دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 20/9/2008 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الترجمة ومعضلاتها .. أهم قضية في نقل المنتج الثقافي

المصدر : وكالات خارجية

تتعدي آليات النقل من لغة إلي أخري

  • جوته: لا أستطيع تخيل اعمال افلاطون وأرسطو بدون شروح ابن رشد
  • المنتج الثقافي الأوربي كان مرهونا بطفرة الترجمة التي أحدثتها الثقافة العربية
  • حركة الترجمة العربية في العصرين الأموي والعباسي اعادت الحياة للعلوم الأوربية القديمة
  • المسيحيون واليهود شاركو في مسيرة الترجمة وساهموا في التعريف بالحضارة العربية

بقلم: باسم توفيق .. تحاور المفكرون والمنظرون كثيرا ليتفقوا فيما بينهم علي ثوابت كثيره تخول لهم وضع نظرية ثابتة ومشتركة بخصوص مسألة عملية تكوين الحضارات والتي تشمل عدة قضايا مهمة وخطيرة أهمها مسألة انتقال الأفكار والمثل المميزة للحضارات من إقليم الي إقليم ومن عصر إلي عصر من هنا كان علي مفكري الشرق والغرب أن يطرحوا فكرة التعصب جانبا لبحث آليات هذه القضية النظرية الكبيرة والتي قد تلقي بظلالها علي عمليات تطبيقية متعددة تسير في إطار الاندماج الحضاري.

من هنا كان علينا ان نبحث بكل أمانة هذه المسألة وهي آليات انتقال الفكرة الحضارية وعلي اعتبار ان اللغة تشكل حاجزا كبيرا في وجه مسألة الانتقال كانت هناك أهمية قصوي لقضية الترجمة والتي تسرع وتسهل عملية انتقال الأفكار الحضارية من إقليم إلي إقليم ومن عصر الي عصر آخر حيث تبرز قضايا ومعضلات الترجمة كعلم منفصل بذاته في الوقت الحاضر بعد أن أعطت لها الأوساط الأكاديمية مكانتها الطبيعية في العملية المعرفية الخاصة بقضية تكوين وانتقال الأفكار الحضارية والتي قد نطلق عليها تخفيفا اصطلاح (المنتج الثقافي والفكري) من هنا أصبحت الترجمة وتاريخها علما يعتبر من أهم وأخطر العلوم كما يؤكد أستاذنا الكبير محمد عناني والذي كان له دور رائد في قضية معضلات الترجمة وعملية النقل من لغة الي لغة أخري بحكم عمله كأستاذ متخصصا في الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة.

بالطبع القضية كبيرة ومتشعبة ومترامية الحدود والمدارك بل إنها قد تتسع لتشمل كل العمليات العقلية التي قد يستخدم فيها العقل فك نوع من الشفرات او الرموز الخاصه بقضية ما لدرجة انك قد تجد ان اللغة الواحدة بحاجة الي عمليات اولية من الترجمة إذا حاولت ان تنقل مضمونا فكريا من إطار إلي إطار آخر فأنت علي سبيل المثال قد تحتاج لفك شفرة اللغة العلمية لنقلها الي القاريء العادي وبالتالي تحولها الي لغة أدبية او لغة صحفية مع الابقاء علي بعض المدلولات العلمية مع شرحها إذن الترجمة لا تقتصر علي عملية النقل من لغة الي لغة بل انها أيضا تشمل النقل والتحويل من إطار الي إطار.

لكن ما يهمنا هنا وما نريد أن نستعرضه اكمالا للطرح الذي نقدمه بشكل متصل عن الحضارة الإسلامية ما يهمنا في هذة القضية هو الكشف عن عملية الترجمة ودورها في نشأة وتكوين الحضارة الإسلامية العريقة وكيف قامت هذه الحضارة الفتية بدور المترجم والمنقح والمضيف الابداعي للفكر الأوروبي القديم وحولته لعلم آني بعد أن كان علما ميتا في بطون المخطوطات التي قد تقادم العهد بها فأصبحت طلاسم سحرية بالنسبة لأوروبا في ذروة عصور تخلفها أي بعد سقوط الامبراطورية الرومانية وبداية عصور الظلام التي قد نطلق عليها اصطلاحا (العصور الوسطي) ودعنا قبل ان نطرح قضية الترجمة بشكل محايد وصريح في هذه الفترة دعنا نستشهد بكلام أحد عظماء الأدب العالمي وهو أديب أوروبي حيث يتكلم الأديب الألماني فولفجانج فون جوته عن العرب والترجمة في أحد رسائله للأديب الألماني شيلر (لم أكن أتخيل أن تتفتح عيني منذ الطفولة ولا أجد تلك المحاورات العظيمة لأفلاطون وتلك الشروح المستفيضة لأرسطو لكنني وقبل ان تظن اني اتحدث عن مترجمينا الكبار الذين ترجموا هذه الذخائر من اليونانية واللاتينية يجب ان تعرف اني اقصد عباقرة منسيين من العرب هم الذين قدموا لمترجمينا وعلمائنا الشروح والتفاسير التي أعانتهم علي بعث الحياة في أرسطو وأفلاطون من جديد حيث لا استطيع ان أتخيل أرسطو المترجم للألمانية دون أن يقفز في ذهني عالم كابن رشد أو حتي مترجم حصيف مثل حنين بن اسحاق قصدت أن أقول لك اننا بحاجة ماسة للبحث في تضاعيف هذه الحضارة الغزيرة هذا الكلام مر علية اكثر من ثلاثمائة عام حيث يعترف أعظم أدباء العالم بعد شكسبير أن الحضارة العربية بحاجة لإعادة اكتشاف مثلما فعلت الحضارة العربية نفسها من قبل حيث اعادت اكتشاف الحضارة الأوربية بعد أن علاها تراب الزمن وكادت ان تضيع في تضاعيف التخلف الذي أكلها في العصور الوسطي.

ونريد هنا احقاقاً للحق ان نؤكد ان مسيرة حضارتنا العربية لم تكن تعتمد فقط علي العلماء المسلمين كما يعتقد البعض بل ان الأمانة العلمية والموضوعية التي يمليها علينا البحث العلمي تقتضي ان نعترف بكل فخر ان المسيحيين العرب بل واليهود أيضا كان لهم دور ليس بالقليل في مسيرة حضارتنا العربية التالدة حيث لن يسقط من حسابات التاريخ مدرسة السريان في الترجمة وعلي رأسها حنين بن اسحاق وابنه أسحاق أيضاً وهذا علي سبيل المثال لا الحصر كذلك يهود أشبيلية مثل يوحنا الأشبيلي ويهود الخزر الذين نقلوا حضارتنا العربية الي أوربا فيما بعد.

وبالتالي فإن الإسلام الذي رعي في ركابة هذه الأعراق والملل بكل سماحة وحب بأن جعلهم مواطنون عرب علي اختلاف مللهم واشربتهم هيأ الجو لأن تنشأ الطفرة العلمية والفكرية العربية التي قادت الشرق ثم الغرب الي عصر جديد من التقدم الفكري والمعنوي

ولعلنا يجب ان نركز في قضية الترجمة علي مدرسة مهمة وشهيرة هي التي تحملت جزءا كبيرا من عملية النقل الحضاري وفك شفرات المنتج الثقافي كما ذكرنا آنفا هي مدرسة السريان التي لم يتكرر لعبقريتها مثل في التاريخ والسريان عرقيا وأثنولوجيا هم من العرب الشوام أو السكان الأصليين لما يعرف ب (سيريا) أي سوريا كما نسميها الآن لقد كانوا في الأساس عربا من الكنعانيين ولهم في انسالهم نسب يعود الي سيدنا ابراهيم عليه وعلي نبينا أفضل الصلوات والتسليم وبحكم وجود اليهود منذ قديم عهدهم وخروجهم من مصر في سوريا وحيث يوجد اقدم كنيس او معبد يهودي في سوريا ويقال له الكنيس الأحمر كان السكان الأصليون من السريان فيهم نسبة ليست بالقليلة تعتنق اليهودية ثم بعد دخول المسيحية وانتشار المسيحية في الاقاليم التي تشكل منطقة الشام اعتنق معظمهم المسيحية وكانوا بعد مرورهم بعدة موجات استعمارية أهمها الموجة اليونانية التي صاحبت دخول الأسكندر الشام ومصر حيث حكمهم فيما بعد عدة أسر يونانية كان أهمها أسرة (انتيوخوس) التي اشتق منها اسم (أنتيوخياس) او انطاكية والتي كانت تطلق علي معظم أجزاء سوريا ثم بعد ذلك الرومان الذين سيطروا علي سوريا حتي الفتح العربي من هنا كان لمتعلمي هذه المنطقة سمات ثقافية غايه في التفرد والابداع حيث اتقن اعضاء طبقة المثقفين السريان عدة لغات هي السريانية وهي لغة سامية قديمه تمثل احدي مراحل اللغة العبرية القديمة وهي ايضا احدي أشكال تطور الآرامية وأجادوا أيضاً اليونانية القديمة التي اخذوها عن الأغريق وأجادوا اللاتينية لكن كل الدراسات تؤكد انهم كانوا يتكلمون بلسان عربي فصيح بالرغم من اجادتهم كل هذه اللغات وكان السريان من نوعية المثقفين المتفتحين التي لا يشكل لها اختلاف العقيدة عائقا في الاتصال حيث كان معظمهم من المسيحيين علي المذهب النسطوري (نسبة الي مبتدعه القس والفيلسوف نسطور ) وهو مذهب أقل تعقيدا من مذهب الأرثوذوكس الذين تشكل لهم مشكلة التعدد احتقانا كبيرا من ناحية الطرح الفلسفي .

ولما دخل العرب سوريا ابقوا علي اهلها او السكان الأصليين في أمان وأعطوا لهم حرية العبادة حيث كانت الخطوة الأولي التي جعلت السريان يمدون جسور التعاون مع المسلمين والحقيقة ان السريان لم يكونوا يجهلون العرب المسلمين بل كانوا يعرفونهم تمام المعرفة بحكم الجوار والتجارة والتزاور وكذلك صلات النسب من هنا كانت قضية الاختلاط تندرج تحت عنوان دمج اقليمي وليس احتلالاً كما قد يعرض البعض بدليل ان العلاقات بين المسلمين والمسيحيين السريان قد تعدت كل الخطوط الحمراء فشملت الزواج والمصاهرة وعلاقات الحب والعشق حيث كانت والدة يزيد بن معاوية الأموي سريانية مسيحية وكان هو يفضل في جوارية السريانيات المسيحيات ويقال انه كان يقضي معظم أوقات مرحه في احدي أديرة الشام يشرب الخمر ويسامر الرهبان والأمثلة غير معاوية كثيرة فلقد ستزوج الشاعر العربي عبد السلام بن رغبان الشهير بديك الجن من جارية مسيحية ومات حزنا عليها بعد ان قتلها تحت تأثير الشك والريبة.

من هنا يتضح اننا حينما نتحدث عن السريان نتحدث عن احدي الأجناس العربية التي تدين بالمسيحية في ذلك الوقت وليس جنسا آخر كما يعتقد البعض.

وبعد ان نمت واشتدت عود العلاقات ساهم السريان في هذا الطرح الابداعي الإسلامي حيث اهتم الخلفاء الأمويين ثم العباسيين بعلماء السريان ومنهم علي سبيل المثال حنين بن اسحاق والذي يعتبر مثالا مكتملا للعالم الحصيف والمترجم النحرير والذي نقل الي العربية أمهات الكتب الاغريقة في العلم والفلسفة مثل كتاب العالم السكندري الأغريقي بطليوس في الفلك والمسمي اصطلاحا عند العرب (المجسطي) والتي هي تحريف للكلمة اليونانية (ماجنوس) اي الكبير او العظيم وهو مجموعة ابحاث فلكية لبطليوس نقل بعضها عن العالم السكندري (كونون) والذي كان الفلكي الخاص بلملك الأغريقي السكندري (بطليموس الثالث يوريجيتس) ولقد نقل حنين العديد من امهات الكتب الي العربية حيث هيا بذلك المناخ لظهور علماء الجيل الثاني وفلاسفته أمثال ابن رشد وابن سينا وغيرهما.

وإذا كانت الترجمة إلي العربية قد بدأت في واقع الأمر في مطالع عصر بنيأمية علي يد خالد بن يزيد بن معاوية حين ترجم من اليونانية إلي العربية، وحين أجاز الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ترجمة الكتب الطبية لحاجة الناس إلي الطب إلا أن الترجمة لم تبلغ شأواً بعيداً من التقدم والازدهار إلا إبَّان حكم بني العباس وبخاصة في عهد الرشيد والمأمون حين تألقت في سماء الأمة الإسلامية نهضة علمية عربية عارمة كانت الترجمة لحمتها وسداها، بدأت في منتصف القرن الثامن الميلادي واتسعت حركتها في عصر الخليفة المأمون (786 - 833م) في القرن الثاني الهجري والتاسع الميلادي حين أخذ المسلمون ينهلون من موارد العلم كؤوسا مترعة ويترجمون كتب الإغريق والهند والفرس وينقلون إلي اللغة العربية مختلف الذخائر العلمية، واستمرت هذه الحركة في ازدهار ملحوظ حتي نهاية القرن الحادي عشر، وعن طريقها انتقل إلي اللغة العربية تراث الأمم ذات الحضارات القديمة. وتلت ذلك نهضة علمية خصبة واسعة تميز الإنتاج فيها بالجدة والأصالة وبإضافات جادة أضافها العلماء العرب إلي هذه التراجم من مبتكراتهم. وكان هذا نتيجة تفاعل التراث الأجنبي الدخيل مع التراث العربي الأصيل. وقد ذهب بعض المستشرقين الغربيين مثل ويل ديورانت إلي أن الإسلام قد احتل مكان الصدارة والقيادة الفكرية والعلمية في العالم طوال خمس.

- وكما يقول الدكتور الطويل في مؤلفه القيم عن العرب والعلم في عصر الإسلام الذهبي، كان المترجمون في العادة يجيدون اللغة التي ينقلون عنها إجادتهم للغة التي ينقلون إليها، وكان أغلبهم يلتزمون الدقة ويتوخون الأمانة فيما ينقلون. ومن أبرز المترجمين في ذلك العهد بل أبرزهم جميعا حنين بن إسحاق، الذي كان يجيد ثلاث لغات غير العربية هي الفارسية واليونانية والسريانية وكان بشهادة المؤرخين جيد الأسلوب واضح المعني وكان يستعمل المصطلحات العلمية بألفاظها الأجنبية أي بتعريبها مع شرحٍ لمعناها - وكثيرا ما نهض حنين بإصلاح أو إعادة ترجمات ابن البطريق عن اليونانية، وكان لا يجيدها برغم تمكنه من اللاتينية، وقام بالعمل نفسه مع ترجمات اصطفان بن باسيل.

ومما يؤثر عن حنين أيضاً انطلق بأمر الخليفة المأمون إلي القسطنطينية باحثا عن الكتب والمراجع وبوجه خاص عن مؤلفات جالينوس، ولا أظن أن ال جالينوس أُحْيي إلا علي يديه وعلي أيدي من عاونوه من مترجمين وتلاميذ - وإذا كانت القرون الوسطي المسيحية قد عرفت شيئا في القرن الثالث عشر للميلاد عن الطب اليوناني إنما عرفته عن طريق الطب العربي - وإذا رجعنا إلي كتاب الفهرست لابن النديم لوجدنا طائفة قيمة من تلك الترجمات التي كانت دعامة الحركة الفكرية والعلمية في القرن الثالث الهجري أو العاشر الميلادي - وفي جو هذه الترجمة تخرج أكبر طبيب عربي هو أبو بكر الرازي - وجملة القول كان حنين بن اسحاق ومدرسته خير من يمثل الثقافة اليونانية ومن قدمها إلي قراء العربية.

لكن لن ندعي ايضا ان الترجمة في هذه الفترة بالرغم من تمكنها وقوتها كانت صالحة بنسبة 100% فلقد كانت تشوبها بعد المعوقات التي أثرت علي مسيرة حركة الترجمة لكنها لم تكن بالقوة التي تجعل من الترجة كحركة ثقافية تتوقف ويجب ان نشير ان الترجمة في هذه الفترة الخصبة من الحضارة العربية كانت تسير بشكل مطرد في اتجاه العلم أكثر منها في اي اتجاه آخر وبالتالي اثر ذلك علي ان ينهل العرب من ينابيع الفنون القديمة مثل الدراما مثلا حيث كانت محاولات الترجمة العربية في هذا المجال قلية جدا بل تكاد تكون منعدمة حيث لا نجد ذكرا لفنون الدرامية في مسيرة الترجمة الهم بعض الاشارات لكتاب فن الشعر لأفلاطون والذي ربما ترجمه يونس بن متي لكنه الترجمة مفقودة ايضا كانت هناك معوقات كثيرة تواجه الترجمة الأدبية منها عدم وجود مقابل للاصطلاحات الفنية في اللغة العربية وكانت هذه من أهم المعوقات التي واجهت ترجمة الأعمال الأدبية وهوميروس بالتحديد مع انه كان مجالا خصبا للترجمة الا انه لم يلق نجاحا في هذه الفتره ولعل أهم المعوقات التي واجهت ترجمة أعمالي كانت معوقات من ناحية السنتاكس اي علم النحو والصرف لأن اللغات اليونانية واللاتينة تختلف من ناحية النحو والصرف بشكل كبير عن اللغة العربية فعلي سبيل المثال لا الحصر نجد ان الفعل الماضي في اللغة اليونانية مثلا له اكثر من سبعة أزمنه قد يتخذ كلا منهما ايحائا مختلفا علي عكس اللغة العربية التي يكون فيها الماضي صيغة واحدة فقط كذلك وجود بعض الحالات اللغوية الشديدة الاختلاف عن اللغة العربية والتي لا تجد لها مقابلا في لغتنا مثل افعال (الديبونانتيا) والتي تقع في منطقة وسطي بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول وهذا علي سيبل المثال لا الحصر فهناك الكثير من المعضلات اللغوية التي أحبطت الجانب الأدبي في حركة النقل والترجمة العربية في عصور مجدها