ترجع نشأة المستشفيات في قطر والاهتمام بالصحة والعلاج الى عام 1946 حين قرر الشيخ حمد بن عبدالله آل ثاني رحمه الله اقامة أول مستشفى في قطر خصوصاً مع بدء استئناف شركة النفط لأعمالها بعد فترة من توقفها بسبب الحرب وقد عاين الشيخ حمد بنفسه المكان واختار الموقع وهو مقابل وزارة الخارجية وبجوار دار الحكومة سابقاً والبنك الشرقي، وليكون كذلك قريباً من البحر للدواعي الصحية وكان بناؤه بادىء الأمر من طابق واحد، ثم أخذ في التوسع الأفقي والرأسي، وتم تجهيزه بالأسرة والمعدات المناسبة لتلك الفترة، وكان معظم الأطباء الذين يعالجون فيه هم من الهنود، غير ان الشيخ حمد رحمه الله وجه بضرورة ان يستعان بأطباء من المستشفى الأمريكي في البحرين يأتون لقطر ويترددون على المستشفى للعلاج، بهدف الاستفادة من خبراتهم وهكذا جاء طبيبان مشهوران على فترات وبالتناوب أحدهما يدعى »ستورم« والآخر يطلق عليه »هريسن« ويعتبران طبيبين ماهرين قياساً بذلك الوقت وقد أخبرني الشيخ محمد بن حمد حفظه الله انه اصيب في رجله بشوكة دخلت فيها وسببت له ألماً، فذهب الى هذا المستشفى برفقة الزعيم محمد العطية رحمه الله وأصر الطبيب على اجراء عملية له لاستخراجها وعمل التخدير، إلا انه رفض وقبل بإجرائها بدون تخدير بالرغم مما سببت له من آلام وكنا ونحن صغارا عندما نذهب الى البحر اما للحداق او لقضاء الحاجة نمر من سكة صغيرة تفصل ما بين المستشفى وعمارة الدرويش (مكتب السفريات السابق) وكنا نسمع أنين المرضى وصراخهم من جراء العمليات الجراحية التي تجرى لهم حيث لم يكن الطب قد تقدم بما عليه الحال اليوم، وبالمستشفى حجرات كبيرة عبارة عن جمعية تضم اكثر من ثلاثين الى اربعين مريضاً مع قلة عدد الحجرات الفردية، وقد تعالج في هذا المستشفى العديد من الأهالي وتوفي فيه كذلك البعض منهم. وفي وقت لاحق تم اضافة بناء حجرات وعنابر وغرف عمليات في عهد الشيخ علي بن عبدالله واشتهر من الأطباء فيه طبيب هندي يدعى »عبداللطيف« وكانوا يتندرون بعمله، حيث ان المريض اذا ذهب اليه للكشف عليه فإنه يكتب له الروشتة قبل الفحص وقبل الانتهاء من كلامه، كما كان يتساهل في اعطاء الاجازات للمرضى وهو ما يدفعهم للذهاب اليه، وقد مكث هذا الطبيب فترة من الزمن في الدوحة مع أسرته، الى ان ذهب الى بلاده وتوفي هناك وعرف من الطبيبات كذلك عائشة الهندية و»روبي« وزبيدة وزوجة الدكتور القويني وكل هؤلاء كن يشرفن على الولادة حيث بدأت النساء يلدن في المستشفى ابتداء من اوائل الخمسينيات وبالتالي انحسرت ظاهرة الولادة في البيوت بواسطة القابلات التي كانت تتم في الماضي وكثير من جيل الخمسينيات قد ولد في هذا المستشفى خاصة من أبناء المنطقة والمناطق الأخرى حيث كان هذا هو المستشفى الوحيد، واستمر هذا المستشفى يؤدي عمله وتتحسن فيه الخدمات الطبية وتجرى فيه العمليات وبه عدد من الممرضات الأجنبيات اللواتي كن يلقبن بـ sister وتتم صيانته واضافة بعض الغرف فيه، الى أن بدت الحاجة ماسة لانشاء مستشفى أكبر وأوسع ليتناسب مع النقلة الجديدة التي بدأت بعد تصدير البترول وبدء انطلاق عملية التنمية والنهضة من خلال بناء المدارس والطرق والمنشآت وهكذا تم بناء مستشفى الرميلة الذي سنشير اليه لاحقاً، ثم مستشفى الولادة. والجدير بالذكر ان حكامنا جزاهم الله خيراً لم يقصروا العلاج على مواطنيهم فحسب بل جعلوه حقاً لكل مقيم على الأرض القطرية يشارك أبناء البلاد في عملية البناء، فوفرت لهم العلاج المجاني والعمليات والدواء، مع الإقامة الكاملة في المستشفى وكان المرحوم يوسف علي الملا هو المتعهد بتوفير التموين للمستشفى ثم للمستشفيات الأخرى، واستمر على هذا المنوال فترة طويلة من الزمن. ولقد بقي هذا المستشفى قائماً يؤدي عمله حتى بعد انشاء مستشفى الرميلة، لمن يرغب بالعلاج فيه ثم في فترة لاحقة خصص للعزل من المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة والمعدية، الى ان تمت ازالته في إطار عملية التخطيط العمراني وهكذا نرى حرص الشيخ حمد بن عبدالله ومن بعده على توفير أهم مقومات الحياة للشعب القطري ليحيا الحياة الحرة الكريمة والتمتع بالصحة. فجزاهم الله خيراً على ما قدموا وما بذلوا وشملهم برحمته ورضوانه وأمدّ في عمر خلفائهم من بعدهم.
|