دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 30/10/2017 م , الساعة 12:53 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

البناء الفكري العربي لمرحلة ما بعد العولمة

البناء الفكري العربي لمرحلة ما بعد العولمة

بقلم - منى عبد الفتاح:

موضوع البناء الفكري هو حالة عقلية ووجدانية تنبثق عنها أشكال من السلوك والتعامل مع الأفكار والأشياء والناس. وإن كان الفكر هو وعي الإنسان بذاته وبالمحيط من حوله، فإنّ مشاعر الإنسان هي عنصر أساسي من عناصر الذات البشرية، والوعي على هذه المشاعر لا يقلُّ أهمية عن الوعي بالعلم والمعرفة اللازمة لاتخاذ القرار المناسب أو القيام بعمل محدّد.

يتضمن تعريف البناء الفكري تمييزاً بين مفهومين هما: مفهوم البناء ومفهوم الفكر. مفهوم البناء يصاحبه التخطيط والتصميم والتنظيم. ومفهوم الفكر، يصاحبه العلم، والثقافة والوعي.

ومستويات البناء الفكري منها مستويات عامة يشترك فيها الناس من كل الثقافات مثل: الإدراك المادي وهو المدركات الحسية أو استحضار لوقائع حسية أو تحليل لمفاهيم نظرية. وأيضاً التذوق والوجدان وهو الانتقال من الوعي البارد بالعالم إلى ازدواج الوعي بالإحساس بالجمال والإتقان.

أما المستوى الذي تحمل منه الأمة العربية خصوصية معينة فهو الانتماء أي الانتقال من الإحساس بالجمال الكوني بشكلٍ عام إلى اكتشاف مكونات الحضارة العربية من موروثات وتراث وأفكار خاصة والاعتراف بعظمتها والانتماء إليها.

تحدّد الهوية الفكرية للأمة العربية مجموعة الأفكار التي تتبناها بأساليبها وطرق التفكير التي تستعملها ومن ثمّ البنية الفكرية التي تتضمن منظومة المعتقدات والقيم وأنماط السلوك. وتتشكّل هذه البنية من مصادر مختلفة، تعود إلى الموروث التاريخي، أو أساليب التنشئة التربوية والإجتماعية، التعليم، ومؤسسات المجتمع والتشريعات والقوانين أو غير ذلك من الآثار. ومن خلال حرصها على المحافظة على هويتها الفكرية والثقافية عملت الأمة العربية على عدد من هذه الأساليب والوسائل والإجراءات التي تشترك في صياغة عقول الأفراد وأنماط السلوك لديها بصورة تستطيع أن تميز هوية الفرد وانتماءه إلى مجتمعه.

تبرز الحاجة إلى التجديد والانفتاح عندما يأتي الحديث عن الفكر العربي، متمثّلاً في توظيف الوسائل والأدوات التي تستجدّ في الواقع العربي وتطوير المفاهيم وتنظيم الأفكار ضمن ضوابط منهجية تحدُّ من الفوضى الفكرية وتوفر إطاراً مرجعياً دون انفلات من الثوابت الدينية والأخلاقية.

يفتقر الفكر العربي لصور التجديد ولكن هناك الكثير من الادعاءات التي لم تنجح في تحقيق التجديد النسبي. بل ظل الفكر العربي عرضة لتأثيرات انفتاح الآخرين، فكانت الموازنة الصعبة بين الثبات على الأفكار والمبادئ التي لا تتناقض مع التوجه للتجديد، وبين التجدّد في مسوغات وضرورات الثبات على هذه الأفكار.

وقد كان من واجب النخبة العربية الاستعداد معرفياً لمواجهة تأثيرات العولمة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية، وإذ لم تقم بذلك تكون قد فشلت في عملية التجديد المعرفي الذي كان سيمكّنها من متابعة التغيرات العالمية، خاصة مع سقوط النماذج المعرفية القديمة. وأخطر من ذلك أنّها تعاملت مع العولمة كمفهوم حتمي يستدعي تطبيق ممارساته على الدوام، ولم تنتبه النخبة العربية إلّا بعد أن ظهرت أدبيات غربية تتناول نهاية العولمة، وهي - أي النخبة - لم تحرّك ساكناً كمحاولة منها لفكّ أسرارها، وظلت مأخوذة بحالة الاندهاش الأولى.

كان سقوط العولمة الاقتصادية بمثابة مؤثّر رئيس على بقية ركائز العولمة. أما مرحلة ما بعد العولمة الثقافية والفكرية فقد أدى تداخل البناء الفكري مع ما بعد العولمة واصطدامه مع تحدي الأيديولوجية الزمنية إلى ظهور القصور في البناء الفكري العربي. ويتمثّل هذا القصور في: انعزال النخب المثقفة عن واقع المجتمع، ضعف الخطاب العربي وعدم قدرته على مجاراة تطور الحياة والقضايا المستجدة وعدم تقديم رؤية نهضوية إصلاحية، وغياب القدرة على الإبداع والتجديد وضآلة الإنتاج الفكري خاصة على مستوى العلوم التطبيقية، فما زال الاعتماد الكامل في كل المجالات الحيوية على الدول الغربية.

وحتى حالات النهوض الحضاري العربي النادرة تمثّلت في استيراد مخرجات الحضارة الغربية المتمثّلة في الأفكار والمنتجات والأنظمة وبذلك بدأ المجتمع العربي يفقد هويته الحضارية ويصبح امتداداً للمجتمع الغربي. والحضارة في رأي مالك بن نبي كما جاءت في كتابه (شروط النهضة: 1986م) هي التي تلد منتجاتها، وتطبعه بروحها وفكرها، والعالم العربي لم يتمكن من بناء حضارة، لأنّه اقتصر على تكديس المنتجات المادية.

إنّ إعادة أسس البناء الفكري في مرحلة ما بعد العولمة يفرضه الضيق بالواقع القائم وهو في إطاره العام مزيجٌ من التجاذب بين الفوضى والاستقرار، الاستقلال والتبعية، التخلّف والتقدم، الهوية والعولمة. إذن لا بد من تأسيس شكل معرفيّ لأنّ التفكير في إطار عزلة معرفية لا يقدّم الكثير، فالاعتماد على فضاء معولم دون الاستعداد لما بعده أنشأ هذه الموجة من الاهتزازات والأزمات التي تعيشها البشرية بشكل عام والمجتمع العربي بشكلٍ خاص.

 

كاتبة سودانية

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .