دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 27/12/2017 م , الساعة 12:39 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تلفتوا للواقع الفلسطيني

تلفتوا للواقع الفلسطيني

بقلم - توجان فيصل:

أبهرتنا عهد التميمي قبل سنوات طفلة شقراء نحيلة، تكاد تظنها من نسج كاتب قصة خيالية وتجسيد رسام مبدع، صورة متحركة تركّب على خلفية حقيقية لجنود مدججين بالسلاح.. وأبهرتنا ثانية صبيةً لم تبلغ السابعة عشرة بنظرتها الواثقة المتحدية التي ألقتها من على كتفها المزدان بشلال شعرها الذهبي، وهي محاطة برجال ونساء شرطة وجيش وكأنها قنبلة يخشى تفجرها، يكبلون قدميها ويضعونها في قفص حديدي.. وأبهرنا والدها بما قاله لها عند دخولها قاعة المحكمة مشجعا، وما قاله للإعلام من رفضه النظر لابنته بشفقة، ورفضه كونها الاستثناء بل القاعدة المتكررة في أطفال فلسطينيين آخرين لم تلتقطهم الكاميرات كما التقطت عهد.

وأسرة عهد التميمي عينة ممثلة لغالبية الأسر الفلسطينية تحت الاحتلال بما أصابها من اعتقالات وجراح بل وقتل لمشاركتهم في احتجاجات سلمية، وبالذات الأسر التي تتعرض لزحف قطعان المستوطنين مدعمين بجيش الاحتلال المجهز لخوض معركة مع جيش آخر، وليس لمواجهة مدنيين عزل.. وهؤلاء الجنود عينة تمثل ما يسمى «جيش الدفاع» الإسرائيلي.

وكلا النموذجين المناقضين لكل مزاعم الصهيونية التي كانت تقبل كحقائق، فاجأ وصدم العالم الآن، فقط لأنه أصبح بالإمكان تصوير وبث الحقيقة كما هي لحظة حدوثها. فإذا «الطفلة الخارقة» حقيقة موجودة بكثرة في فلسطين، وإذا الأشرار المدججين بالسلاح المحرّم القادمين لاحتلال أرض ليست لهم وقتل أهلها وتدمير بيوتهم ومحو أثرهم عن البسيطة، ليسوا أيضا صورة مصنعة ثلاثية الأبعاد في فيلم سينمائي أو لعبة كمبيوتر، بل حقيقة قائمة في «فلسطين» أيضا.

دولة الاحتلال الإسرائيلية أعلنت أنها تريد وضع «عهد» في السجن بقية حياتها، أو التنكيل بها بما لا يتيحه أي قانون في العالم كله الآن، ولغير ما جرم سوى الدفاع عن النفس والأهل والبيت الذي لا يجرّم فعل القتل ذاته إن قام به المدافع «البالغ الراشد»، فكيف بـ»القاصر»، وكيف بكون هذا الدفاع يتمتع بمشروعية أخرى مجمع عليها دوليا هي الدفاع عن الوطن في مواجهة «احتلال» معرّف هكذا في قوانين بل وقرارات دولية؟! وكيف إن كان الدفاع جرى «بقبضة « طفلة أو «عضة» بأسنانها لمهاجم مسلح مدرب على القتال ومعزّز بما لا يقل عن «أوامر» قتل للعزّل لا تُعاقب؟!

عهد التميمي وأسرتها ليسوا الاستثناء وإنما القاعدة للأسر الفلسطينية تحت الاحتلال المضطرة للدفاع عن أنفسها. وبالمقابل الجنود الذين يقتلون مدنيين عزلا وأطفالا وشيوخا ومعاقين هم القاعدة للجيش الإسرائيلي. ولكن في الحالتين هنالك نماذج مختلفة لا تطابق نسخة «البروتوتايب» في النتاج «البشري»، منها نموذج الجندي الذي لم يفرغ رصاصه في جسد صبية صفعته دفاعا عن بيتها وأهلها، كما أفرغ زميل له رصاصه في جسد مواطن كان أقعده من قبل زميل آخر برصاصه لأنه خرج في مسيرة احتجاج لم يحمل فيها سوى الحجارة. والغالب على الجانب الإسرائيلي أنهم يخطّئون الجندي الذي لم يقتل عهد أو يقعدها لصفعه. ولهذا يتنادى الآن الجيش الإسرائيلي وما يسمى «القضاء» الإسرائيلي لإصدار حكم، سابق لأي زعم محاكمة، بسجن الفتاة المدافعة عن نفسها وأهلها بصفعة يد «بقية حياتها».

وهذا سيوجب وقفة مفاضلة لدى الفلسطينيين والفلسطينيات لتقييم جدوى المقاومة السلمية التي تسلب هؤلاء حياتهم، أو الأسوأ تلقيهم في سجون العدو الغاشم. وسيعيد هؤلاء تقييم جدوى البقاء ضمن البروتوتايب الغالب، أو الخروج عنه بما يضمن دفع الطرف الآخر المعتدي ثمنا يساوي حياتهم المستهدفة بالموت أو السجن، ناهيك عن كونها حياة نزعت منها قوى الاحتلال كل مغريات البقاء فيها. وهذا جرى من قبل، ولكنه اعتبر استثناء. ولكن معروف أن البروتوتايب ذاته يغير أو يلغى حين لا يعود مجديا وموفيا للغرض منه.

ولكون حديثنا عن فتيات فلسطينيات، هنالك نموذج بدأته الشابة «وفاء إدريس» حين قررت دفع حياتها التي أفرغها الاحتلال من كل ما يستدعي التمسك بها منذ شرد أسرتها من «الرملة» بعد احتلالها عام 1948، بتفجير نفسها في سوق يرتاده المحتلون في القدس فقتلت يهوديا وأصابت مائة وعشرين آخرين. تلتها «دارين أبو عيشة» من نابلس بتنفيذ عملية على حاجز إسرائيلي على مشارف القدس أصيب فيها ثلاثة من الوحدة الخاصة في شرطة الحدود الإسرائيلية. ومن بعدهما نفذت «آيات الأخرس» من مخيم الدهيشة عملية في القدس قتل فيها ثلاثة إسرائيليين وجرح سبعون. أما «إلهام الدسوقي» فهي حالة أشبه بحالة عهد كونها تصدت لمن اقتحموا منزلها في مخيم جنين، ولكن بتفجير نفسها بينهم فقتلت ضابطين وجرحت عشرة آخرين. والخامسة هي «عندليب طقاطقة» التي فجرت نفسها في سوق يرتاده اليهود في القدس، فقتلت ستة وأصابت أكثر من خمسة وتسعين إسرائيليا، وكادت تقتل رئيس بلدية الاحتلال في القدس حينها إيهود أولمرت. وتلت أخريات ولكنهن بقين قلة.

ولا واحدة من هؤلاء الفدائيات استأذنت أو أنذرت أحدا. ولكن قراراتهن لم تكن عشوائية بل «نتاج حتمي» للواقع الفلسطيني، لا ولن يغير أي احتجاج عليه وصفه هذا.. ما سيغيره هو تغيير الواقع الفلسطيني.

 

كاتبة أردنية

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .