دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 7/10/2010 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

لعبة الأمم شرق المتوسط ..إسرائيل تستعد لتطويق وحصار تركيا انطلاقا من اليونان (الحلقة الأخيرة )

المصدر : وكالات خارجية

ملف خاص تفتحه الراية (الحلقة الأخيرة )

  • أوغلو : لايمكن حل اى مشكلة بالمنطقة دون استخدام العثمانية الجديدة
  • ليبرمان : انظروا الى قبرص واقتدوا بها لكى نعزل العرب عن اليهود


ملف يفتحه : حسام ابراهيم ..وفي سياق لعبة الأمم في شرق المتوسط جاءت الزيارة التي قام بها بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية مؤخرا لليونان..زيارة تحمل رسائل متعددة من بينها رسالة لتركيا تلوح بامكانية اقامة تحالف اسرائيلى-يوناني اذا استمرت انقرة في نهجها المناوئ لاسرائيل وها هو نتنياهو يتحدث في اثينا اثناء هذه الزيارة عن تحول نوعى في العلاقات الإسرائيلية-اليونانية بدلا من الفتور الذي ساد طويلا هذه العلاقات وهاهي الاشارات تتوالى عن امكانية تعزيز التعاون العسكري والأمني بين الجانبين وسط دهشة الكثيرين لأن اليونان عرفت بمساندتها التاريخية للقضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

واذا كان توقيت زيارة نتنياهو لأثينا يحمل مغزى واضحا في خضم التداعيات المستمرة لمجزرة اسطول الحرية والأزمة الحادة في العلاقات الإسرائيلية-التركية تماما كما كان توقيت الزيارة التي قام بها افيجدور ليبرمان وزير خارجية اسرائيل في مطلع شهر سبتمبر لنيقوسيا وهي الزيارة الثانية خلال عام 2010 فلابد من ملاحظة انه في العقد الأخير ثمة توجه ظاهر بوضوح في اليونان وبين القبارصة اليونانيين لفك الارتباط التاريخي مع الدول العربية في منطقة شرق المتوسط والذوبان الكامل في الغرب ومن نافلة القول ان اسرائيل تشعر بارتياح بالغ حيال هذا التوجه ويهمها على وجه الخصوص تراجع العلاقات بين كل من اليونان وقبرص وبين سوريا ووأد اي امكانية لتحقيق نوع من التقارب والتنسيق بين سوريا وايران واليونان وهو احتمال كان يؤرق الاسرائيليين.

ولايجوز في هذا السياق اغفال مغزى استشهاد افيجدور ليبرمان بحالة الانفصال الفعلي بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الاتراك ليطلق تصريحا قال فيه:"انظروا الى قبرص ولنقتدي بها ونعزل العرب عن اليهود" في حين احتضنت تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية جولات من المحادثات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل.

صرب البوسنة

لكن تركيا لاتخفي ان تحركها على محور الشرق الأوسط في اطار استراتيجية أحمد داوود اوغلو جزء من تحرك شامل على محاور خارجية متعددة تشمل القوقاز والبحر الأسود والبلقان وشرق المتوسط حيث لعبة الأمم مع اليونان وقبرص واسرائيل والدول العربية الواقعة في هذه المنطقة..وعلى محور البلقان لن تغفل تركيا عن التقارب الملحوظ بين الصرب واسرائيل وها هو ميلوراد دوديتش زعيم صرب البوسنة يختار اسرائيل التي زارها مؤخرا كمنصة لا طلاق تصريحات ضد ما يصفه بالتدخل التركي لصالح مسلمي البوسنة.

في شهر مايو عام 2000 قام الرئيس اليوناني قسطنطينوس ستيفانوبولوس بزيارة رسمية لاسرائيل هي اول زيارة على الاطلاق يقوم بها رئيس يوناني للدولة العبرية واعرب عن امله في زيادة التعاون العسكري بين الدولتين جنبا الى جنب مع دعم الروابط الاقتصادية والتبادلات التجارية..يبدو ان هناك ارتباطا وثيقا وعضويا بين السياسات الخارجية لليونان وقبرص لأن هذه الفترة شهدت ايضا تناميا ملحوظا للعلاقات القبرصية-الإسرائيلية واهتماما واضحا بالنواحي العسكرية والأبعاد الأمنية للتعاون المشترك فيما قام الرئيس القبرصي جلافكوس كلاريديس بزيارة لاسرائيل في شهر مارس عام 2000 .

ويشير أحمد داوود اوغلو الى ان تركيا خفضت تمثيلها الدبلوماسي مع اسرائيل الى مستوى سكرتير ثان بعد اعلان اسرائيل القدس عاصمة ابدية لها ورغم تحفظ حزب العدالة والتنمية احيانا على مسمى او عبارة "العثمانية الجديدة" فأوغلو ذاته الذي قال في سياق الاشارة للنزاع على القدس:"لا يمكن حل اي مشكلة سياسية في المنطقة دون استخدام الأرشيف العثماني".

يوضح أ وغلو المقصود بنظرية العثمانية الجديدة بقوله ان تراجع تركيا خلال الحقبة الماضية يرجع لسياسة القطيعة التي اتبعتها لفصل ماضى تركيا العثمانية وعمقها الاستراتيجي عن حاضر جمهورية اتاتورك ومحيطها الاقيمي وهذه السياسة عمقت ايضا الانقسام والاستقطاب بين العلمانية والاسلامية وغلبت الأمن على الحرية وتسببت في ازمة هوية خاصة بعد ان فشلت النخبة الحاكمة في فرض هوية جديدة بالقوة على المجتمع من اعلى والحل من وجهة نظره تبنى "العثمانية الجديدة التي لاتعني اعادة انتاج السياسات التوسعية للدولة العثمانية ولا العودة للماضي الغابر الذي ولى ولن يعود " وانما تعني ان تتصالح تركيا مع ذاتها الحضارية الاسلامية والاعتزاز بتاريخها العثماني المتعدد الثقافات والأعراق وتعزيز الحريات في الداخل وحفظ الأمن في الخارج والثقة بالنفس على صعيد العلاقات الدولية مع الاستمرار في الانفتاح على الغرب وإقامة علاقات متوازنة مع الشرق الاسلامي.

ويؤكد أوغلو على ان الشرق الأوسط هو مفتاح التوازنات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية..وينظر اوغلو للعدوان الإسرائيلى على اسطول الحرية بوصفه "انتهاكا فاضحا للقانون الدولى" فيما رأى البعض في هذه الأزمة تحديا لأفكار اوغلو ونظرياته كعراب للسياسة الخارجية التركية.

وفي كتابها الذي صدر مؤخرا عن مركز ابحاث الأمن القومى في جامعة تل ابيب توقفت الدكتورة غاليا ليندشتاروس المتخصصة في الشؤون التركية مطولا امام شخصية أحمد داوود اوغلو مهندس السياسة الخارجية التركية في حكومة حزب العدالة والتنمية وترى انه اذا كان العقد الأخير من القرن العشرين هو العقد الذهبى في العلاقات الإسرائيلية-التركية فان هذه العلاقات انحدرت في العقد الحالي مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في انقرة حتى بلغ التدهور ذروته في احداث اسطول الحرية غير انها تستبعد قطع العلاقات الدبلوماسية نهائيا بين اسرائيل وتركيا.

وتتوجه غاليا ليندشتاروس في كتابها بتوصيات لصانع القرار الإسرائيلى فتقول:"علينا ان نقر بحقيقة ربما لا ترضينا كثيرا مفادها ان اسرائيل هي الطرف الأكثر حاجة لتركيا وليس العكس ولذلك فانها مطالبة بالحفاظ على حد أدنى من العلاقات وعدم الوصول الى مرحلة القطيعة الكاملة..ومن المتوقع ان تواصل تركيا سياسة الحوار والتقارب مع اسرائيل فعلينا تلقف هذه السياسة ومحاولة البناء عليها وليس ابتزاز تركيا ومحاولة اذلالها..ان المزيد من التدهور في العلاقات مع تركيا يعنى المزيد من العزلة الاقليمية والدولية لاسرائيل وهو اخر مانتمناه وهنا لابد من رفع توصية خاصة بجميع الوزارات والمكاتب الحكومية لتوثيق علاقاتها الثنائية مع نظيراتها التركية ولا يجب بأي حال من الأحوال ربط العلاقات مع تركيا بحسابات حزبية ضيقة في ضوء شبه الاتفاق المجمع عليه بشأن استراتيجية العلاقات مع تركيا".

الوسيط التفاوضي

وترى غاليا ليندشتاروس ان اسئناف مفاوضات اسرائيل مع سوريا والفلسطينيين يمكن ان يؤدى لتحسن العلاقات الإسرائيلية-التركية وان على اسرائيل تشجيع انقرة على القيام بدور الوسيط بينها وبين العرب فيما تتردد اشارات حول وجود علاقة بين زيارات المسؤولين الاسرائيليين لليونان وقبرص اليونانية والاستعدادات لشن هجوم اسرائيلى على ايران وامكانية الاستفادة من الأجواء اليونانية في هذا الهجوم..ومن الملاحظ ان جورج باباندريو رئيس الحكومة اليونانية زار اسرائيل بعد الهجوم الإسرائيلى على اسطول الحرية ومقتل تسعة اتراك في هذا الهجوم على نشطاء انسانيين.

لم تخف اسرائيل في الماضي قلقها حيال الحضور العربي في الجزيرة القبرصية سواء على مستوى القبارصة اليونانيين او القبارصة الأتراك تماما كما لم تخف رغبتها في إقامة تحالف رباعي مع اليونان وقبرص وتركيا في شرق البحر المتوسط على اساس القيم والرؤى الغربية ومناوئة القوى التي ترفض هيمنة هذه القيم والرؤى على المنطقة والآن ومع وجود حزب يحكم تركيا لا تتفق رؤاه بالضرورة مع هذه الرؤى فان اسرائيل لابد وان تسعى لاستغلال المشكلة القبرصية بما يخدم مصالحها ويسجل لها نقاطا في مواجهة حزب العدالة والتنمية.

انها مفارقات التاريخ او مكره فاسرائيل وتركيا في الماضي كما يقول الباحث زاك ليفي اعتبرتا الوجود الإسرائيلى في قبرص فرصة لمزيد من تعزيز العلاقات الإسرائيلية-التركية واضافة أبعاد جديدة وهامة لهذه العلاقات التحالفية وبحيث تكون موازين القوى شرقي البحر المتوسط في غير صالح الجانب العربي كما اعتبرت اسرائيل تعاونها الناجح مع تركيا في الجزيرة القبرصية بمثابة تعويض لها عن فشلها في استخدام نيقوسيا كجسر نحو علاقات اكثر دفئا مع اليونان.


بينما يرى أحمد داوود أوغلو في كتابه "العمق الاستراتيجي"الذي يدعو فيه لضرورة إعادة تعريف السياسة الخارجية التركية انطلاقا من مبدأ العمق الاستراتيجي ان تركيا عانت حتى أواخر العقد الأخير في القرن العشرين من تراجعات واضحة في علاقاتها مع العالم العربي ووجدت نفسها في وضعية المتلقى لردود الأفعال العربية الموجهة ضد اسرائيل لأنها لم تتمكن من التعامل مع الأزمة في العالم العربي والمناخ النفسى-السياسي الناجم عن هذه الأزمة والنظرة العربية للاتفاق الاستراتيجي الذي وقعته انقرة وتل ابيب في عام 1996.

يقول أوغلو إن الأنظمة العربية القومية استغلت التطور السريع للعلاقات التركية-الإسرائيلية استغلالا يعزز من شرعيتها وعمدت النخب الحاكمة التي تفتقر للتأييد الشعبي لشرعيتها الى اعتماد هذا الاتفاق التركي-الإسرائيلي كمرتكز اساسي لموجة القومية العربية الجديدة المتسقة مع النظام العالمي الجديد فيما عانت تركيا حينئذ من ضعف واضح في مرونة التحرك الاقليمي بعد ان تحولت اتفاقية قيل انها ذات اغراض تقنية الى اتفاق استراتيجي..واليوم فان هناك محللين اعتبروا ما حدث في سياق قصة "أسطول الحرية" وسط التيارات المتلاطمة والموجات العاتية شرق البحر المتوسط خطوة جديدة وربما تكون جوهرية على طريق تغيير ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط .
ومن المؤكد ان قبرص في قلب هذا الجدل لأنها الجزيرة القريبة للغاية من المنطقة بل انها بالمعنى الجغرافي جزء من المنطقة وتتأثر بأى تغيرات في موازين القوى بها ورياح التغيير التي تهب عليها وهي متغيرات تجمع ما بين سياسات الداخل والخارج في علاقة جدلية دائرية وان كانت عوامل الداخل تبدو احيانا اكثر ثقلا وأهمية..واذا كان المفكر الاستراتيجي التركي أحمد داوود أوغلو يقول في كتابه انه من الصعب سبر اغوار سياسات الشرق الأوسط دون فهم جذور البناء السلطوي في انظمة الحكم العربية فان الاطلالة السريعة على الصحافة ووسائل الاعلام القبرصية تكفي للتأكد من ان القبارصة يتابعون باهتمام بالغ التطورات في المنطقة والأكثر اهمية ان القراءة القبرصية لهذه التطورات لا تغفل عن مصالح قبرص وامنها وقد يعجب المرء لأول وهلة عندما يصادف طروحات قبرصية حول الأوضاع في دول عربية واحتمالات نقل السلطة.

.لكن لماذا العجب او التعجب؟!..الا تؤثر مثل هذه القضايا بشدة على توجهات الدولة المعنية سواء على المستوى الداخلي او الصعيد الخارجي بما يغير من المعادلة الاقليمية وطبيعة التحالفات في منطقة تنهار فيها ثوابت قديمة وتتقوض أعمدة على الايقاع الهادر للمتغيرات..ويقول أحمد داوود أوغلو في كتابه "العمق الاستراتيجي" ان انهيار الامبراطورية العثمانية أدى لحالة اقرب للكابوس في العالم العربي بسبب العجز عن الارتكاز لتوازنات جديدة ثم كان للتاريخ ان يسير لتبحث المنطقة عن توازناتها وصولا للحرب الباردة والتوازنات بين حلفي شمال الأطلنطي ووارسو.
ويخلص أوغلو الى انه مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك البنية العالمية ذات الثنائية القطبية تبددت هذه التوازنات وعانت بعض الأنظمة من ازمة شرعية حادة وتبلور شعور بالغربة لدى الجماهير العربية المسلمة حيال النخب السياسية القمعية فيما انتقل محور الخطاب المعادي للغرب واسرائيل من الحركة القومية العربية الى الحركة الاسلامية وباتت الحاجة ماسة لاستراتيجية اقليمية جديدة والسؤال هنا:من الذي يضع هذه الاستراتيجية او يفرضها؟!.

تجارب مؤلمة

يقول أحمد داوود أوغلو ان مجتمعات العالم الاسلامي فقدت الثقة بعد كثير من التجارب المؤلمة في وجود آلية موضوعية عادلة للنظام الدولي ضاربا أمثلة من بينها عدم تطبيق القرارات الدولية الخاصة بفلسطين فيما ادت حالة عدم الثقة لدى مجتمعات العالم الاسلامي بعدالة النظام الدولي الى اجواء نفسية-ثقافية في هذه المجتمعات تبحث عن الأمن لكن القيادات الاستبدادية استغلت هذا الوضع لصالحها باعتبارها القادرة على منح الاستقرار لمجتمعاتها وهو ما يسميه اوغلو "بالاستقرار الخطر" حيث لا يترك هؤلاء الذين يمسكون بمقاليد الحكم مواقعهم الا لضرورة قاهرة وبتدخل الأقدار..وهذا النوع من الاستقرار كما يقول اوغلو لايمكن ان يحقق لأي مجتمع ما ينشده من امن سياسي وأمان اجتماعي ونهوض اقتصادي.

من المتعارف عليه ان تركيا تحظى حتى الآن بتداول حقيقي للسلطة وتعددية حزبية فعلية واذا كان البعض يقول ان "الأردوغانية سددت ضربة للعلمانية في استفتاء الثاني عشر من سبتمبر" فان هناك من يقول مصححا ان ما حدث في هذا اليوم كان يستهدف العلمانية المتطرفة ويرمى لتصحيح الوضع في المؤسستين العسكرية والقضائية كمعقلين تاريخيين للعلمانية المتطرفة وتحقيق التوازن في مفهوم العلمانية وليس شطبه من الواقع المجتمعي التركي فيما يؤكد رجب طيب أردوغان على أن نتائج الاستفتاء تقر تعديلات دستورية تمثل خطوة متقدمة لتحقيق المزيد من الحقوق الديمقراطية في بلد يطمح للانضمام للاتحاد الأوروبي وهو حلم تبناه مصطفي كمال اتاتورك بينما يستمر الجدل على امتداد العالم الاسلامي حول حلم التأسيس لحداثة اسلامية منفتحة.

واذا كان من غير المستبعد ان يؤدي تفكك الأبنية السلطوية-الاستبدادية في العالم العربي الى حراك يشبه الحراك السياسي الذي شهدته المنطقة في سنوات الخمسينيات والستينيات فان وزير الخارجية التركي أحمد داوود اوغلو يؤكد في كتابه على ضرورة ان تأخذ الخطط المستقبلية والتحليلات السياسية سواء على المستوى الاستراتيجي او التكتيكي في اعتبارها ايقاع التغيير ومعطيات الحراك ومقاييسه فيما تكشف اي نظرة للواقع العربي الراهن عن اعجاب شعبى واضح وجلى بالنموذج التركى للنهضة وتعزيز الحريات والديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية والنمو الاقتصادى وتتردد اصوات عربية بقوة داعية للاستفادة من دروس التجربة التركية.

ولفت البعض لمغزى مشاركة نسبة وصلت الى 78 % من مجموع الناخبين الأتراك في استفتاء 12 سبتمبر بينما لاتكاد تصل نسب مشاركة الناخبين في الدول العربية في اي انتخابات الى 20 % ..وفي غمار حالة اعادة اكتشاف العلاقات التركية-العربية يقول اوغلو في كتاب "العمق الاستراتيجي":بات من الضرورى تتحول العلاقات الثنائية التكتيكية التي اقيمت من دون تطوير لاستراتيجيات شاملة حيال المنطقة ككل الى محور استراتيجي وان تسفر عن نتائج محددة للوضع الدولى بحراكه ودينامياته فيما تحمل التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط اليوم خصائص من شأنها ان تحقق لتركيا تأثيرا اكبر من اي وقت مضى.

هذا الكتاب يشكل جوهر العقيدة الاستراتيجية لتركيا الجديدة فيما يؤكد اوغلو على اهمية توظيف الخصائص الجغرافية-التاريخية الفريدة لتركيا في خدمة سياساتها الخارجية في عصر العولمة وهو ينظر لمنظمة المؤتمر الاسلامي باعتبارها خط تأثير جغرافي-سياسي-ثقافي بين اسيا وافريقيا..وفي كتابه "العالم الاسلامي في مهب التحولات الحضارية" ينتقد اوغلو النزعة الطاغية للحضارة الغربية بصورة تهدد بالغاء التعددية الحضارية وفرض نمط واحد على العالم عن طريق المزيد من القسر والاكراه.

التحول الحضاري

لقد اولى أحمد داوود اوغلو اهتماما واضحا في كتابه "العمق الاستراتيجي" لمسألة الموقع الجيو-استراتيجي للدولة وعمقها التاريخي ساعيا للبرهنة على ان تركيا دولة محورية فيما يتبنى أوغلو ايضا نظرية التحول الحضاري ويتوقع انتقال مايسميه "بالهيمنة الحضارية" من المحور الأطلسى لمحاور اخرى لاتزال في مرحلة التشكيل وفي مقدمتها "المحور الباسفيكى" حول الصين واليابان والهند كما يتحدث الرجل الذي عمل لفترة كأستاذ جامعى في ماليزيا عن "المحور الحضاري الاسلامي" الذي يضم دول العالم الاسلامي وفي القلب منها تركيا التي باتت تتمتع بوفرة هائلة من الخيارات الاستراتيجية.

يرى اوغلو في سياق نظرية التحول الحضاري ان ما يجرى في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتى ليس تعبيرا عن الانتصار النهائى للرأسمالية او نهاية التاريخ وانما هو تعبير عن تحول حضاري واسع المدى يتضمن محاولات لبناء محاور مغايرة للمحور الأطلسي الأمريكي ومن بينها المحور الحضاري الاسلامي المرتكز على رؤية اسلامية متماسكة للعالم وفي القلب منها قيمتا الآمان الوجودى والحرية فضلا عن السلام مع البيئة والكون.

والنموذج الاسلامي كما يراه اوغلو يعبر عن الأصالة والتجدد والتعددية وتصوره للتاريخ والزمن يؤكد الطبيعة الدائرية بدلا من الخطية الأحادية التي تعتمدها الحضارة الغربية..وينبه اوغلو الى ان المحور الأطلسى-الأمريكي سيسعى للاحتفاظ بتفوقه بكل السبل والوسائل مهما تعارضت مع الأخلاق ولن يتردد في التلاعب بالأسس الداخلية للمراكز الحضارية البديلة .. وها هي دعوات تنطلق مؤازرة لفكرة اقامة اطار مؤسسي يجمع بين العالم العربي وتركيا وايران وهي فكرة تعبر عن شعور صادق وتتجه بصورة سوية نحو البؤرة المحتملة للتغيير في المنطقة بما يخدم شعوبها ويلبي اشواقها في الحرية والكرامة ويغطي حالة الانكشاف المعيب امام العدو التاريخي ويكسر حصاره بقدر ماتتوافق هذه الفكرة مع نظرة تاريخية تؤكد على اهمية التحالف العضوي بين العرب والأتراك والايرانيين في مواجهة اعداء الأمة.

وكما يقول أحمد داوود اوغلو في كتاب العمق الاستراتيجي فان التراكمات الثقافية التي صنعها العرب في العصرين الأموي والعباسي انتقلت الى بنية الحضارة التي اقامها الأتراك عبر الدولة العثمانية مع موروثات التراكم الحضاري الايراني المتجذر في النسيج الثقافي-السياسي لدولة الخلافة .ويرى اوغلو ان بناء السياسة الخارجية في العالم العربي بمثابة صراع يستهدف اقامة توازن ما والحفاظ عليه وهو الرجل الذي يريد لتركيا ان تكون صانعة سياسات وليست جسرا او ممرا وان تنضم للاتحاد الأوروبى مع استمرار التوجه شرقا ولكن قبرص تبقى العقدة وتبقى مركزا استراتيجيا متقدما للأتحاد الأوروبى في شرق المتوسط!.

وفي لعبة المصالح والتوازنات لايمكن اغفال اهمية قبرص في شرق المتوسط..كل شىء يعود لأصله لكنه يتشكل من جديد!..فمن الذي سيرسم المشهد الجغرافي-السياسي الجديد للمنطقة ومن الذي سيفرض ارادته في لعبة الأمم شرق المتوسط في ظل مايسميه اوغلو بجغراقيا العولمة ؟!!.

هذه المنطقة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنزاع العربي-الإسرائيلى لأنه قلب الصراع فيها بعناصره المتعددة والمعقدة والمتداخلة.. انها مرحلة التحولات والبحث عن توازنات جديدة في صراعات لاتتوقف وجدل بين رهانات التاريخ وارادات الشعوب ومكائد الهيمنة والتنافس على ملء الفراغ..منطقة في حالة حركة بين العمق الاستراتيجي ودواعى التكتيك..ها هو التاريخ يستيقظ من تحت رماد المعارك والملاحم وها هي الجغرافيا في شرق المتوسط تشهد ملحمة جديدة في منطقة قدمت للدنيا اشهر الملاحم ومازالت غزة جرحا مفتوحا وكاشفا بقدر ماتكتب ملحمتها على طريقتها في المنطقة الحائرة بين النصل والدم وبين شجرة الزيتون وفردوس المتوسط..منطقة يكثر عشاقها فلمن تسلم قلبها ومفاتيحها؟!.