دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الجمعة 9/12/2011 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الأديب أسعد الجبوري لـ الراية :الشعر ليس نظاماً بقدر ما هو شراكة أبدية

المصدر : وكالات خارجية
  • تطهير الكتابة الحديثة من غبار الماضي السيئ وآثاره المُدمّرة ليس سهلاً
  • أدونيس خيوط متواصلة متشابكة النصوص

دمشق ـ إدريس مراد: شاعر وروائي من مواليد العراق 1951، عضو اتحاد الكتاب العرب وعضو اتحاد الكتاب الدنماركيين وعضو الانسكلوبيديا العالمية للشعر بريطانيا، أصدر في الشعر اثنتي عشرة مجموعة من عناوينها (ذبحت الوردة هل ذبحت الحلم، صخب طيور مشاكسة، أولمبياد اللغة المؤجّلة، ليس للرسم فواصل ليس للخطيئة شاشة، نسخة الذهب الأولى، طبران فوق النهار، الإمبراطور...)، كما صدرت له أربع روايات آخرها جاءت بعنوان (ديسكولاند) يتناول الحكومات الاستبدادية في شرقنا بأسلوب الفنتازيا، يعتبر الأديب الأكثر إشكالية في أيامنا هذه.

إنه الأديب الدنماركي الجنسية والعراقي الأصل أسعد الجبوري، ناقشنا معه مواضيع كثيرة في الشعر والأدب عبر الحوار الآتي:
> هناك من يقول إن الشاعر أسعد الجبوري أطاح بكل القوالب الشعرية المتداولة وركل كل ما هو انقيادي ومنهوب القوة والفعل، فاتحاً هوّة عميقة بين نثرية القصيدة وشعريتها، بين الوقائع الشعرية والكلام المتداول والبسيط الذي يصبح فيما بعد واقعة حياتية جديرة بأن تُروى شعرياً.. هل ترى نفسك هكذا؟
- قد لا يعرف الشاعر ما الفكرة العميقة التي يتمحور حولها الشعر.. ولكنه يُدرك بأن الشعر ليس نظاماً بقدر ما هو شراكة أبدية ما بين كائنات الخارج وقضاياها الوجودية وبين الباطن الممتلئ سحراً ودماراً وشياطين وحرائق ومجوهرات وأشجار بتاريخ موغل القدم. أنا لم أكن داخل قالب لأخرج منه مبتعداً.

 كنت متحرّراً من الأنظمة الشعرية منذ بداياتي، ودون قيادة خارجية موروثة أو تتكئ على الجدران السلفية بشكل حاسم وكلي. الشاعر المختلف يناضل من أجل تحرير كلماته من بلاغة الآخرين كي يحصن نصه من الخراب والتناص والتبعية. لذا يمكنني القول إنني فعلت ذلك. لم أنخرط بالماضي لأكون ظلاً له، بل تعاصرت مع اللغة لأُضيف شيئاً يُمكن أن يُقدّر بالحسابات الجمالية البليغة.

> يعني إنك بلا تراث؟
- شيء من هذا القبيل ربّما لأنني قد لا أصلح لأن أكون تراث أحد في يوم قادم.

> هل يُمكن للشاعر أن يكون حرّاً أو متحرّراً بلا هذا الشيء.. التراث أقصد؟
- ولمَ لا؟.. الاستغراق بالتراث يعني أنك تترك الآخرين ـ من قدامى ومعاصرين أيضاً ـ يتحكّمون بنصك. أو هم من يكتبون عنك ما يُريدونه هم، وليس ما تختاره أو تُريده أنت.. من هذه النقطة، يفقد الكاتب السيطرة على عوالم نصوصه.. التراثيون لديهم تجارب كبيرة وثقيلة تمتد إلى قرون زمنية مروعة، فيما الشاعر أو الكاتب المعاصر حديث الولادة. أو ربّما يجد نفسه من أجيال الخدج، يوهو حاول التحكم بنصوصه.. تطهير الكتابة الحديثة من غبار الماضي السيئ وآثاره المُدمّرة ليس بالأمر السهل.

> كأنك من المُعادين للتراث؟
- لا.. بالعكس.. ليس لديّ هذه العقدة أبداً.. غادرت الوادي القديم وانتهيت من التفكير فيه أو التعاطي معه بسبب معاداتي لهيمنة الديكتاتورية السلفية - بالمعنى الأسود- على الثقافة العربية. فليس من الصحيح أن يشغل الشاعر المعاصر نفسه بحل مشكلات عصور من المصائب والخلافات القديمة التي لم يتمكن السلفيون من حلها آنذاك. الوقت لا يُوفّر فرصة لذلك.. زمننا اليوم يتحرّك بطاقة اليورانيوم وخلائق النانو، فيما الزمن التراثي مُرهِق ويُمرض، لأنه ما زال يُحرّك الشعر والأدب في الناس بالطاقة المذهبية التي عادة ما تقود البشر للطواحين الحمراء.

> ألا يُمكن الجمع بين الزمنين بزمن حيادي جديد مثلاً؟
- يُمكن.. ولكن بشرط أن يتنازل التراثيون عن عنجهيتهم بعض الشيء. فهؤلاء لا يزالون يعتقدون بأنهم قرون الثور التي تتحرّك عليه كرة الأدب العربي وحياة الناس. ثمة خطأ فادح يرتكب في هذا المجال. فهؤلاء الانعزاليون لا يُريدون للثقافة العربية تقدّماً إلا من خلال الانخراط بالزمن القديم. إنهم غير مستعجلين بفكرة الانخراط بالحداثة أبداً. بل يُحاولون ضخ الروح بالدم السلفي مهما بلغ الموت بالماضي من الدراجات.

> هل تلقى نظرتك هذه قبولاً من الكتّاب العرب؟
- نعم ولا.. نعم لأنهم يرغبون بتلك المواجهة مع العالم الأسود سرّاً دون أن تتمكّن نصوصهم من تحقيق تلك الرغبات. ولا لأنهم لا يستطيعون التخلص من الرمال التي تتحرّك في دواخلهم.. فأغلب كتّاب العرب هم أصوليون ضمنياً، كل مع أجندته الخاصة.

> مشروعك الشعري يُشبه ما بدأ به أدونيس.. ما هو الفرق بينك وبين أدونيس؟
- ليس في هذا السؤال ما يُمكن الاستناد عليه. الشاعر أدونيس وُلد كلاسيكياً ولم يستطع التطهّر من الدم الكلاسيكي الذي تغذّى عليه حتى وهو في أوج حياته الحداثية التي منحته فرصة التمركز في خلية مجلة "شعر" اللبنانية التي كانت تهيم بالسجال الحداثوي وأدواته، على الرغم من أن بعض رموزها كلاسيكيون بعقل زراعي حاولوا الاستفادة من الترجمات الشعرية العالمية لتمكين نصوصهم من التجدّد. كذلك فأدونيس صاحب مشروع نقدي مربك ومرتبك في آن واحد، فيما وُلدت أنا في الشتات الشعري داخل قصيدة النثر بلا برامج كلاسيكية ودون معوّقات. لم تتصارع في نفسي الأشكال ولا المدارس ولا الاتجاهات أو الرموز ولا الشخوص. لقد أوحيت نفسي شاعراً متحرّراً من الأثقال دون أن تكون لي ارتباطات معيّنة لا في النهج اللغوي ولا بالانضمام إلى مدرسة بعينها.
لذا فليس من خيوط واضحة ما بيني وبين الشاعر أدونيس. أنا هدّام. وكل جملة في شعري لا تُشبه الأخرى. بينما أدونيس خيوط متواصلة متشابكة النصوص واللصوص والفصوص.

> نعم.. قارئ أسعد يكتشف بأن شاعريتك تحرجه.لأنها بقدر ما هي جديدة على تفكيره أو نمط حياته الثقافية ،فإنها تُحاول إعادة تكوين ذاكرته من خلال شعر يقل نظيره في العالم العربي. ترى لماذا كتابة هذا النمط الشعري الخاص بك وحدك؟
- شعري كما أعتقد محاولة لتغيير القارئ أو إبعاده عن الشعر بشكل نهائي لا رجعة عنه. هذه المحاولة تأتي من داخل اللغة لا من داخل القارئ الذي لا يزال يتعايش مع أنقاض تلك اللغة ومحدودية مجازها الذي يُمكن وصفه بالمتخلف، فاللغة التي تتراكم فينا منذ قرون، لم يدخلها أحد إلى المختبرات ويتفحص أمراضها وعللها وما فيها من خراب. المعلمون يُعدّونها مقدّسة ويحرم على أحد تطهيرها من الشوائب والأعشاب الضارة التي تُغطيها.

شعرياً.. أنا انتصرت لنوع من البلاغة التي تخترق حواجز اللغة في ذهن القارئ أو المؤلف التوافقي العادي، لتمنحه فرصة لتفحّص الكلمة أو للتأمل في خلطة لغوية جديدة.

> لم ير النقاد لشعرك أباً إلى يومنا هذا.. هل يُمكن لك أن تفصح عن السر الذي جعل تجربتك الفريدة خارج تأثيرات الآخرين؟
- لقد وضعت في الشعرية العربية بكتيريا لن تعيش اللغة دونها لأمد طويل.. وربّما هذا إلى حد الآن يكفي.

> تصف قصيدة النثر بالمرض الشعري.. كيف يُمكن تفسير ذلك؟
- مشكلة الشعر لا تتعلق بالوزن أو القافية أو دون الاثنين، إنما بالتعثّر الذي يستولي على الشاعر في أثناء فقدان المخيلة لطاقتها.. من هنا فقصيدة النثر التي نُناضل على تطويرها وبثّها في الفضاءات المختلفة، ستكون بمثابة الهوية الجينية للشعرية شعوب المنطقة مستقبلاً.

> ولكنك غائب عن مهرجانات الشعر في العالمين العربي والعالمي ومغيّب عن جوائز عديدة،علماً بأن الكثير من النقاد والقراء على حدٍّ سواء يُطلق على الشاعر أسعد الجبوري لقب زعيم قصيدة النثر وأهم شاعر حداثوي في وقتنا الحاضر.. لماذا يحدث ذلك برأيك؟!

- لست معنياً بهذا السؤال.. النقاد عربات لنقل الجثث، لذا لا يُمكنهم الاقتراب إلىّ أو تفحص شراستي اللغوية التي لا يملكون القدرة على استجلابها لمخابرهم الفقيرة الأدوات.. لقد سبق أن كتب هؤلاء أشياء عن قصيدة النثر، ولكنهم لم يجرؤا على تفحّص قصيدة النثر التي أخذها أسعد إلى مستويات لم يسبقه إليها أحد.. قصيدة النثر لدى الأغلبية لا تزال رصيفاً يتراكم عليه الغبار والأوساخ والقناني الفارغة وأعقاب السجائر.. الشعر برأيي لا يتكوّن من هذه المواد فقط.

> هل حقاً لا تزال الأبواب مُوصدة أمام الحداثة؟
- بالتأكد.. العقل العربي لا يزال غير مخوّل لتبني مشروع من هذا النوع، لأنه ما زال مأسوراً بديكتاتوريات العالم القديم لغةً واجتماعاً وفلسفة وعلوماً.. ولكنه يتمظهر ككلب مرافق لمتلف الظواهر الحداثوية، سواء في البهرجة التكنولوجية أو في أسواق الفكر الأيديولوجي أو في الأزياء والمكننة التي تعمل في عيادات التجميل واستوديوهات الغناء.. لا أحد يجرؤ على محاكمة التكتلات الجاهلية التي نمت وتنمو في لحومنا منذ قرون بعيدة.. نحن رعاة أضاليل في الثقافة والفن والحب والإليكترونيات.

> لك في الشعر 12 كتاباً.. ما الشيء الذي تعتقد بأنك لم تكتبهُ حتى اليوم؟
- هو الشعر بذاته.. فكلما كتب الشاعر نصّاً، خرج من غيبوبة ليدخل أخرى دون أن يُدرك ما الذي يحدث له بالضبط.. لذا أحسّ بأن الشاعر القوي هو الشاعر الذي يكتب في الريح.

> كتبت قصيدة عن حلبجة وتُرجمت إلى اللغة الكردية، ربّما وضعتك أمام مشاكل عديدة تتهمك بعروبتك.. ما الشيء الذي دفعك لكتابة تلك القصيدة؟
- كانت حلبجة مجزرة مروّعة وقذرة ضد الإنسانية، ومع ذلك فهي لم تستول على الشعر العربي مع الأسف.. تعامل الشعراء معها وكأنها دهس سيارة لدمية في الطريق.. ذلك عار لا يُمكن أن يُنسى.. النص الذي كتبته وهو (القراصنة) ترجمه الشاعر الكردي المبدع بدل رفو إلى اللغة الكردية.. وكان نصّاً أقل قوّة من ذلك الموت الذي أخمد أرواح الألوف من الأبرياء بغازاته السامة.

> لك في الرواية أقل ما لديك في الشعر.. ألا ترى أن لغتك الشعرية تطغى على اللغة الروائية بامتياز؟
- نعم.. صدرت لي أربع روايات تحمل قلقاً بليغاً عن حياة المغتربين والأجانب في أوروبا والغرب عموماً.. كتابتي للرواية لم تأت عبثاً، فقد حاولت مواجهة التصحّر الروائي بالربيع الشعري من خلال تبني اللغة الشعرية بمفاتيحها الخلاقة القادرة على تصنيع الطقوس الباهرة والحسّاسة والمقنعة لقارئ قُتلَ ضجراً من كتّاب الرواية العرب ومنتجاتهم التي أصابها الخرف والوهن والتصحّر.. راهن الشعراء وكسبوا الرهان بكتابة روايات ربما يتوقف عليها سقوط رموز الرواية العربية وأفيالها ممن هم في طور المستحثّات.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .