دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 3/10/2009 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أدموند جابيس شاعر الإنسانية

المصدر : وكالات خارجية

بمناسبة إصدار الطبعة الخامسة من أعماله

  • جيزيل ليتمان: نعرف أننا خدعنا بأكذوبة الوطن المقدس
  • أعمال الأدباء اليهود النازحين تفوح منها رائحة الحنين إلي الوطن
  • بويل إيلوار: جابيس وهب نفسه للشعر والفكر والحب
  • جابيس: الفلاح المصري هو رجل الكشف والنبوءة
  • ديوانه الأول ينشر في باريس ويقدم نفسه
  • الحكومة المصرية تعينه مستشاراً في بورصة النقد وفرنسا تمنحه وسام الشرف كشخصية ثقافية رفيعة
  • إخلاصه للمدرسة السريالية يجعله يهاجم كوكيتو
  • أشهر أعماله »ثلاث فتيات من حينا« و»قشرة العالم«

 

بقلم - باسم توفيق: (نحن السائرون فوق حطام الوقت والسابحون فوق صفحات التاريخ نبحث عن وطن أو نرحل من وطن أو نلج إلي وطن قد نعرف أننا حينما خدعنا بأكذوبة الوطن المقدس تهنا عن وطننا الحقيقي ورحلنا عن تراب سوف تحن أجسادنا قرونا قادمة لتعود ويتحد ترابها بترابه... إذن نحن الحالمون والخائنون والباحثون عن الشتات دوما والنادمون أيضا علي وطن لفظناه ولفظنا).

لم أجد غير هذه الكلمات الأكثر واقعية ورومانسية في نفس الوقت والتي استعرتها من الكاتبة السويسرية ذات الأصول المصرية جيزيل ليتمان والتي أطلقت علي نفسها اسم »بات يائور« أي »بنت النيل« وكانت هذه الكلمات رداً علي بعض الاتهامات التي وجهت لها بعد نشر عملها الروائي »متسرايم شيلي« أي مصر الخاصة بي وعلي الرغم من أنه كانت تشوبه العديد من التصورات غير الصحيحة التي انطبعت في طفولتها المصرية إلا أنه يعتبر أول عمل يكتب باللغة العبرية يعالج فكرة الحنين إلي الوطن الأم.

بالطبع ليست ليتمان هي موضوعنا اليوم لكننا قد نطرح من خلال كلماتها تساؤلا مهما ربما قد نجد علي ضوء إجابته حقيقة في غاية الأهمية عما يعرف بالشتات اليهودي في العصر الحديث وما إذا كانت إسرائيل عودة من الشتات أو عودة إلي الشتات.

الحقيقة إن الأصح هو أن إسرائيل هي عودة إلي الشتات كما أنها في نظر عدة ملايين من اليهود الذين يعيشون خارجها ليست هي الوطن المنشود كما حاولت المنظمات الصهيونية تعبئة العقول بهذه الفكرة لأكثر من 300 عام في العصر الحديث.

لكن ما يهمنا في هذه القضية وهو موقع الأدب والفكر من هذا الجدال الذي ربما قد يطول لعدة قرون قادمة وربما أيضا لن يحسم.

والدليل علي شيوع فكرة »إسرائيل هي موطن الشتات« هي رائحة الحنين الطاغية التي تلون معظم الأعمال الأدبية لهؤلاء الأدباء الذي خرجوا من أوطانهم الحقيقية سواء متوجهين الي وطن الوهم إسرائيل أو تاركين الوطن العربي إلي أوروبا التي لم تحتويهم ولفظتهم بكل المقاييس بل واعتبروا أنفسهم دائما أغراب عن هذه البلاد والأمثلة علي ذلك كثيرة.

ولعلنا لن نستطيع أن نعطي فكرة واضحة عن هذا الطرح بدون أن نعطي مثلا وافيا لأدب »المهاجرون إلي الشتات« كما نحب أن نطلق عليهم.
وبمناسبة صدور الطبعة الخامسة لأعماله الشعرية الكاملة الشهر الماضي يعتبر أدموند جابيس هو الأديب والشاعر المصري اليهودي العالمي هو المثال المناسب لطرحنا حيث نضعه كلبنة في بحث قد يطول لأكثر من حلقة عن أدب اليهود في الشتات.

يقول الشاعر الفرنسي الشهير بول إيلوار »منذ أن عرفت جابيس عام 1937 عرفت فيه شخصا وهب نفسه للشعر.. للفكر وللحب.... والحب عند جابيس له مقاييس مختلفة ومغايرة لفكرة البشر فالحب عنده هو حب لكل البشر ودواء لكل الجروح.. جابيس حالم ونقي ويسبق قيم عصره الشعرية ويضع روائح وعطور وتوابل فوق كلماته موطنها مصر والشمس الساطعة دوما خلف أحجار الزمن التي تحكي حواديت تلك الوطن الحقيقي«.

الحقيقة أنني حينما قرأت هذه الكلمات عن جابيس من رائد المدرسة السوريالية الشعرية بول إيلوار راودتني دهشة مصدرها هو ذلك الإحساس الإنساني العالي الذي يصف به إيلوار جابيس بحيث يركز بشكل محوري علي شعوره بمصريته حتي وإن كانت هذه المصرية مصدراً للتوابل الشعرية التي يستحضر فيها ماضيه وطفولته وشبابه وكهولته أيضا.

ومن وجهة نظرنا الشخصية يعتبر جابيس من الذين تعلقوا بوطنه الأم مصر والتي لم يغادرها إلا في عام 1957 بعد أن بدأت الطائفة اليهودية بالانقراض بالفعل والتي خطت خطوتها النهائية في الرحيل بعد حرب الأيام الستة 1967 حيث اعتبرت السلطات بشكل غير معلن وغير ذكي أيضا أن كل اليهود عملاء للنظام الإسرائيلي من هنا رحلت القلة الباقية نهائياً ومعظمهم إلي فرنسا وإيطاليا وسويسرا والقليل الي أستراليا والأرجنتين.

يقول جابيس عن مصر »لا يمكن للمرء النظر إلي مصر أو الي الشرق بعيون غربية علي إنها جزء من غرائب العالم وحسب بل هي أساس العالم إيضا.. كلا إن المصري ليس كسولا ولا بليدا ولا خامل الحس إنه ببساطة شديد الالتفات »خاصة الفلاح« إلي العلامات والإشارات التي تغيب عنا... المصري هو رجل الكشف والنبوءة«.

بالطبع الفقرة ليست بحاجة لتعليق أو أي جدل حتي نثبت إلي أي مدي كان يحب جابيس مصر والتي علي الرغم من سفره وترحاله ورحيله عنها فيما بعد نهائيا ظلت في خاطره ومخيلته كوطن ثري أعطاه تجربة عميقة في حب الوطن وقبل أن نلج إلي عالم جابيس المتميز والثري يجب أن نشير إلي رأي جابيس في إسرائيل والتي اعتبرها وطن الشتات حيث لم يزرها قط غير مرة واحدة مع زوجته قبل حرب 1948 لإلقاء محاضرة عن الشعر الحديث مما جعله أيضا يقول صراحة ودون خجل »إن فكرة الذهاب والعيش في إسرائيل لم تخطر ببالي قط ولعل ما وراء ذلك هو إيماني بأن الشاعر يجب أن يعيش خارج هذه الانتماءات الزائفة والتي قد يتم صبغها بشكل ديني أو عرقي أو غيره أنا أعرف وطني جيدا.. وطني هو الشعر«.

ولد ادموند جابيس في 16 أبريل عام 1912 لأسرة يهودية آتية إلي مصر من شمال البلقان والتي استوطنت حارة اليهود ثم الموسكي ثم قصر الدوبارة »جاردن سيتي حاليا« والحقيقة أن اسم عائلته ليس غربيا كما يتخيل البعض فهو الكتابة الغربية لكلمة »يعبس« وهو اسم عبراني وعربي معناه »يقطب حاجبيه« لكن كتابة الاسم بالحروف اللاتينية استدعت نطقه بهذه الطريقة »جابيس« وكانت أسرته قد حصلت علي الجنسية الإيطالية كما كانت تفعل الأسر الشامية واليهودية للحصول علي امتيازات خاصة بالأجانب وكانت الأسرة تملك مصرفا كبيرا يخدم قطاع البنوك فيه هذا الوقت ودرس جابيس في »كوليج دي سان باتيست« وهي مدرسة الفرير الفرنسية بباب اللوق ثم في مدرسة الإرسالية الفرنسية »الليسية« ثم يذهب ليدرس الآداب في باريس عام 1929 وينشيء بمساعدة أخوه هنري في باريس مجلة تتابع النشاط الثقافي المصري كما يعلن رفضه لفكرة إنشاء وطن لليهود ويعتبر نفسه من القوميين المصريين وسوف يثبت التاريخ أنه كان محقا حيث يظل مخلصا لهذه الفكرة حتي وفاته.

ويحدث التحول الكبير له قبل مغادرة باريس حيث ينشر أول ديوان له في باريس عن دار أوجين فيجير واسمه »أوهام عاطفية« ويتبع هذا الديوان بديوانين آخرين حين عودته للقاهرة واحد باسم »أنتظرك« والآخر باسم »إلي أمي«.

وبمجرد أن يعود إلي مصر يمارس نشاطه الثقافي بشكل واسع حيث يقابل في القاهرة الشاعر الإيطالي الكبير جان موسكاتيللي ويقرر بإيعاز من موسكاتيللي الانضمام الي أنشطة تحارب الفاشية وكان من الممكن أن ينجرف جابيس في هذه الفترة إلي العمل السياسي لكنه ظل علي إخلاصه للشعر بالرغم من نشاطه السياسي الواضح كما أن هذا لم يمنعه من الانضمام إلي أكبر وأهم منظمة نشأت في القرن العشرين لمحاربة الصهيونية والتنديد بها وفيها تعرف علي المحامي اليهودي الشهير ليون كاسترو والذي يعزي إليه تأسيس أول حزب شيوعي بمصر بل والشرق الأوسط قاطبة.
وفي هذه الفترة أيضا يكتب جابيس مجموعة قصائد فانتازية بعنوان »علي غير هدي« والذي قدم له صديقه الأديب العالمي ماكس جاك وفي عام 1935 يشارك جابيس في مؤتمر موناكو كأديب مصري معاصر »كما يحب أن يقدم نفسه دائما«.

ومما يجعلنا نؤمن تماما أن جابيس كان أديبا أحب البشرية وكره الحرب حينما فشلت مساعي السلام قبل الحرب العالمية الأولي ودخلت إيطاليا الحرب أصبح جابيس من أشد المعارضين للفاشية علي الرغم من أنه كان يحمل الجنسية الإيطالية ولم يتوقف عند هذا الحد بل نظم جابيس مؤتمرا كبيرا للتنديد بفظائع الفاشية وقام بكتابة عدة مقالات عن الفظائع التي ترتكبها ألمانيا وإيطاليا في اليونان وشاركه في ذلك الأديب المصري أحمد راسم كما شارك أيضا فيها أديب فرنسا الكبير بول إيلوار.
بل ويتعدي نشاط جابيس في التنديد بالظلم أكثر من ذلك حيث يدعي لتكريم أحد أبطال المقاومة الشعبية الفرنسية وهناك يلقي محاضرة عن الشاعر الفرنسي بيير سيجرس الذي كان عضوا في المقاومة إيضا.

ولعل شطط كوكيتو وانضمامه إلي قافلة العبث جعل خلق جفوة بينه وبين جابيس مما جعل جابيس يتبني حملة ضد كوكيتو 1947 ولعل السبب في ذلك أيضا هو ولاء جابيس الدائم للجماعة السوريالية التي بدأ كوكيتو ينتهج خطا مغايرا لها حينما ساير موجة العبث التي لها في الأساس جذورا فلسفية إلمانية.

وبعد إقامة دولة إسرائيل عام 1948 لم تستطع موجات العنف التي نشبت ضد اليهود من جماعات كثيرة كان علي رأسهم جماعة الإخوان المسلمين لم تستطع هذه الأحداث أن تجعل جابيس يفكر ولو للحظة في ترتيب أمور خروجه من مصر علي الرغم من أن عدداً ليس بالقليل من اليهود غادروا مصر في هذه الفترة خوفا من ازدياد موجات العنف ويصدر في هذه الفترة عمله العظيم »ثلاث فتيات من حينا«.

لكن علي العكس ينتظم جابيس في نشاطه الثقافي المصري العالمي وتواجد باستمرار في المناخ الثقافي فيشترك مع الفنان المصري جورج حنين في جماعة السوريالية الشهيرة.

بعد قيام الثورة يصبح جابيس أكثر اتساقا مع عالمه الفكري كما أن الحكومة الجديدة تستفيد من خبراته فتسند إليه وظيفة مستشار في بورصة النقد كما تقوم مكتبة جمعية الصداقة الفرنسية بنشر أول مجلد يجمع أعمال جابيس.

وفي عام 1952 أيضا تمنح الحكومة الفرنسية وسام الشرف لأدموند جابيس كأديب ومثقف مصري كبير وفي العام الذي يلية يموت أعز صديق في الحقل الأدبي لجابيس وهو الشاعر الفرنسي بول إيلوار فيكون هو صاحب الكلمة في حفل تأبينه ويقوم بإلقاء عدة محاضرات عنه في الكولاج دي فرانس وينتهز أيضا هذه الفرصة فيقدم مجموعة من المحاضرات عن شاعر فرنسا الكبير أرتور ريمبو والشاعر الفرنسي هنري ميشو.

وبعد أن يخوض تجربة تأسيس دار للنشر وينشر أعمال جرينية وبونور يقدم كتابه الشهير »قشرة العالم« لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن حيث تتسبب أزمة قناة السويس وحرب 1956 في قطع العلاقات الفرنسية - المصرية من هنا تتوقف كل الأنشطة الثقافية الفرنسية في مصر وليس ذلك وحسب بل يفارق معظم أصدقاء جابيس في الحقل الثقافي الحياة مثل كاسترو وستافرينوس وغيرهم مما يصبح من الصعب عليه الاستمرار في نشاطه الثقافي في القاهرة كما ينظر الي اليهود في هذه الفترة بعين الريبة كما أسلفنا مما يجعله يغادر مصر نهائيا الي باريس عام 1957 وهناك يكمل مسيرته الثقافية حتي يتوفي عام 1991.

ولا نستطيع أن نختم كلامنا قبل أن نقول إن جابيس أديب مصري يكتب بالفرنسية ولم تكن يهوديته يوما ما عقبة في طريق تفجير طاقاته الوطنية بل كان دائما يعمق فنه بوصله لينابيع مصريته.