دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 27/8/2018 م , الساعة 12:59 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تأملات في التاريخ العربي المعاصر (2 - 2)

تأملات في التاريخ العربي المعاصر (2 - 2)

بقلم : جهاد فاضل - كاتب لبناني ..
إذا جال المرء ببصره في أطلس العالم الحديث وجد أن كل الأمم القديمة العريقة حققت وحدتها ونهضتها أو هي في الطريق إلى تحقيق ذلك إلا الأمة العربيّة.

فالصين نهضت من سبات الدهور وتحوّلت إلى أمة ذات شأن في العالم المُعاصر، وكذلك اليابان والهند واليونان وإيطاليا وريثة الإمبراطورية الرومانيّة. وما من حركة قوميّة عربيّة حالياً تسعى لدور يندبها إليه التاريخ، أي لدولة عربية واحدة ذات تطلعات حضاريّة ومستقبليّة من نوع ما وصلت إليه الدول التي أشرنا إليها. وقد لا يُبالغ المرء إذا زعم، أو توقع، أن هذه الدولة المرجوة قد لا تبصر النور أبدًا لا في الحاضر القريب ولا في أي وقت آخر.

والدليل الأولي على ذلك هو انعدام الظواهر التي تؤشّر إلى ذلك وكثرة الظواهر السلبيّة التي تفيد العكس، وأولها ما أشار إليه أحد أفراد الأسرة الأمويّة كسبب لسقوط دولتهم وتغلّب أعدائهم العباسيين عليهم. فقد عزا السبب إلى «اختلاف ما بيننا واجتماع المُختلفين علينا». وهو ما يراه المرء بالعين المجرّدة.

إسرائيل تستقطب كل القوى الفاعلة في العالم في حين يكاد المرء لا يعثر على دولتين عربيتين، جارتين أو غير جارتين، تتصافيان الودّ وتنعمان بالجوار الحسن. وليس هذا هو طابع اللحظة الراهنة بل طابع كل لحظة على مدار التاريخ المُعاصر.

وبالإضافة إلى متاعب الجوار التي لا دواء لها، هناك متاعب بلا حصر وبلا دواء أيضاً ومنها على سبيل المثال لا أكثر متاعب التنمية وبناء الدولة وتردّي مستوى هذه الدولة في كل جانب من جوانبها. ونسبة الجهل والأمية التي تتجاوز نصف السكان، ومع الجهل والأمية سيادة الخرافات ومعاداة اللغات والحضارات الأجنبيّة والتقليد الساخر لما عند الآخرين من قيم ومؤسسات.

فديموقراطيتنا ليست هي الديموقراطية كما تُمارس في البلدان الديموقراطية، ولا الجامعة جامعة ولا المدرسة مدرسة ولا الكتاب مكتوب بالروح العلميّة الرصينة التي يكتب بها الأجانب كتبهم. والعداء للحداثة والمُعاصرة على أشدّه، وافتقاد الطموح والريادة والنخبة التي تتوسّل العلم والعقل توخياً لاستعادة دور مفقود، ولكن واجب الوجود لأمة بسطت نفوذها سحابة ألف سنة على العالم ثم عادت إلى كهوف التاريخ. ألا يستحق كل ذلك سؤالاً عن السبب أو الأسباب، أياً كانت، لتجاوزها؟ ولكن من سيطرح هذه الأسئلة؟ عند الأمم الأخرى، تتولى النخب في المجتمع وفي الجامعات هذه المهمّة، وعند أمتنا تُفتقد هذه النخب وتُفتقد هذه المهمّة.

وضع الجامعات العربية التي يُفترض أن يقع على عاتقها عبء كبير في عملية النهوض الوطني والقومي، أسوأ وضع يمكن أن يتصوّره المرء. الشهادات العلميّة للجامعات العربيّة لم تعد مقبولة في الغرب. المحاولات الفكريّة التي اضطلع بها مفكرون وباحثون كبار كالعروي والجابري وحنفي وجعيط وتيزيني وزكي نجيب محمود أدّت دورها والزمن الحالي بحاجة إلى مُفكرين وباحثين آخرين مفقودين.

عندما وطئت أقدام اليهود فلسطين في العشرينيات من القرن الماضي كان أول ما فعلوه تأسيس «الجامعة العبرية» في القدس اقتناعاً منهم بدور الجامعات في بناء الأمم.

كان ذلك في عام 1924 وكان طه حسين أحد خطباء حفل الافتتاح، كما كان أحد بناة الجامعة المصرية. ولكن طه حسين كان يخوض وقتها معركة كتابه (في الأدب الجاهلي) في مصر ويدفع ثمن حرية الفكر التي يدفعها الروّاد الأحرار عادة.

تدخل الإنسانية اليوم عصراً جديداً من عصورها وتنتقل من فتوح علميّة إلى فتوح أخرى وتخترق آفاقاً لم تدر في عقل بشر قبل اليوم، ونحن غائبون عن كل ذلك، ونتلقّى ولا ننتج، حتى باتت لغتنا العربية، وهي من أقوى وأعظم اللغات، عاجزة عن التعبير العلمي بسبب غربة الناطقين بها عن العلوم الحديثة.
في مطلع الألفية الثانية يجد العرب بلدانهم في أحوال بالغة الصعوبة.

فالمشرق العربي بات شبه منفصل عن المغرب العربي بعد أن كادا يتوحدان في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي المشرق انتهى أي دور قومي ذي شأن لسوريا، بل انتهت سوريا نفسها. وكذلك الأمر بالنسبة للعراق. أما مصر فهي تبدو الآن عاجزة عن القيام بأبسط الأدوار فكيف بأعظمها. ومع أن هناك أقطاراً عربيّة تشهد نهضات داخليّة على صعد مختلفة، إلا أن الصورة العامّة للعالم العربي، وبخاصة صورته المستقبليّة، قاتمة شديدة القتامة.

لقد نهض الآخرون جميعاً والتحقوا بالعالم الجديد باحثين عن التقدّم والتطوّر إلا نحن الذين لا نكفّ عن التطلّع إلى الماضي، وكأنّ هذا الماضي هو مستقبلنا المنشود الذي ينبغي أن يُستعاد.
  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .