آخر تحديث: الأربعاء21/6/2006 م، الساعة 02:04 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية /المنتدى
إرسال المقال طباعة المقال
.. ورحل قديس آخر!

سليم عزوز...كاتب وصحفي مصري........

عندما تلقيت رسالة علي تليفوني الجوال، من الزميل محمد منير الصحفي بجريدة " الأهالي" القاهرية تقول: " مات آخر الرجال المحترمين، ماتت رائحة الزمن الجميل"، لم أكن بحاجة لان انتقل للصفحة التالية لأقف علي ان المقصود هو القطب اليساري الكبير أحمد نبيل الهلالي. وربما كانت مصادفة ان سائق التاكسي الذي كنت استقله في هذه اللحظة يفتح الكاسيت علي أغنية للمطرب السعودي الجميل محمد عبده وهو يشدو: " يا موت هون علي قلبي"، ان لم تخن الذاكرة!

فقد شاءت إرادة الله ان تفقد مصر في شهر واحد نبيل الهلالي، واحمد عبد الله رزة، وهما من أنبل واشرف الذين عرفتهم حياتنا السياسية، ومن الذين ظلوا قابضين علي جمر الاستقامة في وقت انهار فيه كثيرون امام المغريات، سواء من الداخل او الخارج، في عملية إفساد للحركة السياسية المصرية، لم تبدأ علي يد النظام المصري، ولكن بدأت علي يد أنظمة بالخارج، مدت كثيرين بالمال، حتي يشتدوا في معارضتهم ضد الرئيس السادات، ثم جاء التمويل الأجنبي، ومن أوروبا وأمريكا، ليكمل المشوار، وكان طبيعيا بعد ذلك ان يبيع البعض بالرخيص لأهل الحكم بالداخل، فمن يهن يسهل الهوان عليه!

أحمد عبد الله رزة الحاصل علي الدكتوراه من واحدة من اكبر الجامعات في بريطانيا، لم يجد عملا يقبله في مصر، حيث كان تاريخه السياسي يطارده أينما ولي وجهه، ولم يتحمس احد من الذين يذرفون الدمع الهتون لمساعدته - نفس حماسهم في رثائه بعد وفاته - ليحصل علي حق من الحقوق العادية للإنسان، وهو حق العمل، الذي لا يعطي إيثارا ولا يمنح تفضلا، وكثيرون من رفاقه أصبحوا نجوما، ولهم مسالك ودروب، وكانت الأبواب ستفتح اذا طرقوها، ليساعدوا زعيمهم السابق في الحصول علي حقه، دون ان يطأطيء رأسه، ودون ان ينسحق في مواجهة قوم يعز عليهم ان يظل الرجل رجلا الي النهاية، ويعشقون ان يمارسوا سياسة: قهر الرجال، ليشعروا بقيمتهم عندما يرون انكسار الشرفاء!

قيمة احمد عبد الله رزة انه لم يساوم، وعاش حياته " خالي شغل" كما نقول، وعندما أسس مركزا لرعاية اهالي منطقته، التي تعد واحدة من مناطق الظل في القاهرة، وأخبره البعض انه يستطيع ان يحصل علي تمويل أجنبي معتبرا لمركزه، قبل ان يرتد إليه طرفه، رفض بإباء شديد، وظل هكذا الي ان وافته المنية، ورحل عن دنيانا مرفوع الرأس، موفور الكرامة، ولعله بصق علي " دنيانا" قبل ان تخرج روحه لبارئها، فماذا يفيد المرء اذا كسب العالم وخسر نفسه!

لا ازعم أنني اعرف احمد عبد الله معرفة شخصية، او أنني واحد من الذين اعترفوا بأنه كان زعيمهم ( طبعا بعد ان مات)، ولا ازعم أنني انتمي الي الفصيل السياسي الذي ينتمي إليه ، لكن ما أظنه حقا وصدقا، ان الوطن قد خسر خسارة فادحة برحيل مناضل بحجمه، يستمد قيمته ليس بانتمائه الي اليسار المصري، ولكن في تمسكه بشرفه، مما يؤهله لان يكون رمزا لكل الباحثين عن العدل والحرية، وكل من تمثل قيم انقرضت كالشرف، والكرامة، والرجولة، لهم معني. وما يسري علي أحمد عبد الله يسري علي احمد نبيل الهلالي. واذا كان الأول لم يجهر بتصنيفه السياسي، فان الأخير معلوم بأنه شيوعي قديم، لكنه، وبالمثاليات، التي تمسك بها، والقيم التي عض عليها بالنواجذ، يمثل قدوة، ورمزا لكل الأطهار في العالم، وللمتعلقين بأهداب الطهر، في زمن عفن، تزكم عفونته أرجاء الكون!

نبيل الهلالي لم ينتم للشيوعية لأنه فقير، ورأي في الانتماء لها محاولة للدفاع عن حق شخصي استولت عليه الرأسمالية المتوحشة، فقد كان وهو يختار موقعه السياسي واحد من الصفوة، ومن باشاوات هذا الزمن وأعيانهم، فوالده نجيب باشا الهلالي هو رئيس وزراء مصر في إبان الاستعمار، ولعل من الطرائف التي تروي هنا، ان أجهزة الأمن كانت تفاجأ بمنشورات مطالبة بجلاء الاحتلال توزع بكثافة، وعلي الرغم من مداهتمها لكثير من الأماكن التي يشتبه فيها، فإنها لم تعثر علي شئ، ليكون الاكتشاف بالمصادفة ان هذه المنشورات تصدر من قصر رئيس الحكومة، وتطبع وتحرر في احدي غرفه!

لم تكن الاستقامة عند نبيل الهلالي خطبة، او ادعاء، لكنها كانت موقفاً عملياً، فقد تنازل عن كل ميراثه، وظل يعيش من عمله في المحاماة التي اخلص لها باعتبارها رسالة " نجدة"، فكان يغيث الملهوف، ويقف بجانب الفقراء، ويعين علي نوائب الدهر. وقد تخصص في قضايا لا تدر ربحا وفيرا علي من يتعامل فيها، وهي قضايا الحريات، وقضايا العمال، فقد تجده يصول ويجول امام المحاكم دفاعا عن حق عامل صغير تم فصله من عمله، و تجده مترافعا امام القضاء، وحاضرا امام النيابة للدفاع عن أي معتقل، وكان يتعامل مع القضايا الكبيرة، تعامله مع قضايا تهم عاملاً أو سجيناً، فقد كان يحضر بنفسه، في قضايا يتعالي علي حضورها كبار المحامين، وكان هو بتاريخه المهني والسياسي اكبر من أكبرهم!

مكتب نبيل الهلالي كان قبلة للصحفيين الذين يتم فصلهم، او هؤلاء الذين يخضعون للتحقيق والمحاكمة في قضايا النشر، ولم يكن الامر يستدعي ان تكون هناك علاقة شخصية بينك وبينه، او تذهب له بتوصية من احد أصدقائه، فيكفي ان تطلبه، ليتحمل مهمة الدفاع عنك، وبدون أتعاب، فهو من الذين أسسوا لمبدأ الترافع المجاني في مثل هذه القضايا، وهو المبدأ الذي كاد ان ينقرض الان!

لم أتعامل مع مكتب نبيل الهلالي قط، لكن كثيرين غيري تعاملوا مع الرجل واكتشفوا زهده وإخلاصه وتفانيه، في الدفاع عن حقوق انتهكت لمن يعرف او لا يعرف، لمن ينتمي الي فصيله، او ينتمي الي فصيل معاد له، و لم يكن مصادفة ان نبيل الهلالي الشيوعي العتويل كان يترافع عن المنتمين إلي الجماعات الإسلامية، وغيرهم من التيارات التي تختلف الي حد الاقتتال مع التيار الذي ينتمي إليه، لأنه يؤمن بالحرية لكل الناس، ولأنه مؤمن بقيمة العدل إيمانا وقر في القلب وصدقه العمل، وليس مثل غيره من الأدعياء الذين يُكتشف أمرهم عند أول اختبار!

وإذا كان المرء يُنصح بأن يعد أصابع يده اذا صافح شيوعيا، فان نبيل الهلالي كان اكثر من إنسان، وكان له من اسمه نصيب، فهو نبيل اسما ووصفا، بل كان قديسا في تواضعه وشجاعته وزهده، وفي ظني انه لم يبذل جهدا ليكون كما عرفناه في زمن الانبطاح ارضا، الذي خضعت فيه رؤوس كنا نظن انها شامخة، ولعل هذه هي قيمة الذين امنوا بالأفكار اليسارية ليسوا مدفوعين بفقر مدقع، ولكن بحس مرهف، والهلالي وابن عائلة ثرية آخر هو الكاتب الراحل محمد سيد احمد، كانا من أكثر الذين تمسكوا بما يؤمنون به في زمن سقط فيه كثيرون اذا لم يكن بحجم الغواية، فبسبب الانكسار النفسي الرهيب الذي نتج عن سقوط الاتحاد السوفيتي، والذي سهل سقوط المؤمنين بالفكرة، وسهل غوايتهم.

لن اذكر أمثلة، لظني أنها معلومة للجميع، فالذين سقطوا، وباعوا بالرخيص، وبمناصب تافهة، وبمنح لا تسمن ولا تغني من جوع، لم يفعلوا هذا من وراء الحجرات، فقد كان سقوطهم عيانا بيانا، ولم يخجلوا وهم يعلنون توجههم الجديد، ويتنكرون لكل ما كتبوه وقالوه، وكأنهم لم يقولوه ولم يكتبوه، وقصة الشيوعي السابق الذي ارتمي في أحضان احد الوزراء من أول نظرة معروفة، حتي صار لسانه الذي يتحدث به، ويده التي يبطش بها، وانتقل من قامة فكرية وسياسية الي مجرد موظف في بلاط الوزارة بدرجة رئيس تحرير، في مطبوعة عدد كتابها أكثر من عدد قرائها، وعدد المرتجع منها كل أسبوع أكثر من عدد المطبوع!

لن اقلب المواجع، فالرجل بنهايته التي وضعها لنفسه، يثير الشفقة، اكثر مما يثير الغضب، ويجعلنا نقف علي قيمة الدعاء المأثور: "اللهم اجعل خير أيامنا خواتيمها"، ونقف كذلك علي قيمة القول المعروف: " العبرة بالخواتيم". و النهاية التي يرتضيها اي عاقل لنفسه، هو ان يموت واقفا كما مات احمد عبد الله رزه، وكما مات احمد نبيل الهلالي، وقد فقدناهما في شهر واحد استحق ان نطلق عليه " شهر الحزن"!

ولهذا كان طبيعيا ان تتساقط دموعي عندما تلقيت رسالة محمد منير: " مات اخر الرجال المحترمين، ماتت رائحة الزمن الجميل، مات نبيل الهلالي"، ونفس الموقف عندما تلقيت اتصالا هاتفيا من الزميلة أميرة الطلحاوي وبصوت متأثر وكأنه يأتي من عالم اخر، ليشيع رهبة، ويضفي هدوءا علي جلسة صاخبة بأحد المقاهي: " احمد عبد الله مات يا سليم"!

يوم الأحد تلقيت الخبر الفاجعة برحيل احمد نبيل الهلالي، والليلة السابقة له كنت اقرأ مقالا لمحمد سيد سعيد في جريدة " العربي"، يصف احمد عبد الله بأنه زعيمه، ويتحسر ألما وندما، لانه لم يقف معه عندما كان يبحث عن عمل، فيجد كل الأبواب موصدة، تكفي انحناءة منه لتفتح، وانتابني مزيج من الحزن والغضب، من التأثر بشعور الكاتب بالذنب، ومع نقمتي عليه، هل قدرنا الا نعرف أقدار الناس ومكانتهم وتقصيرنا في حقهم الا بعد ان يرحلوا، ولكن في المقابل من منا لم يكن هذا الرجل!

لا اعرف محمد سيد سعيد عن قرب، لكن وبعيدا عن مواقفه الوطنية، فان الذين يعرفونه يقولون انه من سلالة الهلالي ورزة، واذا كان واحد بهذا الشكل وقد قصر في حق زميل يعرفه كما يعرف نفسه، فهل يقبل منه عتابا وهل يغفر له انه يتعذب بداخله ويعبر عن عذابه كتابة، لعله يطفئ نارا في أعماقه؟!

في الواقع لا اعرف، لكن الذي اعرفه جيدا ان جلد الذات في مكان عام مطلوب، ليشهد العذاب طائفة من الناس، فلا يقصرون في حق النبلاء، حتي لا يندمون في وقت لا ينفع فيه الندم!

وإذا كانت الذكري تنفع المؤمنين، حتي وان كانوا من الشيوعيين الحمر، فإنني لا أجد تفسيرا لنسيان نبيل اخر هو "كمال خليل" الذي تم اختطافه من شارع عبد الخالق ثروت بتهمة التضامن مع القضاة، ولا يزال موجودا حتي الان في السجن، علي الرغم مما يعانيه من أمراض. وهو الذي كان يقود المظاهرات الغاضبة ضد الظلم، والقمع، والاستبداد، والتزوير، والتمديد، والتوريث.

انه العجب، ان يترك القوم هذا السجين، بدون حركة احتجاج تليق بقامته، في وقت ينشغلون فيه بالتضامن مع رئيس تحرير " صوت الأمة"، الذي لم يسجن، ولن يسجن لأنه قال ان الموضوع الذي أحيل بسببه للتحقيق لم يراه قبل النشر، ولا علاقة له به، لتتحمله زميلة في بداية حياتها الصحفية هي هدي ابو بكر، وتقام له ولائم التأييد والتضامن، ويهتف الشيوعيون في مظاهراتهم باسمه كما لو كان مانديلا، مع ان مانديلا الحقيقي في السجن ولا يتضامنون معه بالشكل الكافي واللائق!

ربما لان حركة اليسار المصري تضيق بالمناضلين الجادين، ويعز علي اليساريين ان يكون بينهم نبلاء مثل كمال خليل، في زمن سيطر فيه الزيف، ولهذا فقد سعدوا برحيل رزة، والهلالي، ورأوا في سجن خليل حلا مريحا، حتي لا يكون بينهم استثناء يؤكد القاعدة التي تقول ان الشيوعيين المصريين هم من اسوأ أصناف البشر!

ان هناك حركات تتطهر برحيل أعضائها، وهناك حركات تتنجس، ولا مؤاخذة.

azzoz66@maktoob.com

 

إرسال المقال طباعة المقال
الصفحة الرئيسية | اتصلوا بنا | مركز المساعدة | أضف الراية الى مواقعك المفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية | أعلن معنا | الجلف تايمز
تطوير: اتفاقية استخدام الموقع