دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 27/9/2017 م , الساعة 1:36 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

البشريّة.. و«كبسة الزر»

البشريّة.. و«كبسة الزر»

بقلم : جورج علم (كاتب لبناني) ..
مررت مؤخراً بجامعة الدول العربيّة، الدورة عاديّة، والاجتماع على مستوى وزراء الخارجيّة، والمنبر صدّاح، خطابات ناريّة، ورسائل متطايرة فوق السطوح، وليس من كلمة مسك وعنبر، ولا من قرار حكيم، بل نظرات مشرقطة، ورؤوس حاميّة، وجامعة تفرّق أكثر مما تجمع.

 ووصلنا إلى نيويورك، صحن الدار وسيع، وحضن الجمعيّة العامة للأمم المتحدة يضمّ مشارب من كلّ لون وجنس، والمنبر جذّاب، وأصوات تعلو وتخفت، وحائط مبكى من الطراز الرفيع، وكلام يتكدّس في أرجاء القاعة، قبل أن تسدل الستارة، ويتوقف العرض.

خارج القاعتين، يجلس شاب مصفّح، على منصة، فاقعاً من الضحك، ويكبس الزر، وينطلق صاروخ باليستي عابراً أجواء اليابان، فيهتز العالم، وتتوتّر الأجواء في القارة الصفراء، ويسارع مجلس الأمن إلى فرض العقوبات، أما الردّ فزلزال خفيف بقوّة 3.8 درجات يضرب كوريا الشماليّة، إنه ناجم عن اختبار نووي جديد!. وفي هذه الأثناء يدور في الشرق الأوسط سجال حول صاروخ باليستي من بلد آخر، ينطلق بكبسة زر مكهربة نتيجة احتكاك المواقف من البرنامج النووي الإيراني.

وتبدو المسألة أبعد من 2000 كيلومتر مدى الصاروخ، إنها بكل بساطة، مسألة الصراع على النفوذ في منطقة ملتهبة، استرعت اهتمام عواصم دول القرار، فخفّت إليها لترسم حدود مصالحها الآنيّة، والمستقبليّة.

وفي الشرق الأوسط، مأتم دائم، ومناحة كبرى، وشعوب لم ترتو بعد من أنهار الدماء، اعتادت أن تغفو على أنين الوجع، وتستيقظ على قرع طبول المواجهات، فيما الكيانات تتمزق قطاعات، وإقطاعيات، وفئويات، وأقليّات متنابذة، متناحرة، كلّ يريد أن يكون على حساب الآخرين، فيما الكل خاسر.

تسأل عن الجامعة العربيّة، فيأتيك الجواب، أين العرب؟. أين الحكمة، والمكانة، والكلمة المهذّبة، الجامعة، الموحدة؟. أين القامات، والهامات، والكيانات المتماسكة؟. لقد تشلّعت كتب التاريخ والجغرافيا، وتطايرت أوراقها في مهب الرياح، ولم يعد لها من أثر سوى مع تراجيع الحنين:

أرجع لنا ما كان يا دهر في الوجدان
تسأل عن الجامعة الأمميّة، ويأتيك الجواب بأن رجلاً جاء بعنجهيّة متسلطة، يرفع إصبعه بوجه 198 رئيس دولة، وحكومة، ويوزّع شهادات حسن السلوك بطريقة مستفزّة، ويهدد بتدمير بلد «الرئيس الصاروخ»، ويتوعد بنبش تاريخ قورش، وتصحيح جغرافيا الإتنيات، والحضارات في المنطقة.
جاء في تقرير أعدّه باحثون ألمان، وصدر قبل مدّة عن مركز الدراسات الإستراتيجيّة التابع لجامعة برلين، أن العالم في خضم حروب ثلاث: الحرب الاقتصاديّة، وقد أصبحت تقليديّة، وهي المرافقة لكل الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحربين العالميتين. والحرب الثقافيّة التي انتقلت بعد سقوط البرجين في نيويورك، من صراع فكري بين مجموع الأديان، والثقافات، والمعتقدات، إلى صراع دموي ينحو منحى تصعيديّاً، ويتخذ شكلاً من أشكال الإبادة. ثم هناك الحرب التي قد يشعلها في أي وقت جماعة من الموتورين، الذين استحوذوا على أسلحة غير تقليديّة، وبدأوا يتدربون على «كبس الزر». إن أي خطأ قد يصدر عن هذه الجماعة، من شأنه أن يؤدي إلى كارثة نوويّة.

ويركّز التقرير على الثورة التكنولوجيّة التي غيّرت الكثير من المفاهيم، وأطلقت عولمة مختلفة مفتوحة على آفاق كانت لا تزال مجهولة، وحوّلت الفرد إلى ديناميّة محورها الإبداع، والانفتاح المتحرر من النمطيّة المؤطرة بحدود وسدود. لقد دفعت بعالم اليوم إلى مواقع بدأت تأخذ شكلاً من أشكال الصراع المحموم حول التفوّق والريادة. وأدت إلى بناء جيل جديد مختلف يتخطى الفواصل الجغرافيّة، والعرقيّة، والاجتماعية، ويفرض مفاهيمه، خصوصاً إذا ما تمكّن من بلوغ مواقع القرار، يساعده في ذلك الفراغ المخيف الذي تنتجه الأنظمة التقليديّة، فراغ ولّده إنماء غير متوازن. فراغ على مستوى التكامل الاجتماعي - الاقتصادي، حيث لا يزال الفقر مدقعاً، والأميّة تسجّل نسباً مرتفعة في العديد من الدول المتمكّنة إقتصاديّاً، فضلاً عن الأمراض والأوبئة التي تضرب بقوة في مجتمعات بائسة. وهذه عناصر فتحت أبواب التغيير أمام المجتمعات التي عانت طويلاً وراء قضبان الظلم والتهميش.

ويطرح التقرير في خواتيمه علامات استفهام حول الفوائد المستخلصة من آلاف التقارير التي وضعتها منظمات حقوق الإنسان، والرعايات الصحيّة، والاجتماعيّة العالميّة، ووكالة الطاقة الذرّية، والأثر الذي تركته لدى أصحاب القرار. متسائلة ما إذا كانت البشريّة تنحو نحو ثقافة متوحشة من دون ضوابط، أو نحو قيم مستحدثة يتحكّم فيها الحاسوب، و»كبسة الزر؟!».
  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .