دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 3/12/2016 م , الساعة 1:39 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

قصة من الواقع... شبح الماضي

قصة من الواقع... شبح الماضي

يقول صاحب هذه القصة:

حتى كتابة قصتي هذه فأنا مازلت أرتجف.. كل ما فيّ يرتعش.. وبصعوبة بالغة وأنا بصدد كتابة تلك القصة المأساوية والتي بطلها أنا، وأسرة كاملة كانت ضحية تهوري وطيشي.

قبل اثني عشر عاماً.. كنت شاباً يافعاً.. طائشاً. متهوراً.. لا يتجاوز عمري الحادية والعشرين.. لم أصدق أنني حين بلغت السابعة عشرة طلبت من والدي شراء سيارة أحدث موديل لقيادتها.. لم يرفض لي والدي طلبي.. لكنه اشترط عليّ ألاّ أهمل دراستي.. وأن انتبه أثناء قيادتي السيارة.. فوعدته بتنفيذ ما طلب.. ولكن هيهات.. في هذه السن.. فالطيش هو الذي يقودنا ويشبع رغباتنا.. دعوت أصدقائي لركوب السيارة معي.. وكنت في كل مرة أقود سيارتي بصورة جنونية دون تبصر أو تفكير في العواقب.. كما قلت: صغر السن والطيش يعمياننا ويغيباننا عن عواقب الأمور: كنتُ أعتقد أن الحياة والدنيا كانت هكذا.. لهو وعبث.. لم أعش أبداً المحن والمصائب.. استمرت حياتي هكذا واستمررت في هذا الطريق حتى بلغت الحادية والعشرين من العمر.. في ليلة شتاء باردة وممطرة.. قدت سيارتي بسرعة جنونية.. مستمتعاً بالجو والطقس مع صوت الموسيقى الصاخب وأنا أتراقص على أنغامها.. وفجأة ودون انتباه مني صدمت سيارة بشدة.. أصابني الهلع والرعب ترجلت من سيارتي لأستطلع الحادث والضحايا فإذا بالسائق وزوجته وأطفاله الثلاثة.. جميعهم في حالة يُرثى لها. كان واضحاً أن الأب والأم وأحد أطفالهما الثلاثة كانوا متوفين.. بينما الطفلان الآخران يصارعان الموت.. لكن في ذلك الوقت العصيب واللحظة لم أكن أفكر إلا بنفسي والتحقيق والشرطة والسجن.. لم أُخلق لـ"البهدلة".. هرولت مسرعاً قبل انكشاف الأمر.. وصعدت سيارتي.. أقود السيارة وأنا مضطرب وخائف.. ولا أعرف أي مشاعر متحجرة لديّ جعلتني لا أفكر في مصير أولئك الضحايا ولا حتى أي شعور بتأنيب الضمير.. كان كل ما يهمني هو نفسي والإفلات من العقوبة.. عدت إلى البيت والخوف يلازمني من انكشاف أمري.. أتساءل.. ربما أحد الأشخاص رأني.. أو التقط رقم سيارتي.. رغم الظلام الدامس الذي كان يغطي المكان.. لكن كانت الوساوس والهواجس تلعب بعقلي وتقلب تفكيري.. كلما رن جرس الهاتف أو الباب تملكني الخوف.. ربما الشرطة.. هكذا ظلت الهواجس والوساوس تسيطر عليّ لمدة أسبوع كامل.. حتى سمعت في أحد المجالس الشباب يحكي عن ذلك الحادث الأليم وأن جميع من في السيارة قد توفوا.. ولم ينج منهم أحد.. وكانوا يتساءلون من المتسبب في هذا الحادث.. لكن الإجابة كانت علامة استفهام.. فلم يعرف أحد هوية المتسبب.. وأغلق ملف الحادث.. فتنفست الصعداء.. واعتقدت أنني سوف أعيش بسلام مع نفسي.. نسيت موضوع الحادث.. واستمررت في تهوري وقيادتي السريعة.

وعندما بلغت الثامنة والعشرين فكرت في الزواج والاستقرار كما أصدقائي الذين جميعهم تزوجوا وأنجبوا واستقروا.. فاختار لي الأهل فتاة من أقاربنا.. جميلة.. وخلوقة.. فوجدتها مناسبة تزوجت .. ولأول مرة في حياتي شعرت بالاستقرار ومعنى الحياة.. وعندما أنجبت زوجتي طفلي الأول.. شعرت بمعنى المسؤولية التي لم أشعر بها من قبل.. ثم أنجبت زوجتي بعد سنتين على ولادة الطفل الأول توأمين جميلين، "بنت وولد"... غمرتني فرحة عارمة.. وفجأة انقلبت الفرحة إلى حزن.. في وسط فرحتي اعتراني خوف رهيب وحزن عميق.. تذكرت ذلك الحادث ومصرع الضحايا.. بالأخص الطفلان اللذان كانا لا يزالان على قيد الحياة يصارعان الموت دون أن أحاول إنقاذهما.. بل وليت هارباً.. تركتهما يواجهان الموت وكأنها إرادة الله.. شعرت بالفزع والخوف على أطفالي.. بأن يعاقبني الله تعالى في الانتقام من فلذات كبدي جراء فعلتي الشنيعة.. كلما نظرت في وجوههم أتذكر أولئك الأطفال الضحايا لا أخفي أنني شعرت بالندم كوني لم أتدخل لإنقاذهم.. اسأل نفسي.. لو تدخلت في محاولة إنقاذهما لربما كتب الله لهما عمراً جديداً.. وإن توفيا.. سأكون عملت ما بوسعي وما يحتم عليه واجبي في محاولة إنقاذهما لا أن أهرب كي أنجو بنفسي من المحاكمة.. وأنسى أن عين الله تراقبني.. وهو الذي يطلع على كل شيء.. وهو المنتقم الجبار.. ولم يخطر ببالي أنني لا أفلت من عقابه.

ها أنا الآن ضميري يعذبني.. فشبح الماضي يطاردني في منامي وفي يقظتي.. أعيش في قلق وخوف من أن يصيب أطفالي أي مكروه عقاباً من الله لي.. لا أشعر بالسلام الداخلي أبداً.. أعلم أنه لا مفر من عقاب الله.. وكما تدين تدان.. لكني أرجو الله ألاّ ينتقم مني في أطفالي وفلذات أكبادي.. وإنما ينتقم مني أنا وحدي.. فأنا المجرم الملام على ما حدث منذ سنوات.. فوالله لم أشعر بقيمة الحياة الحقيقية ومعنى الإنسانية وروح المسؤولية ولم أستشعر بالعواطف والحب والإحساس بالآخرين إلا عندما أصبحت أباً.. فالإحساس والشعور بالأبوة تجاه الأبناء هو الذي جعلني إنساناً آخر.. ليس لديّ في الدنيا أحب وأعز من أطفالي.. ربي أسألك سؤال الذليل أن تحفظهم وتبعد عنهم كل مكروه.. وأن تغفر لي طيشي وتهوري وتسببي في موت أولئك الضحايا.. إنك غفور رحيم.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .