دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
آخر تحديث: السبت 16/2/2013 م , الساعة 7:10 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
اشتهر بمواقفه المتقلبة بين اليمين واليسار وقصائده الصاخبة
الجواهري موسوعة الشعر العربي
اتهم بالانتهازية السياسية وتنظيم شعر الهجاء ضد خصومه
منعه طه حسين من هجاء مصر في قصيدة على طريقة المتنبي
وصفوه بعدم الوفاء وإهمال أصدقائه والتنكر للرؤساء والحكام

بقلم : جهاد فاضل ..يؤلف هذا الكتاب عن الشاعر العراقي الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري نوعا من قصيدة هجاء مقذع للشاعر.

مؤلف الكتاب سليم طه التكريتي صحفي عراقي عمل في الجزائر التي كان يصدرها في العراق، زمن الملكية، محمد مهدي الجواهري. فهو إذن يعلم الكثير عن الشاعر، وبخاصة عن أسرار حياته ومواقفه. ثم إن الجواهري، في المذكرات التي أصدرها عن حياته، في دمشق وعن "دار الرافدين" يثني فيها على سليم طه التكريتي ويعتبره من أفضل الصحفيين الذين عملوا معه في جرائده.

ولكن في نفس الفترة التي ظهرت فيها مذكرات الجواهري، ظهر هذا الكتاب عنه في بيروت عن دار رياض الريس. كان ذلك زمن صدام حسين والصراعات العراقية - العراقية المتوترة بين شتى الفرقاء. ويبدو أن التكريتي (وهو كما يبدو من تكريت مدينة صدام حسين) كان منحازا إلى صدام بحكم الانتماء الجهوي والعشائري، فأراد أن يقدم "خدمة" لعشيرته وبخاصة لزعيم هذه العشيرة، ضد شاعر ينتمي إلى خصوم صدام، وبخاصة إلى الشيعة وكذلك إلى اليسار الذي كان يناوئ البعث وسياساته.

ولكن لا شك أن كتاب التكريتي هو وثيقة بالغة الأهمية عن سيرة الشاعر ومواقفه المتقلبة بين اليمين واليسار، بين نوري السعيد وخصومه على الخصوص. الجدير بالذكر أن مذكرات الجواهري مليئة بكل ما ينصف نوري السعيد ويحسن إليه. وفي ذلك ما يؤكد ما ورد في كتاب التكريتي.

ففي هذا الكتاب روايات كثيرة حول الصلة الوثيقة التي كانت قائمة بين الجواهري ونوري السعيد، وهي ما حاول الجواهري لاحقا نفيها أو التخفيف من أهميتها، دون نجاح يذكر، وذلك بالنظر لما يسرده التكريتي في كتابه من روايات وأشعار جواهرية أكيدة تحمل من الشاعر نوعا من شخصية تابعة لنوري السعيد تعمل عنده وتأتمر بأوامره.

نوري السعيد رئيس الحكومة العراقية زمن الإنجليز والعهد الملكي يمنح الجواهري امتيازا بإصدار صحيفة سياسية يومية باسم (الفرات) تنطق بلسان وزارة السعيد وينفق عليها السعيد . يحصل الجواهري مع الامتياز على 400 روبية كدفعة أولى للإنفاق على الجريدة. غير أن الجواهري ما لبث بعد أن أمسك بالروبيات أن أنفقها على الخمور، وطلب مبالغ أخرى من ولي النعم.. على أن الجواهري لم يكتف بمدح نوري السعيد نثراً في جريدته، بل مدحه شعراء أيضا في قصائد عتم عليها لاحقا. من ذلك قصيدة له يخاطب فيها نوري السعيد، داعيا إياه إلى استخدام العنف، أو الإرهاب، في التعامل مع خصومه العراقيين:

على اسم الثورة الحمراء جرّب
نشاطك أيها البطل الجري
وهبْ أن الدماء تريد تجري
فشقّ لها ليندفع الأتي
فإن لم يرفَ بالتلطيف شعب
فبالإرهاب فليكن الرقيُّ!

أي أنه يدعوه إلى الإرهاب وإراقة الدماء لفرض الحضارة والرقي في بلده. فإذا لم تنجح عملية الإصلاح بالطريقة الديمقراطية، فليس ما يمنع من إنجاحها بالإرهاب!

وعندما أقدمت وزارة الإعلام العراقية عام 1974 على نشر الأعمال الشعرية الكاملة للجواهري وأبدت اللجنة المشرفة على النشر استعدادها لنشر كل أعمال الشاعر حتى تلك التي مدح بها نوري السعيد والملك فيصل الأول والملك فيصل الثاني والأمير عبدالاله، طلب الجواهري من اللجنة أن تتجنب ذلك، فتهمل هذه الأعمال. وهكذا كان!

يصف التكريتي الجواهري بأنه "انتهازي مفرط" حينا، وبأنه "قطعة من إحساس متوتر، وقلق متواصل وانتهازية دائمة"!

يمدح ستالين والشعوب السوفياتية سنة 1943:

بلاد مفداة وجيش مظفرُ
وقائد جيش في البلاد موقرُ
وفتح مبين يقصر الشعر دونه
وللنثر عما يعجز الشعر أقصرُ
ستالين يا لحن التخيل والمنى
تغنيه أجيال وترويه أعصر!
ويا كوكبا في عالم غمّ جوه
بلألائه يسترشد المتحير

ولكنه سرعان ما يمدح مونتغمري قائد جيش الحلفاء وهي قصيدة طلبها عنه نوري السعيد:
ويا مونتغمري لو سقى القول قائما

سقتك القوافي صفوها السلسل العذبا
ولو كان ذوب العاطفات نثارة
نثرنا لك الإعجاب والشكر والحبا
حللت على "روميل" كربا وقبلها
أحلّ بأدهى منه ولتكن كربا

ويقطعه نوري السعيد أرضا زراعية في ناحية الميمونة بقضاء علي الغربي ويستلف من المصرف الزراعي قرضا لشراء الآلات الزراعية وتقدم له الدولة مساعدات عينية كثيرة كالأسمدة والبذور.. ويصبح بين عشية وضحاها من الملاك.

 بل إنه يتزوج في علي الغربي بفتاة قروية تدعى نعيمة كانت في عمر الورود ثم يطلقها لاحقا بعد التجائه إلى الشام ويبدو أن انشغاله بالزراعة شغله عن نظم الشعر فلم يعرف أنه نظم في تلك الفترة سوى قصيدته (يا أم عوف) عام 1955 حين كان ينزل كوخ أم عوف وهو في طريقه إلى مزرعته فيلقى منها التكريم والاهتمام. وهذه القصيدة هي من عيون شعره وهي تفصح عن مكنون قلبه وتنطق بالأسى والشجن ومنها:

يا أم عوف عجيبات ليالينا
يدنين أهواءنا القصوى ويقصينا
في كل يوم بلا وعي ولا سبب
ينزلن ناسا على حكم ويعلينا
خبا من العمر نور كان يوزعنا
وغاب نجم شباب كان يهدينا
وغاض نبع صنعا كنا نلوذ به
في الهاجرات فيروينا ويصفينا
كنا نقول إذا ما فاتنا سحر
لابد من سحر ثان يواتينا

وينظم الجواهري في تلك الفترة قصيدة يهجو فيها الفلاحين ويتهمهم بالكسل والتخريب المتعمد..

في بعض مراحل حياته يلجأ الجواهري إلى مصر، ولكنه لا يجد فيها ما كان يتصوره عن إقرار بعبقريته الشعرية وفي ثورة من ثوراته النفسية العارمة يقرر مغادرة مصر، إنما مغادرة غاضب منها وصواعق تنصب عليها على حكامها وأدبائها، كل ذلك ممثلا في قصيدة بدأ ينظمها وهو ما يزال مقيما فيها ويبدو أنه أفضى إلى الدكتور طه حسين، وكان بينهما مودة، بما كان يحتدم في خاطره، فألح عليه"العميد" بألا يفعل ولكنه اكتفى من هجاء مصر بهذين البيتين:

ما انفك يا مصر والإذلال تعويد
يسومك الخسف كافور وأخشيد
مقالة كبرت في الحب شافعها
حب المسودين لو شاؤوا لما سيدوا

ويرى التكريتي أن من أبرز صفات الجواهري عدم وفائه لأحد. "فكلمة الوفاء لا وجود لها في قاموسه مثل كلمة "العفة"، "والانضباط النفسي" لم يدم على صداقته لأقرب المقربين إليه من الأصدقاء، ولم يف لأحد مهما أسبغ عليه من نقمة وعون ولم يمكث على ولائه لأي حاكم".

والجواهري في كتاب التكريتي شخص طائفي مذهبي منحاز على الدوام إلى شيعيته. هو أصلا سليل أسرة إيرانية كان جدها الأعلى فقيها في مدارس النجف وحوزاتها وله كتاب يعتبر من مراجع الشيعة مؤلف من بضعة عشر جزءا اسمه "الجواهر" وإليه نسبت أسرته وفي حياته كلها ظل الجواهري "شخصية شيعية" بالمعنى المعروف للكلمة لم يمدح يوما أي زعيم سني على الإطلاق، بل مدح شيعة كما مدح شيوعيين. مدح على سبيل المثال الوزير الشيعي عبدالمهدي المفتفكي لأنه فصل من الوظيفة مدرسا لبنانيا اسمه أنيس الفصولي لأن هذا الأخير أصدر في بغداد كتابا أنصف فيه الأمويين.

وحين قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941 كان للجواهري صحيفة يومية اسمها الرأي العام. لم يندفع الجواهري في تأييد ثورة الكيلاني المناوئة للإنجليز مثلما فعل إزاء انقلاب بكر صدقي. هذا الموقف من الجواهري تجاه ثورة الكيلاني نابع بالدرجة الأولى كما ورد في كتاب التكريتي، من انتهازيته وطائفيته لا من بعد نظره.

ذلك لأنه كان يتوقع انهيار الثورة في بضعة أيام حتى إذا ما امتد عمر الثورة، وجد نفسه في وضع من شأنه أن يسيئ ظن زعماء الثورة فيه من ناحية وانقلاب الشعب ضده من ناحية أخرى. لكي يتوخى الجواهري ذلك قصد دار الإذاعة العراقية فألقى قصيدة.

 الواقع أن هذه القصيدة لم تكن قصيدة جديدة خاصة بثورة 1941 وإنما كانت قصيدة قديمة نظمها بثورة عام 1920 وهي ثورة ذات طابع شيعي في زمانها وقد تزعمها رجال دين شيعة.. كانت رغبة الجواهري أن يتستر" فيخلع على نفسه صفة نصير الثورة الكيلاني إضافة "إلى ما كان بداخله من خوف.. لذلك هرب إثر فشل ثورة الكيلاني إلى إيران، ولم يعد منها إلا بعد مرور عدة أشهر . وعندما أرادت حكومة جميل المدفعي(التي تولت الحكم بعد هزيمة الثورة) اعتقال الجواهري بدعوى أنه كان نصيراً لها وألقى في الإذاعة قصيدة إيجابية بصددها، قال الجواهري إن القصيدة لم تكن في مدح ثورة الكيلاني وإنما في مدح ثورة عام 1920"!

وحتى عندما ينقله الملك فيصل الأول من عمله كمدرس لغة عربية في إحدى الابتدائيات التابعة لوزارة المعارف إلى مسؤول عن التشريفات في بلاطه، ويغدق عليه النعم، ويحيطه بالتكريم على أنواعه، يكفر الجواهري بكل ما أنعمه عليه الملك فيصل الأول، وينظم يومها قصيدة يمدح فيها آل سعود ويعرض بفيصل وأسرته الهاشمية.. فحين كان الأمير سعود بن عبدالعزيز يعتزم زيارة العراق، ينتهز الجواهري الفرصة فينظم قصيدة يمدح بها آل سعود، خصوم الهاشميين، تنشر في صحيفة (أم القرى) السعودية في حينه. وكان مطلع هذه القصيدة:

على سعة وفي كنف الأماني
وفي طيات أفئدة حواني

أما الأبيات التي يعرض فيها الجواهري بفيصل الأول وأسرته فهي التي يقول فيها مخاطبا الأمير سعود:

أبوك ابن السعود أبو قضايا
مخلدة على هام الزمان
مشى للناس وضاحا وجاؤوا
إليهم تحت أقنعة القيان
فليت الساهرين على دمار
فداء الساهرين على الكيان
وما سيان مشتملون حزماً
ومشتملون أحزمة الغواني!

كان الجواهري لا يزال موظفا في بلاط الملك فيصل!
وكما عرض بالهاشميين في قصيدته التي مدح بها الأمير سعود بن عبدالعزيز، عرض بالعراق نفسه في بعض ما كتب. مدح إيران وهجا العراق.

وتفصيل ذلك أنه زار إيران مرة وكتب فيها خمس قصائد إحدهما تحمل عنوان" بريد الغربة" كانت أساس خلافه مع مدير المعارف في العراق ساطع الحصري، وقد أدّت إلى طرده من وظيفته كمدّرس لغة عربية في إحدى الابتدائيات العراقية. في "بريد الغربة" يقول الجواهري:

لي في العراق عصابة لولاهمْ
ما كان محبوبا إليّ عراقُ
لا دجلة لولاهم، وهي التي
عذبتْ، تروق ولا الفرات يذاق
هي"فارس" وهواؤها ريح الصبا
وسماؤها الأغصان والأوراق!

توقف خصوم الجواهري عند قصيدته هذه فاتهموه بالشعوبية.
قالوا إن في شعره نزعات فارسية (وهو في الأساس من أسرة دينية قدمت إلى العراق من فارس) وإذن لا بد أن يكون "فارسي النجار" على حد قولهم! في ذلك الوقت كان شعار القومية العربية (وهو شعار لم يستسغه الجواهري يوما أو ينفتح عليه) مطروحا في العراق، فانبرت له الأقلام قذفا وسبابا وعبثا حاول "معالجة" قصيدته هذه والبحث لها عن مخرج غير المخرج الواضح فيها..

وتوالت مواقف كثيرة من هذا النوع ففي أيار 1953 تولى فيصل الثاني سلطاته الدستورية كملك على العراق، شارك الجواهري في احتفالات التتويج بقصيدة "ته يا ربيع" التي طلب لاحقا عدم تضمينها ديوانه في أولهما يقول:

يا أيها الملك الأغر تحية
من شاعر باللطف منك مؤيد
أنا غرسكم أعلى أبوك محلتي
نبلاً وشرف فضل جدك مقعدي

آثارت القصيدة أصداء سلبية كثيرة وتعرض الجواهري بسببها لكثير من الشتم والسباب حتى أن بعض خصومه نظم معارضة لقصيدة التتويج هذه حافلة بهجاء مقنع له. ويبدو أن الشاعر شعر لاحقا بزلته هذه ذلك أن ظروف الخمسينيات الحافلة بالنضال الوطني تختلف عن ظروف العشرينيات والثلاثينيات بعدها كتب الجواهري قصيدة كفر فيها عن هذه الكبوة، واعتبرها في كتاب ذكرياته "زلة العمر" التي ظلت عالقة به طيلة فترات طويلة.. أوقعت نفسي في عذاب الضمير، ولاحقت نومي بالكوابيس، وهوت بإرادتي إلى ما شاء الله. ألا وهي قصيدة التتويج التي قلتها في مديح الملك فيصل الثاني".

وقد مدح كثيرين غير من ذكرنا منهم الملك حسين ملك الأردن والملك الحسن ملك المغرب كما مدح حافظ الأسد بقصيدة مشهورة تبدأ كما يلي:

سلاما أيها الأسد
سلمت ويسلم البلد

وقد هجا أيضا وممن هجاهم خصومه في العراق وما أكثرهم ومما قاله في هؤلاء:

عدا عليّ كما يستكلب الذيب
خلق ببغداد أنماط أعاجيب
خلق ببغداد منفوخ ومطرح
والطبل للناس منفوخ ومطلوب
خلق ببغداد ممسوخ يفيض به
تاريخ بغداد، لا عرب ولانوب

تلك جوانب عن السيرة الجواهرية كما يرويها خصوم الشاعر، بلسان صديقه"اللدود" سليم طه التكريتي الذي عمل عند الجواهري في جرائده زمن كان الجواهري يجمع الشعر إلى الصحافة. وقد يكون كل أو بعض ما يرويه التكريتي في محله، وقد لا يكون ذلك أن للسيرة الجواهرية قراءات أخرى كثيرة تختلف عن هذه القراءة. الجدير بالذكر هنا أن الجواهري كان "شخصية شيعية" بالمعنى العام للكلمة ولذلك فإن الباحثين الشيعة ينحازون انحيازا تاما إليه، في حين يناوئه الباحثون السنة ويترصدون أخطاءه ويبدو أن "شيعية" الجواهري (وهي صلبة في ذاته) رافقته من المهد إلى اللحد وكانت من أسباب عدم انفتاحه على العروبة والعروبيين كما كانت وراء انحيازه إلى شخصيات ورموز شيعية معروفة.

إن سيرة الجواهري لا تقل إثارة عن شعره. وفي سيرته كل التناقضات التي يحفل بها مجتمع نام ينظر بإحدى عينيه إلى الحاضر، ويشدّ الماضي عينه الأخرى فلا تستطيع منه فكاكا.
على أن هذه السيرة، مهما امتلأت بالاضطراب والتناقض لا تحجب شاعريته ودوره ومكانته في الشعر العربي المعاصر.

فهو بلا ريب أحد عمالقة هذا الشعر بالرغم من كل المآخذ التي تؤخذ على سيرته، أو يمكن أن تؤخذ!

لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
 
* أساسي
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .