دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 7/11/2006 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

صفحات من أدب الرحلات:الجيش التركي يستعرض قواته في بغداد

المصدر : وكالات خارجية

»الكخيا« لا يعرف القراءة والكتابة لكنه وصل لمنصب مرموق!

نختتم اليوم تعرفنا ومتابعتنا لرحلة الرحالة الإنجليزي جاكسون إلى العراق سنة 1797 ويروي لنا الرحالة الإنجليزي في الخاتمة مشاهداته في بغداد خلال ذلك الزمان.. ونواصل التعرف الآن..
<<<
خلال مكوثي في بغداد كان الجيش التركي المؤلف من ستة آلاف فارس قد عاد من المكان الذي كان يعسكر فيه على ضفاف نهر دجلة.
وكان منظراً خلاباً حين شرع ذلك الجيش يعبر النهر على جسر يقوم فوق عوامات في النهاية العليا من المدينة عند شروق الشمس.
وقبل وصول الجيش إلى بغداد بيوم واحد بعثت أعداد كبيرة من الأغنام والماشية بيعت بحوالي »لك« ونصف »لك« قرش.. وقد كانت هذه القطعان من الماشية ملكاً للعرب الثائرين.
ويقال إن بغداد في الوقت الحاضر تضم كنوزاً أكثر مما تضمه أية مدينة أخرى مماثلة لها في المساحة في العالم كله.. فلقد عثر على كميات هائلة من السبائك والنقود في خانة آخر »كخيا« لبغداد. وكان هذا الكخيا قد قتل قبل بضعة أشهر خلت على أيدي متآمرين استخدموا ضده من قبل الكخيا الحالي وحين استولى الباشا على أمواله وأجرى تعداداً صحيحاً لخزانته ظهر أنه كان يملك ما يزيد على ثلاثة ملايين باون استرليني.
ويقص كثير من التجارة القصة التالية عن الكخيا الأخير والبعض منهم يحاول لسبب حزنه أن يفندها وهذه تدل على الكيفية التي ينفذ بها كثير من الوزراء والباشوات الأتراك حكمهم الإرهابي واضطهادهم للناس.
فهم يقولون إن الكخيا كان رجلاً ذا قابليات ممتازة وكان يثق بالباشا ويراقب مسلك الضباط والموظفين بكل دقة متناهية ومع ذلك فإن الكثير من هؤلاء الضباط والموظفين قد اشتركوا في التآمر عليه. زد على ذلك أنه كان بخيلاً جداً شديد الطمع ابتدع عدة وسائل لمضاعفة أمواله.
من هذه الوسائل التي برهنت على فائدتها أنه كان يعين جواسيس يراقبون التجار في الأسواق فمتى ما سمع بوجود خلاف بينهم استدعى واحداً منهم واستجوبه بشأن الموضوع الذي نشأ الخلاف بسببه.. وبدعوى حاجة الحكومة إلى المال يروح يسأل ذلك التاجر عما يستطيع أن يقدمه من نقد في سبيل أن يربح قضيته والمعتاد أن يكون هذا المبلغ جزءاً من ثروة المشتكي وقد يبلغ في بعض الأحايين وبسبب اشتداد الخصومة بين الأطراف، أربعة آلاف أو خمسة آلاف قرش ثم بيعت بعد هذا وراء الفريق الثاني ويسأله عن سبب الحادث وعن المبلغ الذي يستطيع دفعه لكسب دعواه حتى إذا ما تم ذلك يقابل الطرفين ويقرر الحكم لصالح من يدفع مبلغاً أعلى ثم يعيد أي الثاني نقوده بعد أن يرشقه بسهام من كلمات التقريع.
وقد أدى هذا الإجراء الذي سار عليه الكخيا إلى تأثير غير حسن في النهاية فقد وجد التجار أن من الحماقة أن يتخاصموا ولذلك أخذوا يسوون خلافاتهم فيما بينهم ويحاولون أن لا تطرق تلك الخلافات مسامع الكخيا.
والكخيا الحالي لا يعرف القراءة ولا الكتابة وكان في الأصل فتى من الأرقاء الجيورجيين استخدم في »الحرم« ومن ثم أعطي له منصب مدهش في إحدى المؤسسات العسكرية وما أن علم أن ابنة الباشا تود الزواج منه حتى استطاع أن يؤثر على بعض الموظفين العسكريين والمدنيين وأن يقتل الكخيا وهو عائد من ديوانه الرسمي ذات مساء وإذ ألم الباشا بالحادث حتى هرب والتجأ إلى الحرم لحماية نفسه وبقي متخفياً هناك إلى أن وصلته الأبناء بعدم وجود أي ضرر عليه إذا ما أظهر نفسه.
وحدث في المدينة هرج ومرج استمر بضعة أيام ولكن الحالةما لبثت أن هدأت بعد أن صدرت الأوامر معلنة أن كل من يعثر عليه وهو يحمل السلاح في الشارع سوف يعدم حالاً. وسرعان ما عين الكخيا الحالي خلفاً للكخيا السابق وتزوج من ابنة الباشا.
وحين غدا ضرورياً إبلاغ هذا الحادث إلى العاصمة اسطنبول انتشرت الاشاعات بأن الكخيا السابق كان يعتزم أن يسم الباشا وأن هذا هو السبب الذي أدى إلى مقتله.
لقد كنت أرى الكخيا الحالي في أغلب الأحيان. كان يبدو عليه أن عمره يقل عن الثلاثين سنة وهو جميل ظريف ذو شخصية جذابة جداً ولكن على أكثر احتمال لن يستمر في هذا المنصب طويلاً ذلك لأن حياة الأمراء في هذه البلاد غالية جداً وقد تكون أغلى مما في أي بلد آخر على وجه هذه الكرة الأرضية. فالمعروف أن ما لا يقل عن سبعة من هؤلاء الحكام قد اغتيلوا خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية.
وكانت آخر حوادث الاغتيال هذه هي مصرع الشيخ ثويني الشهير الذي ذبح حين كان نائماً في خيمته من قبل أحد العبيد وقد وقع هذا الحادث قبل أسبوع خلا، ووصلت الأنباء عنه إلى بغداد بعد وصولنا إليها فأحدثت قلقاً كبيراً لدى الحكومة. ذلك لأنها وضعت ثقة كبرى في القابليات الممتازة التي اشتهر بها الشيخ ثويني ولأنها اعتمدت عليه نهائياً في صد تقدم الوهابيين الذين سبق لهم أن هاجموا العراق ودحروا الجيش التركي وغدا مفهوماً أنهم في طريقهم لاحتلال البصرة.
<<<
قليل جداً هو عدد الأوروبيين الذي يزاولون الأعمال التجارية في بغداد أو يحتفظون لهم بقناصل فيها. فالانجليز مثلاً ليس لديهم قنصل في بغداد ولكن أعمالهم تدار من قبل أحد الأرمن المدعو »خوجة مايكل« وهو رجل محترم.. ولقد كنت أحمل رسائل معي إلى أرمني آخر يدعى خوجة سطيفان بابك وهو من الأثرياء الكبار ويتكلم الإنجليزية بطلاقة وأنا أعتقد أنه المقيم الوحيد في المدينة الذي يلم باللغة الإنجليزية.
أما الفرنسيون فلديهم في الوقت الحاضر قنصل في بغداد يدعى »روسو« وهو من أقارب الكاتب الفرنسي الشهير جان جاك روسو ولكن الفرنسيين مع ذلك لا يمارسون التجارة بنطاق واسع هنا وليس لديهم في الوقت الحاضر أية اتصالات مع الهند.
ولقد كان الفرنسيون خلال الحرب الحالية يحاولون إرسال السلع إلى إلى الهند عن طريق البصرة ومسقط ولكن هذه السلع تلاقي معارضة شديدة من لدن ممثل شركة الهند الشرقية المقيم في البصرة ولقد وجدت في بغداد عدداً من الفرنسيين ممن يظهر عليهم أنهم لا يمارسون سوى أعمال ضئيلة وقد عرض علي كثير منهم خدماتهم كمترجمين أو رفاق سفر إلى اسطنبول ولكنني رفضت عروضهم تلك كخدم على الدوام وفي رحلة كهذه لما يثيره هذا الأمر من مشاكل ولذلك فإنني أوصي كل شخص يروم السفر بأن لا يستخدم عنده سوى أبناء البلد الذي يمر خلاله. وأنقل الحادث التالي للدلالة على الاحترام الذي يتمتع به الإنجليز هنا. فالمستر رينو وإن كان مجرد كاتب لدى المستر مانستي إلا أنه في الساعة الخامسة من بعد ظهر أحد الأيام كان ينتظر الباشا وذلك بغية الحصول منه على إذن لي بالسفر.. وحين كان رينو يمر على مقربة من المقر الحكومي »السراي« سمع بعض الرجال وهم يعولون بشكل يرثى له جداً وإذا سأل عنهم قيل له إن هؤلاء قد حكم على كل واحد منهم بأن يجلد مائتي جلدة وهي عقوبة مساوية للإعدام تقريباً ولذلك طلب إلى هؤلاء أن يكفوا عن العويل لأنه لا يستطيع أن يتحمل سماع عويلهم »وكان البعض منهم قد تلقى أربع أو خمس ضربات على أقدامه«. وأنه سيتفاهم مع الباشا حول تخفيف عقوبتهم تلك. وما أن أفضى بهذا الأمر إلى الباشا حتى رد هذا قائلاً إنه نزولاً عند رغبة المستر رينو لن يطلق سراحهم فحسب وإنما سيبعث بهم إلى بيته ليكونوا تحت تصرفه نهائياً وما أن عاد المستر رينو من الباشا حتى أنبأنا بهذا الحادث.. وفي حوالي الساعة التاسعة من ذلك المساء وإذ كنا نتناول العشاء على سطح الدار أحضر إلينا رجلان كلاهما عربيان وهما مايزالان غير متأكدين من مصيرهما وقد أخبرهما المستر رينو، وكان يتكلم العربية بطلاقة كالإنجليزية، بأنه كان قد بحث مع الباشا أمر إطلاق سراحهما وأنهما الآن في كامل حريتهما لأن يذهبا حيثما يشاءان.
إنه لمستحيل أن نعطي القارىء فكرة تامة عن التغيير الذي أصاب محيا ذينك الرجلين البائسين لدى سماعهما بهذا النبأ فلقد ركعا إلى الأرض وراحا يتضرعان إلى الله ورسوله في أن يحفظ حياة منقذهما