دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 2/8/2018 م , الساعة 1:52 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

وللآلام نعمة

وللآلام نعمة

بقلم - عبدالرزاق العنزي:

إن الألم شعور يهز الكيان، ويحرق الجوى، ويلذع النفس، ويُغم القلب، إنه مزيج من أخلاط المشاعر التي نعيشها في يومنا وليلنا ما بين ألم فراق، أو فقدِ عزيز، أو خسارة وظيفة أو منصب أو تجارة أو عاهة تجتاح أجسادنا أومرض يهدّ قوانا أومصيبة تأتينا على حين غِرة، ولكن مع كل هذه الآلام، كما يقول مكسيم جوركي: «كلما ذاق المرء المزيد من المرارة زاد جوعه لمباهج الحياة» فأحياناً يكون الألم محموداً، فقد يكون خيراً لنا أن نتألم، لأن مع الألم يأتي الإبداع، ومع الألم يأتي التفوق، ومع الألم يأتي التسبيح والاستغفار، ومع الألم يأتي الدعاء الحار، والدمع الصادق، ومع الألم تأتي التوبة إلى الله والرجوع إليه.

ولولا الألم لتآكل جسم المريض وخارت قواه فجأة، لكن الألم يعطيه إشارات أن هناك خطراً جاثماً على جسده يجب علاجه، ولولا الألم والمعاناة لما اكتوى الشاعر بلهيب الشوق والحب ولما أخرج لنا شعراً تُنثر كلماته على غمام السماء، ويكتب بماء الذهب، فأنتج لنا أدباً مؤثراً وكلاماً لطيفاً خلاّباً، لأنه أحس بالمعاناة وتألم بالفراق وقطع الوصال، فأنتج لنا «قيس وليلى»، و»جميل وبُثينة»، وكلهم سطروا أعذب الكلام، وتفننوا في وصف الجمال وماتوا دون عشقهم، ومثلهم شعراء المعاناة والألم والفراق الذين أبدعوا الحسن في شعرهم، مثل مالك بن الريب والمتنبي والنابغة وغيرهم.

إذاً الألم وصيف للشعراء ومن لم يعرف الألم ولم يذق مرارته تخرج قصائده باردة سامجة رخيصة الحديث ركيكة المعنى من سقط المتاع لأنه لم يعشها ولم يشعر بألمها ولم تخرج من قلبه، وأيضاً مع الألم والمعاناة يخرج إبداع الكتّاب، يقول وليم جيمس: «عاهاتنا تساعدنا إلى حد غير متوقع ولو لم يعش دوستيو فسكي وتولستوي حياة أليمة لما استطاعا أن يكتبا رواياتهما الخالدة، فاليتمُ والعمى والغربة والفقر قد تكون أسباباً للنبوغ والإنجاز والتقدم والعطاء.

وأسمى من هؤلاء في الألم حياة المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم الذين عاشوا ألم الجوع والفقر والشتات، عاشوا ألم الجراح والقتل والتعذيب فأخرجوا لنا أعلاماً نبلاء ورموزاً في التضحية، أمثال سيد المعاناة والألم بلال بن رباح، صبر على الألم فخرج لنا أعظم مؤذن في الإسلام، وغيره كثير ممن تحمّلوا الألم والمعاناة، فأخرجوا لنا أسوداً في الوغى وعبّاداً في الليل وقادة في النهار.

هذا على صعيد الأفراد، أما على مستوى الجماعات والشعوب، فالألم ينشئ دولة ويبني حضارة وبالمثل يهز عروش ظلمة، ويكسر أنوف جبابرة، والألم يجعل المناضل الثائر يثور على الظلم والاستبداد والقهر لشعبه كثورة مانديلا على العنصرية.

وفي وقتنا الحاضر ألم حصار الدول وتجفيف الموارد عليها يصنع ثورة قوميّة، تجعل عرق العامل يرشح مسكاً، فيتحوّل الشعب إلى منتجين في شتى مجالات الحياة، فألم الحصار حوّل الاعتماد على الآخرين إلى نتاج وطني واكتفاء قومي واستغلال لموارد الدولة وإمكانياتها، والاستفادة من طاقات شبابها وشاباتها.

وأخيراً.. الألم نتاج حلو، ووجه من أوجه الفضيلة، فيه تخرج كوامن النفس وطاقات الروح ومكنونات الخاطر، وأحاسيس الفؤاد ورفاهية العقول، وإبداع الفكر ورجاحة العقل، فتألم يا صديقي ولا تجزع ولا تخف من المعاناة، فقد يكون فيها خيراً كثيراً لك في دنياك وآخرتك، وقد تمنحك قوة من بعد ضعف، وتكون نقطة تحوّل في حياتك للأفضل.. وفي النهاية،، وللآلام نعمة.

 

Bn_lafi@hotmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .