبي والإبداعي هي حالة تابعة لمسألة التعريف ووضع القواعد ويدخل في ذلك ما يعرف جدلا بنظرية الجمال وتاريخ فلسفة الجمال في الفعل الأدبي التي كانت ترجع في الأساس للفيلسوف والناقد السكندري يوهيميروس ثم تناولتها العقول في العصر الحديث امثال فالتر وادورنو وغيرهم حيث انتهت بالثمرة العالية لهذه الشجرة المثمرة وهي لوكاتش صاحب فكرة علم الجمال من حيث هو حالة ثقافية وادبية).
وكان هذا المدخل هو ما افتتحت به جامعة فرانكفورت دورتها ال25 للفلسفة الوضعية في الفن حيث بدات دورتها في 2 يوليو واختتمت الدورة اعمالها في 5 يوليو الماضي حيث طرحت العديد من القضايا الوضعية في فلسفة الفن وتم مناقشتها في ضوء المتغيرات الفكرية الجديدة وآليات الحداثة وكانت الدورة وابحاثها واصداراتها تدور في محورين وهما تأصيل علم الجمال عند أدورنو وتوثيق النظرية عند لوكاتش مقارنة بما جد عليها بعد  معالجتها من منظورحداثي جديد ومذهبي مثل نظرية نقد الخطاب الجمالي عند موراليس وهو احد تلاميذ لوكاتش ايضا قدمت الدورة اربع جوائز كبيرة لأربع ابحاث في علم الجمال كان علي رأسهم بحث التشيكي جوجي  ماروفيتسكي الذي قدم فيه دراسة تحليلية عن النموذج الجمالي عند كل من أدرونو و ماكس هوركهايمر كما قدمت جامعة فرانكفورت درع قسم الفلسفة الوضعية للدكتور والمفكر اللتواني جورجيو ماركينتالوس.
وقضية علم الجمال قضية كبيرة وممتعة تبدأ بأدورنو وتستمر حتي دريدا الفرنسي مرورا بلوكاتش وهيسة لكن ما يهمنا الأن هو التعريف بأصحاب النظرية حتي يتسني للقارئ فهم تحليلها الذي سوف ينصب بالأساس علي صاحب الفكرة والحدث الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو.
ينتمي تيودور أدورنو (1903-1969) لمدرسة فرانكفورت، التي تكونت في أعقاب تأسيس كارل جرونبرج لمعهد العلوم الاجتماعية التابع لجامعة فرانكفورت 1924، ولم تكن الماركسية هي شاغلهم الوحيد، وإنما كانت تدخل في إطار اهتمامات فلسفية أخري ترتبط بالأوضاع السياسية والاجتماعية لألمانيا المعاصرة. وكان يجمع بين أساتذة المعهد اهتمامهم بالفلسفة، فنجد أن الرسائل العلمية الجامعية التي قدموها، تعكس لنا اهتماماتهم بذلك، فماكس هوركهايمر قدم رسالته عن : كانط، وتيودور أدورنو قدم رسالته عن: هوسرل، وف. لونيدال قدم رسالته عن: فون بادر، ورسالته هربرت ماركوزة عن: أنطولوجيا هيجل وفلسفة التاريخ، وف. بولوك قدم رسالته عن نظرية النقود عند ماركس. ويمكن التمييز بين التيار الفكري الذي تعبر عنه كتابات هؤلاء المفكرين، وبين المؤسسة العلمية التي ينتمون اليها، والحقيقة أن هذه التسمية قد راجت وانتشرت حين استخدمها أدورنو ليصف جيل الباحثين الذي ينتمي اليه وتستند أصول النظرية النقدية إلي الماركسية التي تطورت علي يد جورج لوكاتش Lukacs  في كتابه التاريخ والوعي الطبقي (1923)، وكارل كورش في كتابه: الماركسية والفلسفة (1920)، وفالتر بنيامين W.Benjamin  (1892-1940) ولا سيما في كتاباته في علم الجمال والنقد الفني، مثل بودلير: شاعر غنائي في عصر ازدهار الرأسمالية و"العمل الفني في عصر الاستنساخ الصناعي" وكان بنيامين صديقا حميما لأدورنو، والتقط أدورنو منه الطابع المتفرد والمستقل للفن.
 وقبل أن نتعرض لفلسفة أدورنو لابد أن نشير إلي ماكس هوركهايمر (1895-1973) لأنه أول مؤسس لجوهر النظرية - النقدية كفلسفة ينتمي اليها أدورنو، فهوركهايمر هو أول من تحدث عن النظرية - النقدية من خلال مقال نشرة عام 1937، واستطاع أن يحدد الطابع العام لمدرسة فرانكفورت، من فلسفة تهتم بالاتجاهات النظرية في تاريخ الفكر إلي الاهتمام بالبنية العامة للمجتمع كما تنعكس في العقل، وعبر عن موقف الفكر من النازية والستالينية التي كانت  معاصرة لهم في ذلك الوقت، ويري هوركهايمر أن كل نظرية تحمل في ذاتها علامات المكان الاجتماعي الذي تنشا فيه، واستبعد أن تكون هناك حياة خاصة ونقية للإنسان تسمح بتجاوز ظروف الوجود والوصول الي طبيعة الأشياء، وهو نذلك قد حدد السمات العامة التي يجب أن تلتزم بها أية نظرية للمعرفة تطمح أن تكون نظرية للمجتمع، وان تدرك ذلك بوعي. ولذلك فهو يري انه علي المثقف أو الفيلسوف أن يمارس دوره التاريخي في نقد الاقتصاد السياسي، وبذلك يتم تجاوز الفلسفة التقليدية المثالية التي ليست مهتمة بالممارسة السياسية، وبذلك يكون للفلاسفة دور في هذا الميدان المميز للحياة الاجتماعية والذي تنشا فيه علاقات السيطرة في المجتمع. وبذلك يتم سلب الفلسفات القديمة والتقليدية، وتتركز أصول النظرية في الشعور بالمسئولية في مواجهة أحداث المجتمع التي لا يمكن احتمالها ذاتيا، وتتطلب شرحا موضوعيا بأكبر قدر ممكن. فإذا كانت حياة المجتمع هي نتاج العمل الذي يعطيه مجموع قطاعات الإنتاج، فان بنية الإنتاج الصناعي والزراعي وانقسام الوظائف الي قيادية وتنفيذية ليسا أمرين ثابتين مؤسسين في الطبيعة، إنما هما يرتبطان بنمط الإنتاج كما هو قائم في بعض أشكال التنظيم الاجتماعي. ولذلك لا بد للفكر النقدي أن يساهم في تكوين المجتمع الذي يسوده عدم المساواة، بأن يرسم بأكبر قدر ممكن من الوضوح صورة معينة للمستقبل، وذلك عن طريق رفع التعارض بين الفرد التلقائي بطبعة والواعي بأهدافة، وبين العلاقات التي يتضمنها العمل، ويكشف دائما عن الجانب اللاإنساني في الممارسات الاجتماعية والاقتصادية. والفكر النقدي هنا يمارس دورة في المجتمع الاشتراكي والرأسمالي علي السواء عن طريق كشف الطابع القمعي والتسلطي للممارسات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الرأسمالي، وإدانة الجمود البيروقراطي، والمحافظة علي العلاقة بين النظام والتلقائية في المجتمع الاشتراكي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما كان لا بد من التساؤل حول بنية العقل المعاصر الذي جعل الفرص التي يحملها التاريخ والخاصة بتحول المجتمع تبدو كأنها محاطة بحركة سلبية غامضة لأنه لم يكن أمام النظرية النقدية سوي الغرق أو إعادة مساءلة نفسها فهل كان هذا نتيجة لمأساة التنوير الذي دفع العقل الي هذا؟ لقد كانت هنالك عاصفة اجتاحت في طريقها اليقين والبشر ولذلك توالت بعد ذلك أعمال أدورنو وهوركهايمر حول نقد العقل، وخسوف العقل للأخر، والنظرية التقليدية والنظرية النقدية واشتركا معاً في تأليف كتاب هو (جدل التنوير) وكان الغرض من ذلك نقد الأسس الفكرية والمعرفية والأنطولوجية والإيديولوجية التي يستند اليها الواقع المعاصر الذي أصبح يتعارض مع الفرد  ويهيمن عليه وصدر اليه بنية التسليط والتدجين حيث جعل الإنسان المعاصر أسير عبودية الحاجات اليومية والاستهلاك ولذلك فإننا لا نستطيع أن نفهم نقد مدرسة فرانكفورت ما لم نربطه بأحداث ألمانيا النازية وبالتعنت السوقيتي الستاليني وبالمجتمع الصناعي وتكمن أهمية مدرسة فرانكفورت في نقد الحرب الحديثة والتي تأخذ صورة الحرب الشاملة هذه الآلة الرهيبة التي ينتظم إيقاعها علي غريزة بربرية لا حد لها، غريزة تتحمس للتدمير بلا تحفظ ولا يمكن أن يكون مثل هذا الخراب مجرد صدفة أو زلة غير متوقعة أنه نتاج عقل يدفع جنوحة الطائش نحو حدود اللاعقل وقد عبر هوركهايمر وأدورنو عن ذلك حين بينا أنه في للحظة التي تتحقق فيها يوتوبيا فرنسيس بيكون أي السيطرة علي الطبيعة علمياً يتجلي بشكل واضح جوهر الجبر والإخضاع الذي كان ينسب إلي الطبيعة هذا الجبر والإخضاع هو السيطرة بعينها والمعرفة التي رأي فيها بيكون تفوق وعظمة الإنسان تستطيع أن تبدأ في تدمير تفوق وعظمة هذا الإنسان نفسه.
 وقبل أن نبدأ في تحليل فلسفة أدورنو لابد أن نشير الي موقف خاص لمدرسة فرانكفورت لاسيما اليهود منهم مثل: هوركهايمر وأدورنو وبينامين فقد تسلل اليهم الشعور بخصوصية الثقافة اليهودية ودورها فبعد أن قضت النازية في ألمانيا علي أي أمل في الثورة ومع موت هذا الأمل هرب رجال فرانكفورت وكانوا يدركون تماماً ما يفعلون ولكن يهربون الي أين؟ ومن يتردد يدفع حياته ثمناً لهذا التردد ففي الشرق لم تسمح الستالينية بأي مكان لفكرة النقد وتلقائية الجماهير، وكانت تخنق الطبقة العاملة وتجر مبدأ صراع الطبقات الي تناقض أعمق ولم تكن الحياة في الغرب بأحسن حالاً حيث كان علي فرد يهودي أو ماركسي أن يجد له مخبأ ولذلك بدأ لهم أن هناك صراعاً يمزق هذين النظامين يعبر عن الطبيعة المتماثلة في كلاً النظامين ولهذا أتجه فلاسفة فرانكفورت لنقد الدولة الهيجلية ونقد التاريخ وإذا كانت نظرية ماركس وإنجلز قد ظلت ضرورية لفهم الديناميكية الاجتماعية فأنها لم تعد تكفي لشرح التطور الداخلي للأمم والعلاقات بينها.
ويبرز هنا تساؤل عن علاقة أعضاء مدرسة فرانكفورت بالصهوينية وهي علاقة ليست واضحة كما هي واضحة عند الفيلسوف الألماني مارتن بوير الذي اتخذ من الصهيونية أيديولوجيا فكرية له لكن أدورنو يشير بمرارة الي محارق وأفران معسكرات أوشفيتز التي كان يحرق فيها اليهود بصفتها تعتبر عن جوهر عصرنا فيقول أدورنو في الجدل السلبي مع إبادة ملايين من الأشخاص بإجراء إداري اتخذ الموت شكلاً جديداً لم نكن نعرفه من قبل وقد كانت هذه البنية بمثابة نهاية تاريخ العقل وهذا معناه أنه يتخذ من موقف اليهود في ألمانيا النازية وأزمتهم تعبيراً جوهرياً عن عصرنا والحقيقة أنه لا يمكن تأويل هذه الإشارات بوصم أعضاء مدرسة فرانكفورت بالصهيونية وإلا كان هذا تجنياً علي الحقيقة لأن معظم أعضاء مدرسة فرانكفورت من اليهود وكانوا ينتمون بأصولهم الاجتماعية الي الليبرالية وقد كانوا في معظمهم رافضين للممارسة الدينية ولكنهم كانوا واعين بخصوصية أصلهم اليهودي ودورهم الخلاق في الثقافة الألمانية وقد ذكروا الروابط العديدة المعقدة بين الفلسفة الألمانية والفكر اليهودي.
وقد أفلح المثقفون اليهود في الانتماء الي المجتمع الألماني والاندماج فيه حتي وإن كان الثمن غالباً وقد جذبتهم العقلانية والكلاسيكية الألمانية التي تعتمد علي فكرة مؤداها أن هذا الطريق الفكري هو الوسيلة الوحيدة "للحياة هنا" وللتخلص من عذابات الاندماج" ولنلاحظ أن كل هذا قد حدث قبل إعلان دولة إسرائيل وكانت الصورة التي تبدو للمفكر من مدرسة فرانكفورت هي صورة اليهودي الفضولي الآتي من الخارج والذي أعدته تقاليده لأن يكون فكرة تحليلياً دائماً وباستمرار، ولقد وهب العقل الحديث حقلاً واسعا من التجارب وإمكانية الحياة دون عار أو خجل. وقد اندمج هذا الميراث الكامل الذي يحمله اليهود من الخارج ودخل في الصور والأشكال التي لم تكن تستخدم من قبل والتي تسمي بأفكار العقل ولقد كان أدورنو وهوركهايمر وبنيامين يتقاسمون هذا الحلم المثالي حلم تأسيس علم يعترف به باعتبارة يجسد الحرية والتنوير وأيضاً باعتباره العلم الكوني الشامل المادي الذي يدفع بالضرورة الي قيادة فكرة العقل نفسها والتحكم فيها وقد ظل هؤلاء المفكرون - بالرغم من الهجرة والحرب - يرفضون عزل المسألة اليهودية عن المصير العام للبشرية دون أن  ينكروا أصولهم الخاصة، ودون أن يتخلوا عن بعض أصدائها ودون أن يجدوا مخرجاً لمشكلة اليهود الألمان ولذلك فقد عاد أدورنو الي فرانكفورت في عام 1948 مع هوركهايمر وبولوك أما الآخرون فقد بقوا في الولايات المتحدة أما بنيامين فقد انتحر في 26 سبتمبر 1940 بمدينة بورنو بعد أن فشل في الخروج من فرنسا عن طريق أسبانيا.
  يبدأ أدورنو كتابه الرئيسي الجدل والسلبي بالتساؤل حول إمكانية التفلسف في عصرنا الراهن ويعتمد أدورنو في معظم كتاباته علي منهج طرح السؤال والجواب وهو واع بذلك وقد ذكر التفاصيل المنهجية حول هذه الطريقة في الجزء الأول من كتابه هذا بالإضافة الي استخدامة العناوين الجانبية بشكل مستمر وقبل أن نستطرد في عرض أفكارة لابد من أن نشير الي محتويات كتابه لأنه وصيته الفلسفية الصعبة التي يرتكز اليها معظم فلاسفة فرانكفورت فالكتاب يتكون من مقدمة تحدث عن الطابع الخاص للفلسفة النقدية من وجهة نظر أدورنو ويوضح فيها مفاهيمه الأساسية ومصطلحاته والموضوعات التي يتناولها وهو في مقدمته يحتذي حذو هيجل في التركيز علي المقدمة في عرض الخطوط العامة للكتاب وبالإضافة للمقدمة يوجد ثلاثة أجزاء أولها يتحدث عن الحاجة الأنطولوجية   والجزء الثاني عن جدليات السلب والمفهوم (الفكرة) والمقولات ويحدد معني السلب negation  وكيف أنه يعني السلب والنفي من جهة والإنكار والرفض من جهة أخري، أي أنه ينطوي علي معني التدخل الإرادي من أجل إنكار موضوع، ولا يعني مجرد سلبه بطريقة آلية منطقية فحسب وفي الجزء الثالث الذي يحمل عنوان نماذج فيقدم أدورنو نموذجاً للتفكير السلبي في ثلاثة موضوعات هي: الحرية، والعالم الروحي والتاريخ الطبيعي، وتأملات في الميتافيزيقا ويقول أدورنو تبدو الفلسفة للوهلة الأولي في حياتنا المعاصرة كأنها مهجورة لأنها فقدت حقها الواقعي وهو يشير بذلك الي الأدوار التي مر بها الفكر الفلسفي من كانط حتي ماركس ثم يطرح التشيؤ reification  وهي التي سبق أن طرحها لوكاتش في كتابه التاريخ والوعي الطبقي (1923). بينما الطبعة الأولي للنص الألماني لكتاب الجدل السلبي لادورنو صدرت عام 1966، مما حدا بعض الباحثين إلي أن يعتبر كتاب أدرنو  مستمداً في فكرته الأساسية من أعمال لوكاتش.  يعيد أدورنو تحليل الفكر الفلسفي لكي يصل الي فكرة نقد العقل، وإخفاقة في النهاية ففي القسم الأول من كتابه يبدأ من كانط kant ،الذي نقل الاهتمام الفلسفي من حدود الأنطولوجيا التقليدية الي حدود البحث عن معايير المعرفة ومعايير العمل، وبذلك نقل الفكر من حدود المنطق المجرد الي حدود منطق الأحداث وصلتها بعقل الإنسان من جهة، وبعمله من جهة أخري، وهذا يعني أن كانط ركز علي الشكل الذي به يمكن أن تتم المعرفة وعلي قوانين هذا الشكل لتحرير الفلسفة من طغيان اللاهوت الديني من ناحية وطغيان المطلق الفلسفي من ناحية أخري ولذلك فإن المفهوم الفلسفي للنقد يبدأ مع كانط، الذي فتح الطريق واسعاً لبناء مضامين جزئية وحقائق نسبية.  ولقد كان العقل قبل كانط في حالة استلاب أمام المطلق وفي حالة قمع من قبل اللاهوت وسلطاته ولقد كان هيجل هو أول من حاول تطبيق الطابع الشكلي الذي قدمه كانط علي تحليل التجربة الإنسانية كتاريخ واجتماع وفكر وفن ودين، حين تعميق في هذه الشكلية حتي استطاع أن يكتشف حركتها، وآلياتها الداخلية،  وجسدها في الجدل بجوهره السلبي لطبيعة الأشياء وأن الفرق بين النقد الكانطي والنقد كما يقدمه أدورنو هو أن النقد عند كانط كان مجرد برهان علي محدودية العقل، وبالتالي إلغاء  المعرفة فيما يتجاوز أداتها وميدانها والواقعيين، والنقد عند أدورنو يوجه الآن الي الإنسان بالذات، وقد استمد هذا من هيجل لاسيما من صياغة هيجل للجدل بوصفة تعبيراً عن السلب ودراسته لتجربة الحضارة الإنسانية في ضوء منتجاتها المتداخلة، فالسلب يتحقق من خلال سياق الشكل: الديالكتيك ومن خلال نمو المضمون: مراحل تكون المقولات التي تعد أشكالاً قبلية فارغة في بنية العقل كما هو الحال عند كانط وإنما تمتلئ بمضامين لا تكف عن النمو والتحقيق فيتولد عنها سياقات متجاورة متفاعلة باستمرار كأنظمة سياسية واجتماعية وقانونية وأحداث مصيرية التاريخ وتطلعات فنية وفكرية وروحية تتجسد داخل المؤسسات الاجتماعية والتاريخية وهي كشف عن تحققاتها المتوالية التي تنفصل عن نتائجها.
وتطور مفهوم النقد عند أدورنو من خلال دراسته لماركس الذي حول الجدل من غاية في ذاته إلي منهج تحليل وكشف لبنيات التغير الاجتماعي عبر الوجود الاجتماعي المتحقق دائماً، عبر رموز عملية أو فلسفية أو دينية أو فنية ويصبح دور الفلسفة هو النقد بدلاً من النظر اليها بوصفها تعبيراً عن المطلق، وذلك حين يستطيع العقل أن يطابق فعلاً بين الجدل كمنهج عقلي وبين الجدل كصيرورة تاريخية وحركة مادية في صميم الطبيعة تنفي التناقضات الجذرية بين تلك الحدود الثلاثة الأساسية العقل والطبيعة والتاريخ. وتلك هي التناقضات التي حددت مراحل الفكر والحضارة معاً ففي الفلسفات القديمة كانت هذه الحدود مندمجة في المطلق الإلهي ثم أعاد كانط ترتيب العلاقة بين العقل والطبيعة ومحاولاً إقامة دعامة التجربة علي أساس توضيح وظيفة كل طرف بالنسبة للآخر، دون التورط في تحديد ماهية كل طرف في ذاته، وجعل ذلك من مهمة الميتافيزيقا  وحاول هيجل أن يدخل هذه العلاقة بين العقل والطبيعة (الذات والموضوع) في سياق الزمن فكان التاريخ عنده هو الأساس علي أن يشمل التاريخ المنهج (العقل) والتحقق العياني كمادة وأحداث إنسانية ولكن انقلب المعني عنده الي درجة تجريد التجربة الإنسانية كلها ودمجها في مطلق روحي جديد وذلك عندما وجد أن الاعتقاد السياسي (الدولة ) والاعتقاد الديني في مرحلة تاريخية معينة (هي الدولة الجرمانية في عصره) يؤلفان وفاقا تاما مع الطبيعة والتاريخ أي يصل العقل الي نهايته باستفادة الصيرورة التاريخية وهذا ما جعل ماركس يحاول النظر الي هذه الحدود الثلاثة (العقل، الطبيعة، التاريخ) من وجهة الوظيفية لكل حد بالنسبة للحدين الآخرين علي أن يصبح التاريخ بصورة رئيسية هو الميدان الأولي لتحقق جدلية هذه الوظائف الثلاث من خلال عينة واقعية مباشرة هي التحولات الاجتماعية وحاول ماركس أيضاً أن يجد معياراً مادياً لتطوير الحياة الإنسانية في ذاتها فكانت علاقات الإنتاج هي أساس اكتشافه الجديد وأدي هذا الي امتلاء الجدل بمضمون تاريخي ينعكس هو عنه إن التوافق بين الحدود الثلاثة لا يمكن أن يتم إلا عندما يتحقق التوافق بين الإنسان كقيمة وبين مردود عمله كمادة أي عندما يتم إلغاء الاغتراب بين الإنسان وإلغاء التشيؤ بين الإنسان ومردود عمله المادي.  فإذا تم إلغاء الاغتراب بين الإنسان والإنسان فإن إمكانيات الإنسان ستتحول نحو الصراع مع الطبيعة ليعود النفع علي المجموع الإنساني وهنا يتساءل أدورنو هل سلك الإنسان الطريق الصحيح في سعيه الي السيطرة الطبيعية.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .